التظاهرات التي تشهدها بغداد للمطالبة بالتعيين تضع الحكومة أمام حقيقة اقتصادية لا يجوز تجاهلها .. لم يعد التوظيف الحكومي حلاً مستداماً للبطالة ، بل إنّ الاستمرار في توسيع الجهاز الحكومي ، في ظل الأعباء المالية التي تتحملها الموازنة العامة ، يفاقم النفقات التشغيلية ويضيّق مساحة الإنفاق على الاستثمار والتنمية .. ولكي نكون صريحين مع شعبنا ، فإنّ الدولة لا تستطيع تعيين كل خريج ، ولا يمكن أن تبقى الوظيفة الحكومية الأمل الوحيد أمام الشباب .. فالمشكلة ليست في مطالبة الخريجين بفرص عمل تحفظ كرامتهم ومستقبلهم ، بل في نموذج اقتصادي جعل الدولة ربّ العمل الأكبر ، وأضعف قدرة القطاعات الإنتاجية على استيعاب الأيدي العاملة .. مسؤولية الدولة ليست أن تعيّن جميع العراقيين ، بل أن تبني اقتصاداً قادراً على توفير فرص العمل لهم ..
وهنا تقع المسؤولية الأساسية على الحكومة ، فبدلاً من الاستمرار في إضافة أعباء جديدة إلى الموازنة ، عليها أن تعمل على خلق بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار ، وتفتح الطريق أمام القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في التنمية والتشغيل .. ففي الصناعة والزراعة والسياحة والإسكان والنقل والاتصالات والتكنولوجيا وسائر القطاعات الاقتصادية ، تتوافر إمكانات واسعة لخلق فرص عمل حقيقية ، إذا ما توافرت الإرادة الحكومية والسياسات الصحيحة ..
لكن القطاع الخاص لا يستطيع أداء هذا الدور في ظل البيروقراطية والفساد وتعقيد الإجراءات وضعف التمويل وعدم استقرار القوانين .. ومن واجب الدولة معالجة هذه المعوقات ، وتوفير البنية التحتية ، وحماية المستثمرين ، وتسهيل تأسيس المشاريع وتوسيعها ، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل . فهذه هي الوظائف التي ينبغي أن تتقدم فيها الدولة ، بدلاً من أن تتحمل وحدها مسؤولية توظيف الأعداد المتزايدة من الخريجين ..
ولا يمكن الحديث عن أزمة البطالة والتعيينات من دون التوقف عند الخلل في السياسة التعليمية ، التي سمحت بالتوسع في أعداد الجامعات والكليات الأهلية وتخريج أعداد متزايدة من أصحاب التخصصات ، من دون تخطيط يربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل وقدرة الاقتصاد على استيعابها .. وقد برزت هذه المشكلة في التخصصات الطبية ، ومنها الطب والصيدلة وطب الأسنان ، حيث أدى تزايد أعداد الخريجين إلى ضغوط إضافية على فرص العمل والتعيين .. فالتعليم العالي ليس مجرد منح شهادات ، بل مسؤولية وطنية تستوجب التخطيط للاحتياجات الفعلية ، وضمان جودة التعليم ، ومراجعة سياسات القبول والتوسع الجامعي .. وليس من المقبول أن يُترك هذا الملف من دون معالجة ، ثم تتحمل الدولة لاحقاً تبعات اختلالاته ، ويجد الخريجون أنفسهم أمام مستقبل غامض ..
إنّ مسؤولية الحكومة ليست إدارة طوابير المنتظرين للتعيين ، بل تغيير الواقع الاقتصادي الذي جعل الوظيفة الحكومية حلم ملايين الشباب .. والمطلوب برنامج واضح لخلق فرص العمل ، بأهداف قابلة للقياس ، واستثمارات محددة، وإجراءات تزيل العقبات أمام القطاع الخاص ، وتحوّل موارد العراق من إنفاق استهلاكي متزايد إلى إنتاج وتنمية مستدامة .. لقد آن الأوان لمصارحة العراقيين بالحقيقة ، لا تستطيع الدولة تعيين الجميع ، ولا يمكن للموازنة أن تتحمل إلى ما لا نهاية أعباء التوسع في التوظيف الحكومي .. إنّ مستقبل الشباب لا ينبغي أن يبقى رهينة انتظار درجة وظيفية ، بل يجب أن تتعدد أمامهم فرص العمل في اقتصاد منتج يوفر لهم الكرامة والاستقرار ..
فالدولة الناجحة ليست التي توظّف أكبر عدد من مواطنيها ، بل التي تهيّئ الظروف الاقتصادية والتعليمية التي تمكّنهم من العمل والإنتاج وبناء مستقبلهم ..


