بعد انتصار قوى المحاصصة في تشكيل الحكومة.. كيف تبدأ معركة الإصلاح يا دولة الرئيس؟

بعد انتصار قوى المحاصصة في تشكيل الحكومة.. كيف تبدأ معركة الإصلاح يا دولة الرئيس؟
بعد اكتمال الحكومة وفق توازنات المحاصصة، تبدأ معركة ترسيخ استقلال القرار التنفيذي عن النفوذ الحزبي، وتوحيد أداء الوزراء تحت سلطة القانون والبرنامج الحكومي، مع إعطاء الأولوية لإصلاح الموازنة ومكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد، وتعزيز المساءلة وحماية المال العام...

دولة الرئيس.. لقد انتصرت قوى المحاصصة في معركة تشكيل الحكومة، وأصبحت الكابينة الوزارية أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله. لكن انتصار هذه القوى في توزيع الحقائب لا ينبغي أن يتحول إلى انتصار لها في إدارة الدولة. وهنا تبدأ مسؤوليتكم الحقيقية: أن تجعلوا من الوزراء الذين رشحتهم الكتل السياسية فريقاً حكومياً واحداً، يعمل تحت سقف الدستور والقانون والبرنامج الحكومي، ويكون ولاؤه للدولة قبل الحزب، وقراره التنفيذي بعيداً عن الإملاءات التي تأتي من خارج مؤسساتها.

دولة الرئيس..

المطلوب اليوم ليس تغيير الهوية السياسية للوزراء، فهذا أمر حُسم مع تشكيل الحكومة، وإنما تغيير الطريقة التي تُدار بها الوزارات. فالوزير الذي وصل إلى منصبه بترشيح كتلة سياسية لا ينبغي أن يبقى أسير إرادتها بعد دخوله مجلس الوزراء، ولا أن يتعامل مع وزارته بوصفها حصة حزبية أو مجالاً لتوزيع النفوذ والمناصب والعقود. الوزارة مؤسسة من مؤسسات الدولة، والوزير مسؤول عن أدائها أمام رئيس الوزراء ومجلس النواب والقانون والرأي العام، وليس ممثلاً تنفيذياً للجهة التي رشحته.

إن استقلال القرار التنفيذي للوزراء ليس ترفاً سياسياً، بل أحد الشروط الأساسية لوجود حكومة قادرة على تنفيذ برنامج موحد. فمن الصعب على أي رئيس وزراء أن يفرض سياسة مالية أو اقتصادية أو إدارية متماسكة إذا كان بعض الوزراء يتلقون توجيهاتهم الفعلية من خارج مجلس الوزراء، أو إذا أصبحت القرارات داخل الوزارات خاضعة لحسابات الكتل أكثر من خضوعها لأولويات الدولة.

ولهذا فإن التحدي بعد استكمال الكابينة لم يعد في أسماء الوزراء بقدر ما أصبح في من يملك القرار داخل الوزارات: الحكومة أم القوى التي رشحت الوزراء؟

مسؤوليتكم، دولة الرئيس، أن يبقى مجلس الوزراء هو مركز القرار التنفيذي، وأن يكون البرنامج الحكومي هو المرجعية العملية لجميع الوزارات، وأن يخضع الوزراء لمعيار واحد في المتابعة والتقييم والمحاسبة. فلا معنى لبرنامج حكومي إذا امتلك كل وزير برنامجاً موازياً مصدره كتلته السياسية، ولا معنى للمساءلة إذا كان الوزير محمياً سياسياً مهما كانت نتائج أدائه.

وبعد انتهاء معركة تشكيل الحكومة، ينبغي أن تنتقل الجهود سريعاً إلى ثلاثة ملفات لا تحتمل التأجيل.

أولاً: إصلاح الموازنة العامة ووضع العجز المالي على مسار قابل للمعالجة

لا يمكن للاقتصاد العراقي الاستمرار في دورة تتوسع فيها النفقات مع كل موازنة، بينما تبقى الإيرادات شديدة الارتباط بالنفط، ثم يجري اللجوء إلى الاقتراض أو الحلول المؤقتة عند كل ضغط مالي. والمطلوب ليس مجرد البحث عن موارد إضافية لتمويل الإنفاق القائم، بل مراجعة بنية الإنفاق نفسها، وضبط النفقات غير الضرورية، ومكافحة الهدر، وتنمية الإيرادات غير النفطية من دون تحميل المواطن وحده كلفة الإصلاح.

إصلاح الموازنة يعني كذلك إعادة توجيه جانب أكبر من موارد الدولة نحو الاستثمار والبنية التحتية والمشاريع التي توسع القاعدة الإنتاجية، بدلاً من استمرار تضخم الإنفاق التشغيلي على حساب التنمية. فالعجز ليس مجرد رقم محاسبي في الموازنة، بل مؤشر على اختلال أوسع في طريقة إدارة موارد الدولة والتزاماتها.

ثانياً: مكافحة الفساد وحماية المال العام

لا يكفي أن تعلن الحكومة الحرب على الفساد إذا بقيت بعض الملفات محكومة بالتوازنات السياسية أو الحماية الحزبية. نجاح مكافحة الفساد يتوقف قبل كل شيء على استقلال القرار في التحقيق والملاحقة، وعلى عدم وجود خطوط حمراء تمنع الوصول إلى هذا المسؤول أو تلك الجهة.

المال العام ليس جزءاً من نظام المحاصصة، والعقود والمناصب والمشاريع ليست استحقاقات حزبية. وكلما بقيت مؤسسات الدولة موزعة عملياً بين مراكز نفوذ مختلفة، أصبح من الصعب بناء منظومة حقيقية للمساءلة، لأن الجهة التي يفترض أن تخضع للرقابة قد تتحول إلى جزء من شبكة الحماية السياسية نفسها.

ولهذا يجب أن يكون القانون واحداً على الجميع، وأن تقاس جدية الحكومة بما تسترده وتحميه من المال العام، وبقدرتها على منع الفساد قبل وقوعه، لا بعدد الشعارات واللجان التي تُعلن بعد كل قضية.

ثالثاً: بناء اقتصاد منتج يقلل الاعتماد على النفط

يمتلك العراق ثروات وإمكانات تكفي لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، لكن الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً منتجاً. المطلوب تحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات مستدامة، من خلال إعادة تحريك الصناعة والزراعة، واستثمار الغاز المصاحب، وتحسين قطاع الكهرباء، وإزالة العقبات التي تعيق الاستثمار والقطاع الخاص.

والقضية هنا ليست الاستغناء عن النفط، فهذا غير واقعي في المدى المنظور، وإنما تقليل اعتماد الدولة والموازنة والاقتصاد على مصدر واحد للإيرادات. فكلما بقي الإنفاق العام مرهوناً بأسعار النفط وكميات تصديره، بقيت المالية العامة عرضة للصدمات، وبقيت الحكومة تنتقل من أزمة مالية إلى أخرى كلما تغيرت ظروف السوق.

دولة الرئيس..

هذه الملفات الثلاثة لن تتحول إلى سياسات فعلية ما لم يكن الوزراء قادرين على اتخاذ قراراتهم التنفيذية داخل مؤسسات الدولة، ملتزمين بالبرنامج الحكومي، وخاضعين للمساءلة عن النتائج.

ولا تعني استقلالية الوزير أن يعمل بمعزل عن رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء، بل العكس تماماً. الاستقلال المطلوب هو استقلاله عن الإرادة الحزبية الخارجية، لا عن السياسة الحكومية. فالوزير يجب أن يمارس صلاحياته وفق القانون وضمن برنامج الحكومة وقرارات مجلس الوزراء، لا وفق تعليمات تأتيه من قيادة كتلته أو من جهة سياسية ترى في الوزارة امتداداً لنفوذها.

وهنا يقع الاختبار الحقيقي لرئاسة الحكومة. فالمشكلة ليست فقط في كيفية وصول الوزير إلى منصبه، وإنما في الطريقة التي سيدير بها هذا المنصب بعد وصوله إليه.

دولة الرئيس، نحن لا نطالبكم بإعادة فتح معركة المحاصصة بعد أن حُسمت نتائجها لصالح قواها، ولا بتجاهل التوازنات السياسية التي قامت عليها الحكومة. المطلوب أكثر واقعية وأهمية: ألا تسمحوا لهذه التوازنات بأن تتحول إلى حكومة داخل الحكومة.

اجعلوا مجلس الوزراء مركز القرار التنفيذي، والكفاءة معياراً للعمل، والإنجاز أساساً للتقييم، وحماية المال العام قاعدة لا تخضع للتفاوض. ومن يفشل يُحاسب على فشله، ومن يعطل البرنامج الحكومي لا تحميه الجهة التي رشحته، ومن يستخدم وزارته لخدمة مصالح حزبية يجب أن يعرف أن الوزارة ليست ملكاً لحزبه.

العراق لا يحتاج إلى وزراء يتوزعون على الكتل في الولاء والقرار، بل إلى وزراء يعملون ضمن حكومة واحدة، بسياسة واحدة ومسؤولية واحدة أمام الدولة والمواطن.

لقد انتهت معركة تشكيل الحكومة يا دولة الرئيس..

والآن تبدأ المعركة الأصعب: بناء الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *