وردني سؤال عن شخص كان يرفع شعار المقاومة، بل وقد ملأ اليوتيوب فيديوهات كلها عراك من أجل خط المقاومة والولاية! واليوم يذم المقاومة والفصائل الثابتة على المبدأ، والسائل مصدوم من هذا التنازل والانقلاب!!!
وإليك الجواب:
أعلم ولدي العزيز إن ما تطرحه من تساؤل أليم وعميق يعكس حساسية عالية تجاه الهزات الفكرية والنفسية التي يتعرض لها البعض في المنعطفات الكبرى. إن رؤية من كان يرفع شعارات الصلابة والالتزام وهو يتهاوى فجأة تترك عند الكثير شعوراً بالصدمة، وتدفعنا حتماً لطرح “السؤال الجوهري” كيف يمكن لمبدأ يُفترض أنه مستمد من السماء ورساليّ بطبيعته أن ينكسر بهذه السهولة؟
وللإجابة عن هذا التساؤل بعمق وتحليل دقيق بعيداً عن السطحية، يمكننا تفكيك هذه الظاهرة عبر عدة محاور فكريّة ونفسيّة:
أولا: علينا الحذر من الخلط بين “الأشخاص” و”المبادئ”
لأن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الكثيرون هو ربط المبدأ بنماذج بشرية. كما يربط البعض بين قيم الإسلام المحمدي الأصيل الحسيني والممهد العليا وبين الأشخاص الفاشلة في فهمه، فالأشخاص – مهما بلغت درجاتهم – يظلّون عرضة للاختبارات والابتلاءات. المبدأ الحقّ (كالثبات على خط ‘الولاية’ والمقاومة) هو حقيقة موضوعية ثابتة، بينما التزام الإنسان به هو “سلوك نسبيّ متغير”. وقد يخضع لموازين مادية قادرة على إزالته من مشهد الصدق والإخلاص..
عندما يسقط شخص، فهذا دليل على “فشل” ذلك الشخص وسقوطه في اختبار الإرادة والامتحان الإلهي، وليس دليلاً على خلل أو خواء في المبدأ نفسه.
القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة مراراً: ( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) آل عمران ١٤٤.
السقوط هو سقوط للرائد لا للطريق.
ثانيا: طبيعة الابتلاء والغربلة (التمييز بين الخبيث والطيب)
روي عن مولانا الامام الكاظم عليه السلام { والله لَتُغربلَنّ ثم لتُغربلَنّ ثم لتُغربلَنَّ ويسقط من الغربال خَلْق كثير ولا يبقى منكم الا الأندر الأندر }
المحن الكبرى يا ولدي والضغوط الهائلة لا تفرّخ مبادئ جديدة، بل تكشف جوهر المبادئ القديمة. هناك فرق شاسع بين من يعتنق الفكرة عن قناعة رسالية وعقائدية عميقة، ومن يتبناها لأسباب أخرى، منافع شخصية أو وجاهة اجتماعية، قد يتبنى البعض الخطاب “المقاوم أو الولائي” في زمن القوة والانتشار لكسب الشعبية أو النفوذ، فإذا انحرفت الرياح أو زادت التكلفة المادية والمعنوية، سارعوا إلى التخلي عن هذا الخطاب لأن ثمن الثبات بات أعلى من ثمن التخلّي.
فلسفة الابتلاء الإلهي كفلتر! السنن الإلهية تحتم حصول التمحيص ( مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِیَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَىٰ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ حَتَّىٰ یَمِیزَ ٱلۡخَبِیثَ مِنَ ٱلطَّیِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَجۡتَبِی مِن رُّسُلِهِۦ مَن یَشَاۤءُۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ ) آل عمران ١٧٩.
الانقلابات المفاجئة هي في الواقع تصفية لصفوف الحقّ من العناصر الرخوة التي لا تتحمل ضغط المعركة الطويلة.
ثالثا: هشاشة البناء الفكري والنفسي (الاستهلاك العاطفي مقابل الوعي)
كثير من الاندفاعات في صفوف الحركات الرسالية تبنى على “الحماس والعاطفة” أو التأثر بالبيئة المحيطة (القطيع أو التجييش الإعلامي أو الطشة!) لا على بناء معرفي وعقائدي رصين كما هي النماذج التي انتظرت بشجاعة لحظة الشهادة في سبيل المبدأ { الإمام الشهيد وأبو هادي نموذجا رائعا..}
العاطفة وحدها لا تقاوم عواصف الترهيب والتغريب والإغراء، فحين تشتد الضغوط السياسية أو الإعلامية أو الاقتصادية، وتغيب البصيرة العميقة والفهم الاستراتيجي لطبيعة الصراع، يتسلل الشك إلى النفوس الضعيفة، فيتحول الشخص من مدافع شرس إلى ناقد أو ذامّ لتبرير عجزه وضعفه.
رابعا: مرض “الذات” وحب الاستعلاء والانا! ولأن الإنسان بطبعه يميل إلى السلامة والراحة (حب العاجلة). الثبات على المبدأ العقائدي يتطلب “تضحية” و”إنكاراً” للذات وإيثاراً للمصلحة العامة على المصلحة الشخصية ‘محمد باقر الصدر’ نموذجا..
عندما تتعارض المصالح الشخصية الضيقة (كالخوف على المنصب، أو المال، أو السلامة الجسدية والعائلية) مع ضريبة الالتزام بالمبدأ، يختار ضعاف النفوس تبرير سقوطهم عبر مهاجمة المعسكر الذي كانوا فيه سابقاً وهذه أم المصائب!
ذمّ المقاومة اليوم ليس مجرد موقف فكري عابر، بل هو غالباً محاولة نفسية لتبرير الخيانة أو الضعف الداخلي؛ فالإنسان لكي يريح ضميره المهزوم بعد تخليه عن المبدأ، يحاول تشويه المبدأ نفسه ليثبت لنفسه (وللآخرين) أنه كان على حق في قراره بالانسحاب.
والخلاصة يا ولدي:
المبدأ الحقيقي لم يضعف ولم يكن خواءً؛ فالذهب يبقى ذهباً مهما تعفر بالتراب، والذي يتغير هو قدرة حامله على تحمل وزنه. الثبات الحق هو اصطفاء إلهي وعملية تربوية مستمرة تتطلب إخلاصاً، وبصيرة، وتجرد تام عن الحسابات الدنيوية الضيقة. وكما قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفاً أهل البصائر “ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر”. والغربال مستمر لا تعجل وأن عشت ارادك الدهر عجبا..
“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم ..
خامنائيون ونستمر


