دولة الرئيس علي الزيدي..
إذا كانت الحكومة جادّة في إطلاق إصلاح مالي واقتصادي حقيقي في العراق، فإن نقطة البداية لا ينبغي أن تكون زيادة الإيرادات الدينارية بإجراءات نقدية، أو البحث عن مصادر تمويل جديدة عبر الاقتراض لتغطية النفقات المتزايدة، بل إعادة النظر في الموازنة العامة للدولة، باعتبارها الأداة الأساسية التي تكشف طبيعة السياسة المالية، وتحدد أولويات الإنفاق، وترسم حدود قدرة الدولة على تمويل التنمية وبناء المستقبل. فلا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي جاد من دون إصلاح الطريقة التي تُدار بها الموارد العامة، وتُوزع من خلالها الثروة الوطنية.
لقد كشفت الأزمات المالية المتعاقبة هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي، الذي يعتمد بصورة شبه كلية على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة، فيما تتضخم النفقات التشغيلية عاماً بعد آخر، وتبقى الإيرادات غير النفطية دون المستوى الذي يؤهلها للمساهمة الفاعلة في تمويل التزامات الدولة. وبهذا أصبح استقرار المالية العامة مرهوناً بأسعار النفط وكميات تصديره، وهما عاملان لا تملك الحكومة السيطرة الكاملة عليهما. وكلما انخفضت الإيرادات النفطية، ظهرت صعوبة التوفيق بين الالتزامات الجارية ومتطلبات الاستثمار، وبرز العجز المالي بوصفه نتيجة لاختلالات متراكمة، وليس مجرد نقص عابر في السيولة.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في حجم الإيرادات النفطية وحده، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الإيرادات، وفي بنية الموازنة التي تستهلك الجزء الأكبر من مواردها في الإنفاق الجاري، من دون أن تتمكن من تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة إنتاجية قادرة على تمويل الدولة مستقبلاً. فارتفاع الإيرادات في سنوات انتعاش أسعار النفط لم يؤدِ بالقدر المطلوب إلى تخفيف الاعتماد على هذا المورد، بل رافقه توسع في التزامات يصعب تقليصها عند تراجع الأسعار. وهكذا تتكرر الأزمة كلما انخفضت الموارد، لأن طبيعة الإنفاق لم تتغير بما يكفي لحماية المالية العامة من التقلبات.
ومن هنا فإن الإصلاح المالي يبدأ بإعادة هيكلة الموازنة العامة، وليس بمجرد البحث عن إيرادات إضافية لسد العجز. وهذا يتطلب مراجعة جادة للنفقات التشغيلية، ومعالجة أوجه الهدر والإنفاق غير المنتج، وإعادة تقييم الدعم الحكومي على أساس العدالة والكفاءة، مع حماية الفئات محدودة الدخل وعدم المساس بحقوق المستحقين. كما ينبغي التمييز بين الإنفاق الضروري الذي يضمن استمرار الخدمات العامة والالتزامات الاجتماعية، وبين النفقات التي يمكن ضبطها من خلال إصلاح الإدارة وتحسين الرقابة ومنع ازدواجية الصرف. فترشيد الإنفاق لا يعني تقليص الخدمات أو تحميل المواطن كلفة الإصلاح، وإنما ضمان أن تحقق الأموال العامة أكبر منفعة ممكنة.
وفي المقابل، لا يمكن بناء موازنة سليمة من دون تنمية الإيرادات غير النفطية، من خلال إصلاح النظامين الضريبي والجمركي، ومكافحة التهرب والتلاعب، وإحكام السيطرة الاتحادية على المنافذ الحدودية وفق الأطر الدستورية والقانونية، وتحسين إيرادات الاتصالات والخدمات العامة، وإعادة هيكلة الشركات العامة الخاسرة، وتحويل ما يمكن منها إلى مؤسسات منتجة بدلاً من استمرار استنزاف المال العام. ولا ينبغي أن يكون الهدف زيادة الأعباء على المواطنين أو الأنشطة الاقتصادية الملتزمة، بل توسيع القاعدة الإيرادية، ومعالجة التسرب المالي، وتحسين التحصيل، حتى تحصل الدولة على حقوقها من دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
لكن الإصلاح الأهم هو تغيير فلسفة الموازنة نفسها. فليس المطلوب أن تنفق الدولة جميع ما تحصل عليه من إيرادات، بل أن تحدد أولوياتها وفق احتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية، وأن تميز بين الإنفاق الضروري والإنفاق الذي يمكن ترشيده، وبين ما يستهلك الثروة اليوم وما يسهم في إنتاج ثروة جديدة غداً. وهذا يقتضي ألا يكون نجاح الوزارات والمؤسسات مقاساً بحجم التخصيصات التي تحصل عليها أو بمقدار ما تنفقه منها، وإنما بما تحققه من خدمات ومشروعات ونتائج فعلية تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد.
فالموازنة الناجحة ليست الموازنة التي تنفق أكثر، بل التي تحقق أفضل النتائج الاقتصادية والاجتماعية بأقل كلفة ممكنة.
ومن هذا المنطلق، فإن معالجة العجز المالي لا ينبغي أن تتحول إلى سلسلة من الحلول المؤقتة، أو إلى قرارات تثقل كاهل المواطنين، أو إلى اعتماد متزايد على الاقتراض لتغطية نفقات متكررة. فالاقتراض قد يكون أداة مشروعة لتمويل استثمارات مجدية أو مواجهة ظروف استثنائية، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً دائماً عن إصلاح الإيرادات والإنفاق. والمطلوب هو معالجة الأسباب البنيوية للعجز، ووضع مسار واضح ومتدرج لتخفيضه، وإخضاع الإنفاق العام لمعايير الكفاءة والجدوى والمساءلة، مع مراعاة قدرة الاقتصاد على تحمل إجراءات التصحيح المالي.
كما أن بناء صندوق للأجيال القادمة، مهما بلغت أهمية هذه الخطوة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح الموازنة التي ستموله. فلا معنى لاقتطاع جزء من الثروة النفطية لصالح المستقبل، بينما تستمر الموازنة في استنزاف الموارد وتراكم الالتزامات، وتلجأ الدولة في الوقت نفسه إلى الاقتراض لتمويل نفقاتها الجارية. البداية الصحيحة هي إصلاح إدارة المال العام، وضبط الالتزامات، ثم تحديد نسبة مستدامة من الفوائض الفعلية لإيداعها في صندوق سيادي يخضع لقواعد واضحة وشفافة في الإدارة والاستثمار والرقابة، حتى يكون وسيلة لحفظ الثروة وتنميتها، لا مجرد حساب مالي يحمل اسماً جديداً.
دولة الرئيس..
إن حجم التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه العراق يتطلب قيادة إصلاحية تمتلك الصلاحيات اللازمة، وتعمل وفق برنامج محدد الأهداف والجداول الزمنية، بعيداً عن المعالجات المتفرقة التي لا تعالج أصل المشكلة. وتزداد الحاجة إلى مثل هذا البرنامج في ضوء التحذيرات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2025 بشأن تصاعد المخاطر المالية الناجمة عن توسع الإنفاق الجاري وضعف الإيرادات غير النفطية، وما يترتب على ذلك من ضغوط على الدين العام والاستثمار. فاستمرار السياسة المالية على مسارها الحالي يجعل الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحاً، ويضيق هامش الخيارات المتاحة أمام الحكومة.
ولهذا فإننا نجدد الدعوة إلى تأسيس المجلس الأعلى للإصلاح المالي والاقتصادي برئاستكم، ليكون إطاراً وطنياً يقود عملية إصلاح الموازنة، ويراجع بنية الإنفاق العام، ويضع خطة متكاملة لتنمية الإيرادات غير النفطية، ويحدد المسار الذي ينتقل بالعراق من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع النفطي إلى اقتصاد ينتج الثروة ويخلق فرص العمل. فالإصلاح المطلوب يتجاوز إجراءات وزارة بعينها، ويحتاج إلى تنسيق فعلي بين السياسة المالية والسياسة الاقتصادية، وإلى قرارات تلتزم بها المؤسسات المعنية ضمن أولويات وطنية واضحة.
إن هذا المجلس ينبغي ألا يكون هيئة إضافية تُضاف إلى مؤسسات الدولة، ولا إطاراً لإعداد الدراسات والتوصيات التي تبقى حبيسة الأدراج، بل جهة تقود الإصلاح بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات المعنية، وتتابع تنفيذ القرارات، وتقيس النتائج، وتكشف مواطن التعثر أمام الرأي العام. ولكي ينجح في مهمته، يجب أن تكون صلاحياته ومسؤولياته محددة بوضوح، وأن يستند عمله إلى مؤشرات قابلة للقياس، وفي مقدمتها خفض الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق، وزيادة الإيرادات غير النفطية، مع ضمان عدم تداخل صلاحياته مع الاختصاصات الدستورية والقانونية للمؤسسات القائمة. فالعبرة ليست بإنشاء مجلس جديد، وإنما بقدرته على تحويل القرارات الإصلاحية إلى نتائج ملموسة.
إن العراق لا تنقصه الثروات، ولا تنقصه الإمكانات التي تؤهله لبناء اقتصاد قوي، لكن ما يحتاجه اليوم هو الانتقال من إدارة الإيرادات إلى إدارة الاقتصاد، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء نظام مالي قادر على الحد من تكرارها. ولن يتحقق ذلك ما لم تتحول الموازنة العامة من أداة لتوزيع الموارد وتغطية الالتزامات السنوية إلى أداة لإعادة ترتيب الأولويات، وتحفيز الإنتاج، وحماية الاستقرار المالي على المدى الطويل.
دولة الرئيس..
اجعلوا إصلاح الموازنة العامة نقطة الانطلاق في مشروعكم الإصلاحي، فالدولة التي لا تصلح طريقة إنفاق ثروتها لن تستطيع أن تحمي استقرارها المالي، ولا أن تموّل تنميتها بصورة مستدامة، ولا أن تترك للأجيال القادمة ما تستحقه من ثروة العراق.


