الغائب الذي لا يغيب: مدينة تقرأ ماركس (الحلقة الثالثة)

الغائب الذي لا يغيب مدينة تقرأ ماركس (الحلقة الثالثة)
مثّلت النجف في خمسينيات القرن الماضي فضاءً لتفاعل الفكر الديني مع التيارات الحديثة، حيث تداخلت المحافظة والتجديد، وأسهم تبادل الأفكار بين الاتجاهات الإسلامية المختلفة في إثراء الحوار الفكري وإعادة صياغة المواقف، بعيداً عن الانغلاق والتعصب...

في خمسينات القرن الماضي، كانت النجف تجمع صورتين قد يستغربهما من لا يعرفها: المدينة التي تُخرّج المجتهدين، والمدينة التي يتداول شبابها الروايات الروسية وكتب الأدب المصري ويتجادلون في منتديات ثقافية ينظمها أبناء العوائل العلمية أنفسهم.

حنا بطاطو مؤرخ فلسطيني، كرّس عمره لتاريخ العراق الحديث، ووثّق في موسوعته (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) انتشار الفكر الشيوعي بين شباب الجنوب والفرات الأوسط. ولم يكن ذلك مستغرباً: جيل يشعر بالفوارق الاقتصادية وبضعف حضوره في الدولة، يجد في وعد المساواة جواباً جاهزاً. وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في الوقت نفسه، يحلل في كتاباته ازدواجية القيم القديمة والواقع المتغير، وهي ازدواجية عاشها شباب تلك المرحلة في بيوتهم.

وكان قلق المؤسسة الدينية مفهوماً ومشروعاً: كيف يُحمى الأبناء من تيار يسحبهم بعيداً عن إيمانهم؟ في هذا الجو وُلد حزب الدعوة الإسلامية نهاية الخمسينات، محاولة لتقديم إسلام يتحدث لغة العصر ويعرف التنظيم. وبرزت منذ البداية مسألة دقيقة: كيف يعمل حزب في غيبة الإمام، ومن صاحب القرار فيه، الحزب أم الفقيه؟ وقد رأى السيد محسن الحكيم، حرصاً على مقام العلماء ووحدة الصف، أن ينأى رجل الدين عن الانتماء الحزبي، فكان موقفاً أسّس لتقليد في المرجعية ما زال حاضراً.

وفي إيران برز نواب صفوي، وكان أول من حمل إلى المشهد الشيعي فكرة العمل التنظيمي الحركي، متأثراً بتجربة الإخوان المسلمين في مصر. ويكشف هذا المثال حجم التداخل بين المشارب في تلك المرحلة. كان القارئ الشيعي يقرأ لسيد قطب، والقارئ السني يتابع ما يكتبه الشيعة، وكان العلماء يتبادلون المواقف في الشدائد. ويُروى أن علماء النجف تحركوا لمطالبة القاهرة بالتراجع عن إعدام سيد قطب. صورة تقول إن حكاية الانقسام الحاد جاءت متأخرة عن زمن كانت فيه الأمة تتحدث لغة أوسع. أن المدن لا تُختزل في هويتها الدينية أو الاجتماعية وحدها، بل تتشكل أيضاً عبر حركة الكتب والأفكار والأسئلة التي تتجاوز حدود الجماعات. فالتفاعل مع تيارات فكرية مختلفة لا يعني بالضرورة تبنيها، بل قد يكون مدخلاً لإعادة صياغة المواقف وتجديد أدوات النقاش. ومن هنا تبدو تجربة النجف مثالاً على مجتمع استطاع أن يعيش توتراً بين المحافظة والتجديد، وأن يجعل هذا التوتر جزءاً من حركته الفكرية. كما أن هذا التفاعل يبرز قدرة المدينة على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى مساحة للحوار والتفكير. بعيداً عن الانغلاق والتعصب الفكري.

في الحلقة القادمة ننتقل من العراق إلى لبنان. كيف وصل السيد موسى الصدر إلى بيروت عام 1959 وبنى للشيعة هناك مؤسسات لم تكن لهم؟ وكيف تلاقت وتباينت ثلاث رؤى لرجال عاشوا في زمن واحد؟

كانت النجف تقرأ ماركس بيد، وتمسك مصحفها بالأخرى، ولم تر في ذلك تناقضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *