لم تكن الضربات التي نفذتها أنصار الله وطالت السعودية في سبتمبر 2026 مجرد اختبار جديد لقدرة المملكة على حماية أراضيها، بل كشفت اختباراً أعمق للمشروع الأمني الذي تبنيه الرياض: هل تستطيع السعودية تحويل تحالفاتها الجديدة إلى منظومة ردع فعلية، أم أن الميدان بات أسرع من السياسة؟ قبل أسابيع فقط، وُلد «حلف مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، حاملاً طموحاً يتجاوز التعاون العسكري إلى بناء مظلة أمنية إقليمية تقلل اعتماد الرياض على الضمانات الخارجية. لكن الاختبار جاء قبل اكتمال أدوات الحلف.
فبينما كانت هياكله وآليات عمله لا تزال قيد البناء، كانت الصواريخ والمسيّرات التي تطلقها أنصار الله تفرض واقعاً مختلفاً. وهنا تظهر المفارقة الأولى: الردع يحتاج إلى سرعة، بينما التحالفات تحتاج إلى وقت كي تتحول من اتفاقات إلى مؤسسات. النصوص تحدد الالتزامات، لكنها لا تنتج تلقائياً غرفة عمليات مشتركة أو قراراً عسكرياً موحداً أو قواعد اشتباك واضحة. لذلك لم يعد السؤال: هل يوجد الحلف؟ بل: ماذا يستطيع أن يفعل عندما يبدأ الاختبار الحقيقي؟ مواقف تركيا وباكستان كشفت بدورها حدود التطابق داخل الحلف.
فإسلام آباد توازن بين التزاماتها تجاه الرياض وحساباتها مع القوى الإقليمية والدولية، بينما تحافظ أنقرة على شراكتها مع السعودية من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران أو أنصار الله. وهكذا، فإن الالتزام السياسي لا يعني بالضرورة استعداداً فورياً لدفع ثمن عسكري. لكن جذور المعضلة أعمق من حلف مكة نفسه، وتمتد إلى طريقة إدارة الرياض لجنوب اليمن.
هنا يدخل العامل الإماراتي في صلب القصة. فقد ساهم الدعم الإماراتي للقوى الجنوبية في بناء قوة محلية لعبت دوراً في مواجهة أنصار الله وتأمين أجزاء من الجنوب والساحل. ومع تحول العلاقة بين الرياض وأبوظبي إلى تنافس على النفوذ، لم يعد الخلاف مجرد اختلاف في الأولويات؛ بل بدأ ينعكس على موازين القوة داخل الساحة اليمنية نفسها. وهذه هي المفارقة الأكثر كلفة: حين يصبح إضعاف نفوذ الحليف أولوية، قد ينتهي الأمر بإضعاف الجبهة التي يحتاجها الطرفان لمواجهة الخصم المشترك. فالفراغ الذي يتركه تفكيك قوة محلية قادرة على احتواء أنصار الله لا يبقى فراغاً طويلاً؛ سرعان ما تملؤه القوة الأكثر تنظيماً والأقدر على استثمار الانقسام. وسقوط المخا يختصر هذه المعادلة. فالمسألة ليست خسارة مدينة يمنية فحسب، بل تغير في البيئة المحيطة بباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة.
وكل تقدم لـأنصار الله باتجاه هذا الممر يرفع مستوى التهديد من أزمة يمنية إلى معادلة أمن إقليمي ودولي. وهكذا تتقاطع الأزمات: السعودية تبني تحالفاً جديداً للردع بينما يتراجع نفوذها في إحدى أهم ساحات أمنها المباشر؛ تستقطب شركاء جدد بينما يحتفظ كل شريك بحساباته؛ وتواجه أنصار الله في وقت أدى فيه التنافس داخل المعسكر المناهض لهم إلى إعادة تشكيل البيئة التي يتحركون فيها. لذلك، لا تكمن القضية في إعلان نهاية «حلف مكة»، ولا في الجزم بأن عهد محمد بن سلمان قد انتهى.
الاختبار الحقيقي أكثر دقة: هل تستطيع الرياض تحويل نفوذها المالي والسياسي وشبكة تحالفاتها إلى استراتيجية أمنية متماسكة، أم ستظل التحالفات أسرع في توقيعها من قدرتها على العمل؟ ففي السياسة، يمكن للبيانات أن تعلن التضامن، وللاتفاقات أن ترسم الالتزامات. لكن الميدان وحده يكشف قيمة الردع؛ لأن التحالف لا يُقاس بما كُتب على الورق، بل بما يحدث عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط.


