يحلو للبعض أن يسمي “الانسحاب” بـ “انتهاء مهمة التحالف”، فيما ذهب البعض الآخر إلى وصف الانسحاب الأمريكي من العراق بـ “يوم الجلاء”، ووصفه فريق ثالث بـ “انتهاء دور التحالف في محاربة الإرهاب”!
الأمريكيون ربما شكلياً خرجوا من العراق وسحبوا آلياتهم العسكرية من القواعد وسلموها “فارغة” للجيش العراقي.
ولكن هل فعلاً من حيث الجوهر والواقع انتقلت السيادة إلى العراق، بحيث يستطيع أن يقرر بعيداً عن إملاءات أمريكا؟
الكذبة الأولى: من يحكم العراق؟
الكذبة الأولى في ادعاءات “الجلاء” و “الانسحاب” أن وزير الخزانة الأمريكية قال بكل وقاحة إن الذي يحكم العراق هو نفسه “وزير الخزانة” وليس العراقيون!
هذا التصريح الخطير جاء رداً على الاحتجاجات الشعبية بخصوص إغلاق مطار النجف الأشرف أمام الطيران الإيراني، فيما صمت الزيدي صمت الشياطين على وقاحة الوزير الأمريكي.
فمن نصدق؟ هل نصدق الزيدي وحكومته التي احتفلت بحضور قادة الاحتلال بيوم “الجلاء”؟ أم نصدق وزير الخزانة الأمريكية الذي قال بعظمة لسانه إنه “هو الذي يحكم العراق”؟
عدم صدور أي موقف استنكاري على ما قاله وزير الخزانة الأمريكية يثير الدهشة وأكثر من علامة استفهام، ويكشف حجم التبعية والخنوع!
الكذبة الثانية: السيادة المالية المسروقة
إن السيادة التي قالوا عنها بأنها عادت إلى العراق يوم 30 سبتمبر 2026 لم تتحقق في ظل استمرار نهب أموال العراق وتحكم هذا الوزير الأحمق في سبل صرفها، ومنع العراق من الاستفادة منها متى ما يشاء. فسلطة البنك الفيدرالي على أموال العراق التي تتجاوز 120 مليار دولار هي جزء من استمرار غياب السيادة.
السيادة المالية هي من أهم أشكال السيادة لأي بلد بعد السيادة على الأرض والسماء. في العراق لا توجد سيادة مالية، أمريكا هي التي تمسك بزمامها وتبتز العراق أي ابتزاز، والحكومة وأحزابها بلا استثناء خاضعة لهذا الابتزاز وتنفذ الإرادة الأمريكية بناءً على هذا النوع من الابتزاز القذر.
غياب السيادة المالية أعطى أمريكا ورقة لكي تملي على الحكومة العراقية والزيدي قرارات مضرة بمصالح العراق وشعبه، مثل قرار حظر الطيران الإيراني وفرض الحصار عليه، وهو انتهاك واضح وخطير لسيادة العراق، رغم سعي أقلام ونخب مأجورة لتبرير موقف الزيدي في تبني القرار الأمريكي وتنفيذه.
الكذبة الثالثة: السيادة الاستخباراتية المخترقة
الأمريكيون لديهم السلطة المطلقة على الجهاز الأمني والاستخباراتي العراقي، لديهم مقرات سرية في مختلف المناطق، فهم زرعوا عناصر استخباراتية تابعة لهم في المؤسسات الأمنية العراقية دورها يتعدى التجسس وجمع المعلومات ليشمل تنفيذ الأعمال القذرة وتصفية الخصوم.
الزيدي لم يكن له أي تاريخ نضالي، غير معروف للعراقيين، جاؤوا به من الظل ومن غرفة العمليات التي يديرها توم باراك المبعوث القذر لترامب. عندما يتحدث عن السيادة بحضور الجنرال الأمريكي الوقح الذي يهين العراق ببعض الأمثال وهو يضحك، فهو يعلم أن دوره أن ينفذ ما يؤمر به ثم يرحل ليأتوا بمن هو أكثر عمالةً.
نعم، الجنود والآليات الأمريكية رحلوا من العراق، ولم يكن انسحابهم طوعاً بل كرهاً وأُجبروا عليه، ولكن بعد أن ثبّتوا أقدامهم أمنياً واستخباراتياً وزرعوا العملاء والجواسيس وغذّوا العقول البائسة بما يناسب المرحلة القادمة، فيما تتجه حكومة الزيدي لترسيخ القواعد اللاسيادية وفقاً لتلك المرحلة!
السيادة لا تقاس بالعواطف؟
هذه ليست نظرة تشاؤم، بل هي هواجس نابعة من الحقائق على الأرض ومن سلوك الزيدي وقراراته التي يضع لمساته الأخيرة عليها الجانب الأمريكي حتى وإن كان موظفاً تافهاً في سفارة واشنطن في بغداد، كما حدث في قرار حظر الطيران الإيراني والذي ما زال مستمراً رغم رفع الحظر عن الطيران العراقي.
فالسيادة ما زالت ناقصة وناقصة جداً بمثل هذه القرارات الظالمة التي ما زال بعض السخيفين من الساسة ومن أحزاب الحكومة يقدمون تبريراً أسخف بقولهم “مصالح العراق لا تقاس بالأحاسيس والعواطف” في إشارة إلى التعاطف المليوني مع إيران ضد القرار الأمريكي وضد مواقف المتخاذلين الجبناء!
كي لا يتم شخصنة القضية لم نذكر اسم الشخصية التي صدرت منها العبارة المذكورة، ولكن بلا شك لو أن الإمام الحسين (ع) كان حاضراً اليوم وفُرض عليه اليزيديون الحصار وقَبِلَ به ساسة الكوفة، فهل يقول للشيعة “الحسين على الرأس”!؟ ولكن “مصالح العراق فوق العواطف والأحاسيس”!!
الخلاصة
من هنا فإن “الجلاء” كذبة كبيرة يريد الزيدي وساسة بعض الأحزاب تمريرها، ثم الانتقال إلى المرحلة الأكثر خطورة في تثبيت “السيادة” الأمريكية على قرارات العراق وفرض الإملاءات التي ستكون محكاً في مدى صدقية خطاب “السيادة”، خاصة إذا استمر الزيدي في قرار حظر الطيران الإيراني.
وعندما تتضارب “الأحاسيس والعواطف” والمتمثلة في مطالب الملايين من شيعة العراق بعدم الخضوع للإملاءات الأمريكية، بل وخروج الإمام الحسين (ع) على حكم يزيد وتضاربه مع مصالح “أهل الكوفة”، عندئذ يمكن أن نعرف حقيقة أن السيادة قد تحققت أم أنها كانت كذبة الطغاة وزبانيتهم!
فلا سيادة بدون تحرير الأموال، ولا جلاء مع بقاء 5000 جندي في وكر السفارة، ولا كرامة مع بقاء قرار حظر الطيران الإيراني.يوم_السيادة


