ليس أخطر ما يواجه الحقيقة أن تُحارب بالسلاح، وإنما أن تُحاصر بالتشكيك، وأن يُعاد تشكيل صورتها في أذهان الناس حتى يصبح الصدق موضع ريبة، والخير موضع اتهام، والموقف المبدئي موضع سؤال، بينما تُقدَّم الرواية المشوهة وكأنها الحقيقة التي لا تقبل النقاش.
ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند بعض الشخصيات الرمزية التي حفظتها لنا الذاكرة الدينية والتاريخية، ومنها شخصية «أخماهو» التي تُذكر في بعض السرديات المرتبطة بزمن النبي يوسف عليه السلام بوصفها من الشخصيات الكهنوتية التي واجهت مشروع يوسف بالشك والاعتراض. ولا أتعامل هنا مع تفاصيل هذه الشخصية بوصفها حقيقة تاريخية قطعية، وإنما أستحضرها بوصفها نموذجاً فكرياً يمكن من خلاله قراءة نمط إنساني تكرر في التاريخ: إنسان يرى الحقيقة أمامه، لكنه لا يستطيع قبولها لأن قبولها يعني بالنسبة إليه خسارة مكانة أو نفوذ أو صورة صنعها عن نفسه. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فالمشكلة ليست دائماً في الحقيقة، وإنما في عين الناظر إليها.
قد تكون الحقيقة واضحة، لكن الإنسان قد يدخل إليها من خلال مصلحته، أو حزبه، أو انتمائه، أو خوفه، أو حقده، أو منافسته، فيرى الشيء الواحد بصورة مختلفة تماماً. وقد لا يكون الخلاف في المعلومات، وإنما في الدافع الذي يجعل الإنسان يقبل معلومة ويرفض أخرى.
ولذلك فإن القرآن الكريم حين تحدث عن إبليس لم يصف لنا مجرد مخالفة عابرة، وإنما كشف لنا عن أخطر جذور الانحراف: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ». هنا تبدأ المشكلة من «الأنا». أنا أفضل. أنا أعرف. أنا أحق. أنا أعلى. أنا صاحب المكانة. ومن يأتِ بعدي فهو منافس لي.
وهذه «الأنا» إذا تضخمت تحولت من شعور داخلي إلى سلوك خارجي؛ فيبدأ الإنسان بالنظر إلى نجاح الآخرين بوصفه انتقاصاً من نجاحه، وإلى صعود الآخرين بوصفه هبوطاً له، وإلى تأثيرهم بوصفه تهديداً لمكانته.
ومن هنا يولد الحسد، ثم التشكيك، ثم التشويه، ثم الخصومة، ثم محاولة إسقاط الآخر.
ولهذا فإن كثيراً من الصراعات في التاريخ لم تكن صراعاً بين الحق والباطل بالمعنى المجرد فقط، وإنما كانت في بعض صورها صراعاً بين مشروع جديد ومصالح قديمة، وبين حقيقة صاعدة ومكانة تخشى السقوط.
إن الإنسان حين يحب الدنيا حباً يجعله أسيراً لها يصبح مستعداً لأن يبرر لنفسه أشياء لم يكن ليقبلها لو كان بعيداً عن المصلحة.
وهنا نستطيع أن نفهم لماذا تتحول بعض الشخصيات من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن مبررات لرفض الحقيقة.
فإذا كان يوسف عليه السلام، في الرواية الدينية، قد أصبح صاحب موقع وتأثير، فإن الشخص الذي اعتاد أن يرى نفسه صاحب المكانة قد يجد في هذا التحول تهديداً له، لا لأنه اكتشف خطأً في يوسف، وإنما لأن نجاح يوسف أصبح في نظره خصماً من رصيده الشخصي.
وهذه الصورة لا تخص زمناً بعينه.
لقد رأيناها في فرعون حين تحولت دعوة موسى عليه السلام من قضية رسالة إلى قضية تهديد للسلطة.
ورأيناها في أقوام الأنبياء الذين رفضوا دعواتهم لأن أصحابها، في نظر المتنفذين، لم يكونوا من طبقة الكبراء.
ورأيناها في التاريخ السياسي عندما رفضت أنظمة كثيرة الاعتراف بخصومها أو الإصغاء إلى مطالبهم، فلجأت إلى تخوينهم وتشويههم وإسكاتهم.
ورأيناها في العصر الحديث بصورة أكثر تعقيداً، لأن أدوات التضليل أصبحت أكثر تطوراً.
في الماضي كان الحاكم يحتاج إلى خطيب في السوق أو كاتب في البلاط لكي يصنع رواية.
أما اليوم فقد يستطيع شخص واحد أن يصنع رواية تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في عصر التكنولوجيا: لقد أصبحت المعلومة أسهل وصولاً، لكن الوصول إلى الحقيقة لم يصبح بالضرورة أسهل. بل ربما أصبح أكثر صعوبة.
لأن الإنسان لم يعد يعاني من قلة المعلومات، وإنما من كثرتها وتضاربها. أمام حدث واحد قد نجد عشرات الروايات. وأمام صورة واحدة قد نجد عشرات التفسيرات. وأمام موقف سياسي قد نجد من يراه بطولة، ومن يراه مصلحة، ومن يراه خيانة، ومن يراه ضرورة.
فكيف نعرف الحقيقة؟
الجواب ليس بأن نصدق الرواية التي نحبها، وإنما بأن نتعلم كيف نبحث. وهنا يأتي الفرق بين «المشكك الباحث» و«المشكك الحاقد». المشكك الباحث يسأل عن الدليل لأنه يريد أن يعرف. أما المشكك الحاقد فيسأل عن الدليل لكي يرفضه. الأول مستعد لأن يغير رأيه إذا ظهر له الخطأ. والثاني قد يرفض الحقيقة حتى لو جاءت إليه كاملة، لأنه سبق أن اتخذ موقفه. وهذه نقطة شديدة الخطورة في حياتنا الفكرية والسياسية. فليس كل من ينتقد إيران عميلاً، كما أنه ليس كل من يدافع عنها تابعاً. وليس كل من ينتقد مشروعاً ما حاقداً، كما ليس كل من يؤيد مشروعاً ما واعياً.
المعيار يجب أن يكون الدليل.
وهنا أصل إلى القضية التي أريد أن أضعها أمام القارئ العربي والمسلم بكل هدوء: كيف ننظر إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما قدمته وتقدمه من دعم لقضايا إقليمية وإسلامية؟
هل نرفض كل ما تقوم به لمجرد أننا نختلف معها سياسياً؟
أم نقبل كل ما تقوم به لمجرد أنها ترفع شعارات إسلامية؟
كلا الأمرين يحتاج إلى مراجعة.
فالإنصاف يقتضي أن نرى الصورة كاملة.
المصادر البحثية الدولية توثق علاقات إيران بجماعات وقوى مختلفة في المنطقة، بينها حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحوثيون في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق وسوريا، كما توثق أن إيران تعتبر هذه العلاقات جزءاً من سياستها الإقليمية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وفي المقابل، تفسر بعض الدراسات هذه السياسة أيضاً من زاوية المصالح الاستراتيجية الإيرانية وتوسيع النفوذ الإقليمي.
وهنا ينبغي أن يكون العقل حاضراً.
إذا كان هناك دعم لقضية عادلة، فلا ينبغي أن نمحو هذا الدعم لأننا نختلف مع الدولة الداعمة في قضايا أخرى. إن دولة ما قد تكون لها مصالحها الخاصة، وفي الوقت نفسه تقدم دعماً حقيقياً لقضية ما. وقد يكون لديها حسابات استراتيجية، وفي الوقت نفسه يكون بعض ما تقوم به ذا أثر حقيقي على الأرض.
والعقل المنصف يستطيع أن يرى الأمرين معاً.
أما العقل الذي يعمل بمنطق «إما كل شيء أو لا شيء»، فإنه يسقط بسهولة في الدعاية. إذا أحب دولة، صدق كل شيء عنها. وإذا كره دولة، كذب كل شيء عنها. وهذه ليست بصيرة، وإنما هي صورة أخرى من صور التعصب. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل تحب إيران أم تكرهها؟
بل: ماذا فعلت؟ وماذا قدمت؟ وأين أخطأت؟ وأين أصابت؟ وما حجم أثر ذلك؟ وما دوافعه؟ وما الذي يمكن إثباته بالوثائق؟
إن هذه الأسئلة قد تأخذ منا وقتاً، لكنها أفضل من إصدار الأحكام بضغطة زر. لقد أصبح الإنسان اليوم يستطيع أن يقرأ وثيقة من طهران، وتصريحاً من واشنطن، وتقريراً من بيروت، وبياناً من بغداد، وخبراً من غزة، وتحليلاً من لندن، خلال دقائق.
فلماذا يصر البعض على أن يأخذ رواية واحدة فقط؟
لماذا لا يقارن؟ لماذا لا يبحث؟ لماذا لا يقرأ الطرف الآخر؟ لماذا لا يسأل عن مصدر الخبر وتاريخه وسياقه؟
إن الذي يريد الوصول إلى الحقيقة عليه أن يبذل جهداً. الحقيقة لا تُعطى دائماً على طبق. والبصيرة ليست مجرد ذكاء. البصيرة صبر. ومثابرة. وتواضع. واستعداد للاعتراف بالخطأ. وهنا نصل إلى واحدة من أخطر مشكلات الإنسان المعاصر: أنه قد يمتلك آلاف المعلومات، لكنه لا يمتلك القدرة على التمييز بينها.
فالمعلومة ليست حقيقة بمجرد وصولها إلى الهاتف. والفيديو ليس دليلاً كاملاً بمجرد مشاهدته. والصورة لا تشرح دائماً سياقها. والعنوان الصحفي لا يغني عن قراءة الخبر. والمنشور الذي يعيد آلاف الأشخاص نشره لا يصبح صحيحاً بسبب كثرة المشاركات. وهذه البيئة الجديدة صنعت لنا نوعاً جديداً من «أخماهو»: ليس بالضرورة كاهناً أو حاكماً، وإنما إنساناً يمتلك القدرة على صناعة الشك، وتكرار الشائعة، وقلب الصورة، حتى تصبح الكذبة مألوفة، وتصبح الحقيقة غريبة.
وقد يكون هذا الشخص سياسياً. وقد يكون إعلامياً. وقد يكون مثقفاً. وقد يكون صاحب مصلحة مالية. وقد يكون مجرد شخص أسير لحقده. المشكلة ليست في اسمه أو موقعه، وإنما في المنهج الذي يتبعه. ومن هنا لا ينبغي لنا أن نبحث عن «أخماهو» في شخص واحد. قد تكون «الأخماهوية» عقلية. عقلية تقف أمام مشروع ناجح فتبحث عن إسقاطه. وأمام إنجاز فتبحث عن تشويهه. وأمام تضحيات فتبحث عن اتهام أصحابها.
وأمام حقيقة فتبحث عن رواية بديلة. وأمام خصم فعل خيراً فتجد صعوبة في الاعتراف له. وهذه الأخيرة من أخطر صور التعصب. أن تقول: «هو خصمي، إذن لا يمكن أن يكون له فضل». وهذا ما يرفضه القرآن رفضاً قاطعاً.
يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
وهذه الآية وحدها تصلح لأن تكون منهجاً كاملاً في قراءة التاريخ والسياسة. فالقرآن لا يقول لنا: اعدلوا مع من تحبون فقط، وإنما يحذر من أن تحملنا الخصومة على ترك العدل.
إذن، إذا كان الإنسان يختلف مع إيران، فليختلف. ولكن لا يجوز أن يدفعه الاختلاف إلى إنكار ما ثبت بالدليل.
وإذا كان الإنسان يؤيد إيران، فليؤيد ما يراه صحيحاً. ولكن لا يجوز أن يدفعه التأييد إلى إخفاء الأخطاء أو رفض النقد. هنا يبدأ الوعي. وهنا تنتهي عقلية «أخماهو». إن الأمة الإسلامية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من التعصب، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء ميزانها. وميزانها الأول هو كتاب الله. وميزانها الثاني هو سيرة النبي محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، بما تمثله من عدل وبصيرة ووعي ومسؤولية. والقرآن حين يعلّمنا العدل لا يطلب منا أن نكون بلا موقف، وإنما يطلب أن يكون موقفنا قائماً على الحق.
وهنا ينبغي أن نفهم الفرق بين الولاء والعمى. فالولاء لا يعني تعطيل العقل. والحب لا يعني إلغاء النقد. والانتماء لا يعني الكذب من أجل الدفاع عن المنتمي إليه. وكذلك الخصومة لا تعني أن نسلب الآخر كل فضيلة.
فالإنسان الذي يفقد هذه القدرة يصبح أسيراً للأشخاص. أما الإنسان الذي يضع الحق فوق الأشخاص، فإنه يستطيع أن يقول للقريب: أخطأت، وللبعيد: أصبت.
وهذه من أعلى درجات القوة الفكرية والأخلاقية.
لقد كان إبليس نموذجاً صارخاً في رفض الحق بسبب الأنا، وكان فرعون نموذجاً آخر في رفض الحق حين اصطدم بمكانته وسلطانه، وتكرر هذا النمط في التاريخ بصور مختلفة: رجال دين خافوا على نفوذهم، وحكام خافوا على عروشهم، وسياسيون خافوا على أحزابهم، ومثقفون خافوا على صورتهم، وأصحاب مصالح خافوا على أموالهم.
وكل هؤلاء، مهما اختلفت أسماؤهم وأزمنتهم، يجتمعون في نقطة واحدة: حين تصبح المصلحة أقوى من الحقيقة. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نطرحه على الآخرين هو: هل أنا أبحث عن الحقيقة فعلاً؟ أم أبحث عن دليل يؤيد ما قررته مسبقاً؟ هل أنا مستعد لأن أغير رأيي إذا ظهر لي الدليل؟ أم أنني أبحث فقط عن مادة أهاجم بها الطرف الآخر؟ هل أقرأ المصادر المختلفة؟ هل أميز بين الخبر والتحليل؟ هل أعرف الفرق بين الوثيقة والدعاية؟
هل أستطيع أن أعترف بأن خصمي قد يفعل شيئاً صحيحاً؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نسير في طريق البصيرة. أما إذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نخشى أن نكون قد صنعنا داخل أنفسنا «أخماهو» جديداً. إن القضية في نهاية المطاف ليست إيران وحدها، ولا يوسف وحده، ولا أخماهو وحده. إنها قضية الإنسان عندما يقف أمام الحقيقة. فإما أن يتواضع لها، ويبحث عنها، ويقبلها حيثما وجدها. وإما أن يرفع نفسه فوقها، ثم يبدأ بصناعة المبررات.
ومن هنا فإنني لا أدعو إلى تقديس دولة، ولا إلى اتباع شخص، ولا إلى إلغاء النقد، وإنما أدعو إلى شيء أصعب وأشرف: أن نكون منصفين.
أن نبحث قبل أن نحكم. وأن نقرأ قبل أن نتهم وأن ندقق قبل أن ننشر. وأن نضع الدليل قبل الانفعال. وأن نضع الحقيقة فوق الأشخاص. وأن نضع العدل فوق الخصومة.
فقد تكون الحقيقة عند من نختلف معه، وقد يكون الخطأ عند من نحب. والبصير هو الذي لا يمنعه الحب من رؤية الخطأ، ولا تمنعه الخصومة من رؤية الصواب. وهنا فقط نستطيع أن نعيد حساباتنا بصورة صحيحة، لا حسابات السياسة وحدها، وإنما حسابات الضمير والعقل والدين.
فكتاب الله وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم ليسوا شعاراً نرفعه في الخصومة، وإنما ميزاناً نختبر به أنفسنا قبل أن نختبر الآخرين. ومن أراد أن يعرف الحق، فعليه أن يخرج من أسر الحقد.
ومن أراد أن يميز التضليل، فعليه أن يتعب في البحث. ومن أراد أن يكون عادلاً، فعليه أن يتعلم الاعتراف بالحق ولو جاء من المختلف. فالحقيقة لا تحتاج إلى حقد كي تنتصر، ولا تحتاج إلى تضليل كي تثبت وجودها. الحقيقة تحتاج إلى إنسان يمتلك الشجاعة ليقول:
هذا صحيح، ولو لم يعجبني. وهذا خطأ، ولو كان من أحب الناس إليّ. وهنا تنتهي صناعة «أخماهو»… وتبدأ صناعة الإنسان الذي يمتلك البصيرة.


