في خضم صفقات مشبوهة ومليارات تُنقل من الدوحة ، وقّعت مؤسسة ترامب مؤخرًا اتفاقًا لتطوير مشروع عقاري ضخم في قطر، يضم ملعب غولف وفيلات فاخرة، بينما تتداول الأوساط عن اهتمام ببناء “برج ترامب” في قلب العاصمة السورية دمشق التي رفع عنها ترامب العقوبات الأميركية . بالتزامن، أعلن ولي العهد السعودي عن نية بلاده استثمار ما يقارب 600 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال أربع سنوات، في رقم يثير الكثير من التساؤلات، ليس حول حجمه فقط، بل حول جدواه ومآلاته: هل هذه الصفقات تخدم الشعوب العربية أم أنها تصبّ فقط في مصالح أنظمتها الحاكمة؟
لا يخفى على أحد أن دونالد ترامب، قبل أن يكون رئيسًا، هو رجل أعمال بارع وصاحب إمبراطورية عقارية ضخمة، تدرّ أرباحًا بالمليارات، إلى جانب استثماراته في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات العسكرية. تلك الثروات، إلى جانب دعم دوائر المال والنفوذ، كانت طريقه نحو البيت الأبيض. أما زياراته المتكررة إلى الشرق الأوسط، فلم تكن يومًا زيارات دبلوماسية خالصة، بل خطوات محسوبة لإعادة رسم خارطة المنطقة وفق الرؤية الأميركية، وضمن حسابات الربح والخسارة في السياسة والاقتصاد.
وفي ظلّ تصاعد التوترات في غزة وتوغل الاحتلال في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، برزت تصريحات خليجية تُعلن عن “هبات” واستثمارات هائلة لشركات ترامب، ما يعكس رضوخًا غير مسبوق للهيمنة الأميركية . هذه الاستثمارات، التي تُسوّق تحت شعار “الحماية من ( العدوان الخارجي لدول الخليج ) ، تبدو في حقيقتها تكريسًا لحالة الابتزاز المستمر التي تمارسها واشنطن ضد أنظمة الخليج.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: من هو هذا العدو الخارجي الذي يُراد حماية الخليج منه؟
الحقيقة أنه لا وجود لتهديد واقعي بمستوى يبرر هذه المليارات. ما يجري هو صناعة عدو وهمي لتبرير ضخ الأموال إلى خزائن الغرب، مقابل ضمانات ببقاء الأنظمة الخليجية في الحكم، مهما كانت كلفة ذلك على شعوبها.
إنها حلقة مفرغة، تُعاد وتُكرّر مع كل إدارة أميركية. وكل دورة رئاسية جديدة، تحمل عنوانًا مختلفًا للابتزاز نفسه. وها هو ترامب، في ولايته الثانية، يعود ليحلب الضرع الخليجي مجددًا، بمسميات “الاستثمار”، و”التعاون الاستراتيجي”، و”حماية الاستقرار”.
لكن، هل حقًا تعود هذه العلاقات التجارية بالنفع على الشعوب العربية؟
الواقع يقول عكس ذلك. فالمشاريع العقارية والسياحية الفاخرة لا تمت إلى احتياجات المواطنين العاديين بصلة. هي مشاريع تخدم فقط النخب الحاكمة وكبار رجال الأعمال، ولا تلامس مشاكل الفقر، أو نقص الخدمات الصحية والتعليمية، أو أزمة البطالة التي تعصف بالشباب العربي. على العكس، تسهم هذه الصفقات في تعميق الفجوة بين الطبقات، وتكريس واقع التفاوت الاجتماعي.
مبلغ الاستثمار الأميركي المعلن عنه من السعودية، والبالغ 720 مليار دولار، هو رقم غير مسبوق في تاريخ العلاقات الثنائية. وهذا وحده دليل على حجم الاستنزاف المالي الذي تتعرض له ثروات الشعوب الخليجية، تحت غطاء الشراكة الاستراتيجية. إنه استنزاف ممنهج، هدفه دعم أجندات أميركية و صهيونية على حساب الكرامة العربية وحقوق الشعوب المقهورة.
أموال تُحوّل من خزائن العرب إلى واشنطن، لتعود إلى “تل أبيب” في شكل أسلحة متطورة تُستخدم في قتل الفلسطينيين وقمع أصوات المقاومة في اليمن ولبنان وسوريا. وكل ذلك، باسم الاستقرار الإقليمي و”الردع”.
نحن أمام لحظة مفصلية، تتكشّف فيها بوضوح معالم المخطط الأميركي – الصهيوني للهيمنة على مقدرات المنطقة . الخليج ، ومعه تركيا والكيان الصهيوني ، أصبحا جزءًا من طوق سياسي واقتصادي يُراد له أن يخنق دول محور المقاومة، عبر التجويع، والحصار، والضغط السياسي.
في النهاية، لا تخدم هذه الهبات والاستثمارات الشعوب العربية، بقدر ما تخدم الحُكّام الذين دفنوا رؤوسهم في رمال أوطانهم، وارتضوا لأنفسهم دور التابع في زمن لا يرحم الضعفاء ولا يغفر للمتخاذلين .
