لم يكن متوقعاً أن تؤدي أزمة مالية تصيب مصرفاً من مصارف القطاع الخاص إلى ارتدادات سريعة تطال القطاع المالي، وأن تنعكس بهذه الحساسية على سوق الصرف والثقة بالدينار. غير أن ما حدث مع مصرف الطيف الإسلامي أظهر أن أزمة مصرف واحد قد تتجاوز حدوده حين تقع في بيئة مصرفية تعاني أصلاً من هشاشة الثقة، ولا سيما إذا انتقل القلق من مودعي المصرف المعني إلى جمهور المودعين في المصارف الأخرى.
ويبدو أن الأزمة أوسع مما كان يُعتقد، بعدما أخذت التحليلات والقراءات تربط بين ما لحق بمصرف الطيف الإسلامي وبين ظاهرة الفساد السياسي والمالي التي تُتهم بها مؤسسات سياسية وحكومية. وقد اكتسبت القضية ثقلاً إضافياً بعدما أعلن البنك المركزي العراقي فرض الوصاية على المصرف استناداً إلى المادة (59) من قانون المصارف رقم (94) لسنة 2004، بسبب ما وصفه بـ«مخالفات جسيمة» أثرت في المركز المالي للمصرف وأموال المودعين، مع تعيين وصي عليه لمدة 18 شهراً.
وبحسب آراء خبراء ومعنيين بالشأن المالي، فإن إعادة الاستقرار إلى مصرف الطيف باتت قضية ملحّة، وشرطاً أساسياً لتهدئة العراقيين الذين يحتفظون بحسابات وودائع في المصارف الأهلية والرسمية. فهؤلاء نقلوا، عن طيب خاطر، جزءاً من أموالهم النقدية من البيوت إلى الجهاز المصرفي، استجابةً للدعوات الرسمية إلى تعزيز الشمول المالي وتقليل ظاهرة اكتناز النقد خارج المصارف، بما يسمح باستخدام الودائع في الائتمان والتمويل وتحريك عجلة الاقتصاد.
وكان بمقدور الكثير من هؤلاء المودعين توجيه مدخراتهم إلى العقارات أو الذهب أو الدولار بدلاً من إيداعها في المصارف. واتجاه المدخرات بكثافة نحو العقارات، على سبيل المثال، يمكن أن يرفع الطلب والأسعار في سوق يعاني أصلاً من أزمة سكن، لتنتقل كلفة فقدان الثقة المصرفية بصورة غير مباشرة إلى المواطن العادي.
إن عدم المسارعة في معالجة أزمة مصرف الطيف بصورة واضحة ومنظمة قد يدفع بعض المودعين في مصارف أخرى إلى سحب ودائعهم وإعادة الأموال إلى بيوتهم أو تحويل جزء منها إلى الدولار وغيره من الأصول الأكثر أماناً في نظرهم. وقد أشار الخبير المصرفي محمود داغر بالفعل إلى أن حالة عدم الاستقرار المرتبطة بأزمة الطيف أسهمت في زيادة الطلب على الدولار خلال الأيام التي أعقبت الأزمة. وهذا السيناريو، إذا اتسع، قد يؤدي إلى:
1- حين تُسحب كميات كبيرة من الودائع من المصارف وتتحول إلى نقد مكتنز في المنازل، فإن ذلك لا يعني فنياً اختفاء هذه الأموال من الكتلة النقدية، لكنه يؤدي إلى تراجع الودائع المتاحة داخل النظام المصرفي، وإضعاف السيولة المصرفية والوساطة المالية والقدرة على منح الائتمان. وإذا اتسعت الظاهرة، فإنها قد تزيد حاجة المصارف إلى السيولة وتخلق ضغوطاً إضافية على النظام المالي، خصوصاً في اقتصاد تعتمد فيه حركة الأعمال والمدفوعات الحكومية بصورة كبيرة على الاستقرار النقدي والمصرفي.
ولهذا فإن المسألة لا تتعلق بمصير مصرف واحد بقدر ما تتعلق بمنع تحوّل أزمة سيولة محدودة إلى أزمة ثقة أوسع. وقد أكد البنك المركزي في 8 أيلول أن حقوق مودعي الطيف «محفوظة»، وأنه يعمل مع الوصي على تعزيز سيولة المصرف وتنظيم عمليات السحب والوفاء بالالتزامات تدريجياً، مع إعطاء الأولوية للرواتب الموطنة لدى المصرف.
2- قد تتعرض المصارف الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما الأضعف من حيث السيولة ورأس المال ونوعية الأصول، إلى ضغوط كبيرة إذا انتشرت موجة سحب الودائع. وليس ضرورياً أن تصل جميعها إلى الإفلاس؛ فمجرد اضطرارها إلى تقييد السحوبات أو البحث العاجل عن السيولة قد يرفع مخاطر العدوى المالية ويعمق خوف الجمهور، بحيث يصبح القلق من مصرف معين أزمة تخص القطاع المصرفي كله.
3- إذا حدثت اهتزازات أوسع نتيجة الفشل في احتواء أزمة مصرف الطيف، فسوف تتضرر الثقة بالاستثمار وبفكرة إبقاء الأموال داخل العراق، لأن المستثمر والمودع ينظران قبل كل شيء إلى قدرة المؤسسات الرقابية على حماية الحقوق وإنفاذ القانون. وعندما تصبح المنظومة المالية في نظر الجمهور غير قادرة على ضمان أموال المودعين، فإن النتيجة قد تكون مزيداً من الاكتناز النقدي، والتحول إلى الدولار والعقارات، وتراجع الودائع والائتمان، وهي كلها نتائج تضعف قدرة الاقتصاد الحقيقي على النمو.
هذا بالإضافة إلى أضرار جانبية أخرى، والاقتصاد العراقي اليوم في غنى عنها، خصوصاً في ظل الضغوط الإقليمية المرتبطة بمضيق هرمز وما يثيره من مخاطر على حركة الطاقة والتجارة، فضلاً عن أزمة الثقة المتراكمة في بعض المؤسسات الاقتصادية والجدل المستمر حول الفساد في مؤسسات الدولة والقطاع النفطي.
كما جاءت الأزمة في مرحلة شهدت جدلاً واسعاً بعد قرار الولايات المتحدة إلغاء تأشيرة وزيرة المالية السابقة طيف سامي وما رافقه من ادعاءات أميركية بشأن إدراج اسمها على قائمة مراقبة، وهي ادعاءات نفتها الوزيرة السابقة رسمياً. وبصرف النظر عن الموقف من هذه القضية، فإن تزامن مثل هذه الملفات مع أزمة مصرفية داخلية يزيد حساسية الرأي العام تجاه سمعة النظام المؤسسي الاقتصادي والمالي العراقي.
مرة أخرى، إن أزمة مصرف الطيف اليوم ليست قضية ثانوية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها نسخة عادية من أزمات أصابت مصارف أخرى في السابق.
فالاقتصاد العراقي يمر بمرحلة شديدة الحساسية، ومصرف الطيف ليس مصرفاً هامشياً يمكن أن تمر أزمته من دون أثر في السوق. والأخطر من حجم المصرف نفسه هو ما يمكن أن تمثله الأزمة في وعي المودعين: هل أموالهم داخل الجهاز المصرفي أكثر أمناً، أم أن الاحتفاظ بها في البيوت أو تحويلها إلى الدولار والعقار هو الخيار الأقل مخاطرة؟
وعليه، فإن إنقاذ مصرف الطيف، أو على الأقل حماية مودعيه ومعالجة مركزه المالي وفق القانون وبأقصى قدر من الشفافية، هو مسؤولية وطنية تمس الجميع. والخاسر لن يكون زبائن الطيف وحدهم إذا فشلت المعالجة، وإنما قد تمتد الخسارة إلى الثقة بين المواطن والنظام المالي، بل وبين الشعب والنظام السياسي نفسه، خصوصاً أن المواطن بدأ يربط بين ما يسمعه يومياً عن فساد بعض السياسيين وبين مسببات الأزمة داخل إدارة المصرف.
ولهذا فإن احتواء أزمة «الطيف» قبل أن تسقط بقية أحجار الدومينو هو الاختبار الحقيقي الآن.


