عضد الاخوة

عضد الاخوة
يختلف الإخوة رغم البيئة الواحدة بسبب تفاعل الوراثة وترتيب الميلاد والخبرات والصداقات والاستعدادات النفسية. ولا ينبغي قياس نجاح التربية بالتشابه، بل بقدرتها على احترام التفرد وتعزيز التكامل والمحبة، ليكون كل أخ سنداً للآخر ويحفظ إرث الأسرة....

لماذا يختلف الاخوة في طباعهم، رغم نشأتهم بالبيئة نفسها وتلقيهم للتوجيه ذاته ؟

حياكم الله وأهلاً سهلاً بكم،

لم أكن اعلم ان هذا السؤال قد حيّر علماء النفس كما حيّر الآباء وغيرهم لعقود طويلة. فكم من اسرة تضم اخاً يعشق العزلة ويأنس بالقراءة بينما أخته لا تطيق الجلوس لوحدها، احدهم يتخذ قراراته بسرعة .. والآخر يزن الأمور مليّاً.
الكبير شديد الحساسية في حين يكون الاصغر مرناً واجتماعياً ويتقبل النقد. والأوسط ما بين هذا وذاك .

مشهد مألوف الى درجة اننا نكاد ننسى غرابته. كيف يمكن لاشخاص شاركوا البيت نفسه والوالدين نفسيهما وتلقوا التربية ذاتها ان يخرجوا إلى الحياة بهذه الاختلافات؟.

يأتي العلم ليتناول هذا الموضوع فيخبرنا ان الإنسان لاتصنعه البيئة وحدها بل تتشكل شخصيته من تفاعل معقد ما بين الوراثة والجينات والخبرات وطريقة الإدراك.

ثم يساهم “بعد ذلك “عدد من علماء النفس والوراثة في تحليل هذا الاختلاف.

فعالم النفس النمساوي ” الفرد أدلر ” كان من اوائل الذين حاولوا تفسير اختلاف الاخوة، من منطلق ان ترتيب الميلاد داخل الاسرة قد يسهم في تشكيل بعض من ملامح الشخصية. وان كل طفل يعيش دوراً مختلفاً داخل العائلة.

لتأتي بعده الباحثة والكاتبة الإمريكية ” جوديث هاريس” التي احدثت تحولاً كبيراً في علم النفس عندما رأت إن شخصية الطفل لا تتشكل بموجب التربية المنزلية وحدها كما يعتقد الناس بل تشكلها الصداقات والمهارات والخبرات الفردية التي يكتسبها الطفل واستعداداته النفسية والعصبية للتعامل مع محيطه بالإضافة إلى عامل الوراثة.
وحتى عند التوائم المتطابقة قد تظهر بينهما فروقاً في الشخصية مع مرور الزمن.

ويتفق مع ما سبق الكثير من الناس فيعتقدون ان الابن الأوسط هو غالباً الاقل حظاً من حيث الاهتمام فلا يحظى بمكانة الاكبر ولا ينال الامتيازات التي يحظى بها الأصغر.

والاختلاف هنا لا ينحصر على ما يصدر من الاخوة فقط من سلوكيات لكن حتى عند تلقيهم للتوجيه فقد يوبخ الاب أبناءه جميعاً على خطأ معين، احدهم لا يعير اهتماماً وينسى الأمر خلال دقائق بل وقد يكرر الخطأ ذاته في اليوم التالي. بينما يظل الاخر يتذكر تلك الكلمات لأعوام.

ولعل اجمل ما نخرج به هو ان اختلاف الاخوة ليس دليلاً على نجاح التربية او فشلها، بل هو تذكير بأن لكل انسان شخصيته المتفردة.

وبدلاً من التساؤل لماذا اخي لا يشبهني بالسلوك والطباع؟ الاجدر هو ان نسأل ذواتنا كيف اساعد اخي ليكون افضل نسخة من نفسه.

فيأتي القران ليشير إلى معنى اجمل وأعمق من التشابه وهو صفة (التكامل) بين الاخوة حين ذكر اختلاف النبي موسى عن أخيه النبي هارون وان هارون افصح منه لساناً. فيأتي الوعد الإلهي في سورة القصص { قال سَنشُد عضدَك بأخيك} فلم يكن المطلوب هو ان يكون الاخ نسخة اخرى من أخيه وانما ان يكون سنداً له فيما يميزه.

لنصل في نهاية المطاف إلى نتيجة هي انه ليس من المطلوب ان نصنع اخوة متشابهين بقدر ما ان نمنح لكل واحد منهم مساحته كي يزهر بالطريقة التي يحب. فبصمات الأصابع لا تتشابه واوراق الاشجار على نفس الغصن لا تتشابه ايضاً كذلك الأرواح .. حتى وان جمعتهم نفس الام والاب و الذكريات والمكان.

ولنتعلم أن الحب لا يعني التشابه مثل العدل لا يعني المساواة وان لكل إنسان طريقته الخاصة في ان يحيى. و اجمل ما يجب ان نفعله هو ان نحفظ إرث الاهل الحقيقي من المحبة والرحمة، والوفاء لذلك البيت الذي جمعنا يوماً وللأبوين اللذين تعبا ليزرعا فينا هذه القيم.

دمتم سنداً لاخوتكم .. اغصاناً لشجرة واحدة .. وان اختلفت اتجاهاتكم فجذوركم واحدة .. وذكرياتكم واحدة .. ودعوات والديكم لا تزال تظلكم. فأحفظوا ارث المحبة فإنها الثمرة الاجمل.

بقلمي بـان صـالـح كـنـدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *