موعد مع الجحيم ( الرضوانية )

موعد مع الجحيم ( الرضوانية )
يستعرض النص أجواء القمع في سجن الرضوانية خلال حكم البعث، مستنداً إلى شهادة عن الاعتقال والتعذيب بسبب كلمة عفوية، ليكشف كيف يؤدي الاستبداد وانعدام القانون إلى إذلال المواطن وتحطيم كرامته ودفعه نحو المعارضة أو الهروب أو الانهيار...

في أغلب دول المتحضر ، وبعد الثورة الصناعية ، وأعتماد النظم الديمقراطية ، هناك جدية وأهتمام في تقليل السجون أو العمل على مراقبتها ومتابعتها وجعلها مراكز للأصلاح ، من خلال مدارس للتهذيب وتقويم السلوك النفسي والتربوي والأخلاقي ، وكذلك هناك كورسات متقدمة ، لجعل السجين متدرب ومتهيئ لخوض الحياة بسلوك وتصرفات مختلفة تماماً عن مادخل بها للسجن ، في جنحة أو جريمة قانونية ، طبعاً ليس هناك عقوبة وحكم قضائي عن ( الرأي ) أو معارصة الحكم بطريقة سلمية .

سمعنا وقرأنا عن السجون المرعبة في العالم منذ القدم ولحد الأن ، كلها أنشأت في زمن الحكام الظلمة ، سواء في أمريكا أو دول أوروبا أو أفريقيا أو أسيا ، وفي التاريخ العربي هناك الكثير منها ، مثلا في زمن الدولة الأموية والعباسية التي مورست فيها أبشع أنواع الديكتاوتوريات القمعية والتي أستمرت للأسف وليومنا هذا .

وفي العراق قد تفنن حكام البعث في أنشاء وأعادة بناء وترميم القديم منها ، وخصوصا في زمن الطاغية ( صدام ) ، فهناك ( سجن الأنضباط العسكري ) ( سجن رقم 1 ) وسجن أبو غريب ، سجن تسفيرات الداخلية ، سجن بعقوبة ، وسجن الموصل وسجن تكريت وسجن( نكرة السلمان ) السيئ الصيت ، وغيرها الكثير .

ولكن عندما تسمع بذلك المعسكر أو السجن ، سيتبادر الى ذهنك بأنه سجن أو معسكر عادي ، ذات طابع عسكري أو مكان للأحتجاز .

ولكن أغلب العراقيون الكبار في السن حتى مواليد التسعينيات ، يعرفون قصص وحكايات ذلك المنفى أو سجن الجحيم .

للعلم كان مخصص فقط لأوامر ( صدام ، عدي ، قصي ، حسين كامل زوج رغد بنت صدام ) .

وغالباً ماكان الأبرياء يرمون بذلك السجن وينسوّن لمجرد تهم كيدية ، من قبل بعض جلاوزة النظام ، أو لمجرد خلاف و عدم رضا ، صدام وعدي وقصي وحسين كامل ، عن هؤلاء الأبرياء .

أتذكر قصةرواها لي صديق ، أفضل عدم ذكر أسمه ألتقيته في سوريا، كان هارباً من العراق ، وكان من ضمن حماية ( عدي ) .

وهو شاب صغير كان قد عمل في ذلك المكان بعد عمر 18 سنة ، وهذا المكان لايمكن العمل به إلا من مناطق ومدن معينة مثل ( تكريت وسامراء ) .

المهم كان يروي لي حكايته بألم ووجع كبير ، يقول : في أحد الأيام كنت قد شاهدت بندقية من نوع ( برنو ) أنكليزية ، قبضتها مرصعة بالذهب والعاج والجواهر ، في متحف عدي ، وأخبرني صديق يعمل معي بنفس الموقع من أهل تكريت ( العوجة ) ، بأن هذه البندقية تحمل 14 كيلو غرام من الذهب الخالص 24 ، وأستغربت من كلامه وقلت له ؛ ( شدعوة ) وتعني لم هذه المبالغة ، وهذه الكلمة باللهجة العامية العراقية ، ولكن يستعملها بكثرة أهل المناطق الشرقية والغربية .
المهم يبدو أن هذا الشخص ، نقلها الى عدي بعفوية أو بتقصد العلم عند الله .

يقول : فأرسل عدي بأستدعائي مخفوراً الى مكتبه ، وحاولت أن أسترجع ذكرياتي ، ياترى هل قصرت بعملي وواجباتي ، ولكن لا أتذكر ولكن كنت خائف ومرتبك وقلق ، لأن من يستدعيه عدي لايخرج إلا وهو معاقب .

المهم ، ، لم يخطر ببالي بأني أواجه تلك التهمة .
المهم دخلت وأديت التحية العسكرية .
قال لي عدي ؛ عاصم ،،،بأستهزاء طبعا ً ( ياول ، جايب الذهب من بيت الخلفوك )
قلت له ؛ سيدي ياذهب بأستغراب
قال لي ؛ أنت تقول عن البندقية العائدة لي في المتحف ( البرنو ) ( شدعوة مخلي بيها 14 كيلو ذهب )
قلت له ؛ ياسيدي أنا أنسان بسيط ولم أألف هذه الأشياء وأعتذر من زلة لساني ، وتكلمت عن البندقية بدون قصد .

فأهانني وأمر الحراس بأن يرمونني في سجن الرضوانية ، غرفة مظلمة فيها ضوء خافت أحمر ، وصوت قطرات الماء مشغل بأستمرار ، حتى تشعر بالموت البطيئ والقلق المستمر ، ولمدة 8 أشهر من التعذيب والأهانات .

وبعدها أخرجوني فصلوني من الخدمة ، بسبب زلة لسان لم تكن مقصودة ، ولاتحتاج لتلك العقوبات القاسية .

في ظل هكذا ظروف قاسية حروب عبثية وفوضى وأستهتار في أدارة الدولة ، و حكام جلاوزة وعصابات ، من الطبيعي أن يكون أبن الوطن مهان وذليل جائع ومحروم ، ويتحول مع مرور الزمن في ركب المعارضة ، أو يتحين الفرصة للهروب خارج أسوار الوطن ، وأن لم يستطع فقد يحصر في زاوية أرتكاب الجرائم ، أو الأنتحار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *