الولايات المتحدة وإيران….مسارات الحرب والسلام

ولايات المتحدة وإيران....مسارات الحرب والسلام
يرجح النص مسار التفاوض بين واشنطن وطهران بعد جنيف، مستبعداً الحرب الشاملة لكلفتها الاقتصادية والجيوسياسية، ومميزاً بين أهداف ترامب الصفَقية وطموحات إسرائيل، مع بقاء احتمال التصعيد رهناً بتحولات سياسية وأمنية محددة....

إنتهت الجولة الثانية من المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف بالإتفاق على المبادئ الرئيسة في المفاوضات التي استغرقت -حسب التلفزيون الإيراني- ثلاث ساعات، وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقب انتهاء المفاوضات بأن الطرفين قد توصلا إلى تفاهم بشأن المبادئ الرئيسة، وأشار إلى تطورات إيجابية مقارنة بالجولة الماضية، وتابع: إنّ”الطرفان سيعملان على نسختين من وثيقة الاتفاق المحتملة ويتبادلانها” وإنّ “الطرفان لا يزال أمامهما مسائل بحاجة إلى العمل عليها”، وأضاف إشارة ذات دلالة هي إنّ “هذا لا يعني أننا سنتوصل إلى اتفاق قريباً لكن الطريق قد بدأ”

.ربما تكون الجملة الأخيرة “الطريق قد بدأ” هي أهم ما أريد تأكيده في هذا المقال، مع أني سبق أن كتبت مقالاً قبل نحو عام، بعنوان (الولايات المتحدة وإيران…الحرب التي لن تقع) نشر على موقع إيلاف، وكانت كل المؤشرات حينها تشير إلى احتمال اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، استندت فيه إلى حقيقة أن العالم لن يتحمل انحسار إمدادات نفط الخليج نتيجة اندلاع الحرب، مع تواصل انحسار إمدادات النفط والغاز الروسيين، مع أسباب أخرى كثيرة.

ومازلت عند رأيي الذي عززته التطورات الأخيرة في ملف المفاوضات في جولة جنيف. خيارات السلام: كثير من المراقبين والمحللين يرجحون احتمال اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، متأثرين بالبروباغاندا المصاحبة للحشود العسكرية الأمريكية في بحر العرب، والمحيط الهندي، وجزيرة ديغوغارسيا، وبعض القواعد الأمريكية في المنطقة، مع أن كل ذلك هو في الحقيقة لتعزيز الموقف التفاوضي للولايات المتحدة وليس بالضرورة استعدادات لحرب تنتهي -كما يروّج بالإعلام- بتغيير النظام في إيران، الذي هو في الواقع هدف إسرائيلي بالدرجة الأساس، يختلف بدرجة كبيرة عما يطمح إليه ترامب (صفقة رابحة) تفتح الجغرافية والسوق الإيرانيين.

وهناك من يخطئ حين يخلط بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي في هذا الموضوع. فهم المفاوض الإيراني، هدف ترامب، وطبيعة تفكيره التي يتفوق فيها ترامب رجل الأعمال، على ترامب الرئيس، فصدرت عدة تصريحات من مسؤولين إيرانيين، بإغراء ترامب رجل الأعمال، باحتمال السماح باستثمارات أمريكية في إيران تبلغ ترليونات الدولارات، تشمل الطاقة والبتروكيمياويات والنقل والاتصالات، مع إبداء مرونة فيما يتعلق ببعض النقاط الخلافية، لإعطاء ترامب المسوّغ في قبول صفقة بشروط “تختلف” عن تلك التي وقعها أوباما في 2015، كي لا يعطي خصومه ذريعة لمهاجمته فيما لو قبل صفقة مشابهة لتلك التي رفضها سابقاً، ما يعزز القناعة بأن الأمور ذاهبة باتجاه حسم الملف النووي من خلال المفاوضات.

هل ثمة عوائق في التوصل إلى اتفاق؟ بالتأكيد، فثمة خلافات و”ثغرات” أشار إليها طرفا المفاوضات، لكنها خلافات وثغرات يجري العمل على التوصل إلى توافق بشأنها، لكن ما يهدد التوصل إلى اتفاق حقاً، وأهم تلك العوائق يتمثل بإغراءات الحرب التي يقدمها نتنياهو إلى الرئيس الأمريكي للإجهاز على النظام الإيراني كلياً، وليس الاكتفاء باتفاق قد لا ينهي ما تعده إسرائيل خطراً على أمنها واستقرارها.

ما يحيلنا إلى مناقشة إمكانية اندلاع الحرب في الجزء التالي. خيار الحرب ونتائجها المحتملة: الحشود العسكرية الأمريكية المتواجدة في المنطقة لا تصل إلى 10% من تلك التي حشدتها الولايات المتحدة عند غزو العراق، أو 5% من تلك التي حشدتها في حرب الخليج 1991، مع أن مساحة إيران تعادل تقريباً أربعة أضعاف مساحة العراق، وعدد نفوسها ضعف عدد نفوسه، وصناعتها العسكرية واستعداداتها العسكرية كبيرة جداً بالمقارنة مع ماكان عليه وضع العراق في الحربين 1991، و2003، مع أن المعلن من الحرب مع إيران-إن حدثت- إسقاط النظام، الذي هو، كما أسلفت، هدف إسرائيلي لا يتوافق مع رؤية وطموح ترامب في التوصل إلى “صفقة” مع إيران. ومع كل ذلك، هل ثمة احتمال لاندلاع الحرب؟ لست محللا عسكرياً، لكني أنظر إلى الأمر من ناحية اقتصادية وسياسية بعيداً عن التحليلات العسكرية التي هي نتاج القرار السياسي والاقتصادي، وعلى وفق التحليل السياسي والاقتصادي فإن حرباً قد تمتد إلى أسابيع وربما أشهر، سيعني ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، بالإضافة إلى اضطراب الأسواق العالمية، وما ستحدثه الحرب من اصطفافات وتحالفات سياسية-اقتصادية قد لا نشهد حدوثها في الحالة الطبيعية لمسار المفاوضات، ولا ننسى أن ثمة تحالف وثيق بين الصين وإيران، تجلى واضحاً خلال الأشهر السابقة، وما كشفته بعض وسائل الإعلام من أخبار تزويد إيران بمنظومات رادار صينية متقدمة، ووسائل دفاع أخرى تزيد من كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

يبقى اندلاع الحرب احتمالاً قائماً بدرجة متدنية جداً، لكنه احتمال يتوقف على أمرين حاسمين: الأول: نجاح نتنياهو في تغيير أولويات ترامب وتوجهاته بما يتسق مع أهدافه وتوجهاته في القيام بحرب تفضي إلى تغيير النظام في إيران، وقد أخفق نتنياهو في هذا المسعى خلال زيارته الأخيرة ولقاءه ترامب، الذي أعلن عقب اللقاء تمسكه بخيار المفاوضات.

الثاني: وجود ترتيبات مخابراتية مع تنظيمات ومجموعات داخلية إيرانية، قادرة على قلقلة الوضع الأمني الإيراني الداخلي، بالتزامن مع العمل العسكري بالإمكانات العسكرية المتوفرة في المنطقة بالإضافة طبعاً، إلى ما تمتلكه إسرائيل من موارد وإمكانات عسكرية لا سيما في مجال سلاح الجو، كما حدث خلال حرب ال12 يوماً، لكن على نطاق أوسع قد يفضي إلى إسقاط النظام، وهو ما عملت إيران على كشف بعضه خلال الأشهر السابقة، ويبدو- حسب اعتقادي- أن نتنياهو قد عرض على ترامب ما يعتقده كفيل بتغيير النظام من الداخل بالتزامن مع العمليات العسكرية، الأمر الذي لا يبدو مؤكداً من وجهة نظر ترامب وأجهزة استخباراته.

لذلك، أرى إنّ إنهاء الحرب -إن حدثت- متوقف بدرجة كبيرة على إيلام إسرائيل وجعل كلفة استمرار الحرب دون تحقيق هدف إسقاط النظام في الأيام الأولى منها عالية، لا سيما على إسرائيل، وهذا لا يحدث إذا ما خاضت إيران الحرب بطريقة خوضها لحرب ال12 يوماً، أي بانتظار الضربة ومن ثم الرد عليها، بل بجعل إسرائيل في موقف الدفاع على مدار الساعة، وإن كان ذلك بمجرد استمرار استهدافها بطائرات مسيرة واطئة الكلفة، وهذا وحده الكفيل بإنهاء الحرب وليس باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة كما يهدد عدد من قادة إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *