تشييع الخامنئي في العراق
يمثل تشييع الخامنئي في العراق مشهداً يتجاوز الحزن والوداع. فهو درس في الولاية والوفاء ومواصلة التكليف.
ورغم الوجع وتأخر العافية، آليت على نفسي أن أكتب عن السيد الولي الخامنئي المفدّى.
فقد اختارته الأقدار والألطاف الإلهية لهذه المكانة الرفيعة.
كما منحته حفاوة واسعة لدى شيعة أهل البيت عليهم السلام.
ولا يخرج عن هذا الحب إلا من ساء توفيقه وشذ عن الطريق.
التشييع بوصفه درساً في التكريم
يمثل تشييعه درساً في التكريم والتميز.
فهو تكريم لمن سار على نهج الآيات والروايات.
كما أنه تكريم لمن تمسك بأخلاق المعصومين عليهم السلام.
لم يكن السيد الخامنئي من دائرة العصمة.
لكنه جسّد معنى العصمة الاكتسابية في القول والفعل والسلوك.
وانتمى إلى هذا الطريق بالالتزام والعمل والثبات.
حياة تشبه الشلال
تلوّنت حياته الثرية بعطاء يشبه الشلال المنهمر.
وقد وصل هذا العطاء إلى شطآن التصحر والعطش.
ثم أنبت فيها زرعاً جميلاً وأخصب جنانها.
وكان عمره كله جامعة مفتوحة للأحرار.
فتعلموا منه كيف يكون المؤمن الحقيقي.
كما تعلموا معنى المجاهد حين يملأه عشق الله تعالى.
بناء الذات الثورية
في أواخر حياته، أكمل بناء الذات الثورية لمعسكر الشيعة.
وقد تسلم هذا المعسكر منه راية العمل والجهاد الحقيقي.
وشمل هذا البناء المجال العسكري المؤثر.
كما شمل المجال الثقافي والفكري.
ولم يفصل السيد الخامنئي بين ساحات المواجهة.
بل رأى أن الدفاع عن الأمة يحتاج إلى وعي وقوة معاً.
جهاد التبيين
عمل السيد الخامنئي على إنقاذ الجهال والمغرر بهم.
واعتمد في ذلك على جهاد التبيين.
فقد وضع لهذا الجهاد أصولاً واضحة.
كما دعا الأمة إلى استخدامه في مواجهة التضليل.
وكان يدرك أن التطور التكنولوجي أصبح في يد العدو.
ولذلك، واجه هذه الهيمنة ببناء جنود للوعي والبصيرة.
جنود الليل والتكليف
كان هؤلاء الجنود يمتطون الليل في طريقهم إلى أداء التكليف.
وكانت الدموع ترشح من وجناتهم حباً وصدقاً.
فهم لم يتحركوا طلباً للدنيا أو المكانة.
بل تحركوا بدافع الإيمان بالمسؤولية.
كما رأوا في التكليف طريقاً إلى القرب من الله.
وهذه الروح كانت من أهم آثار السيد الخامنئي في أتباعه.
التشييع رسالة متحركة
يبدو تشييعه كأنه رسول يدور برسالته بين الناس.
فهو يعرفهم على الخالق ومعاني القرآن الكريم.
كما يذكرهم بما يريده الله من الإنسان المؤمن.
ومن هنا، لا يبقى التشييع حدثاً جنائزياً فقط.
بل يتحول إلى رسالة تسير بين المدن والقلوب.
وتتحدث عن حياة القائد بعد غياب جسده.
عيون شيعة العراق
ستشخص أبصار المحبين من شيعة العراق نحو الجثمان الطاهر.
وسيرون فيه جسداً شهد له القريب والبعيد.
فقد انتمى هذا الجسد إلى مدرسة الولاية الصادقة.
كما حمل صفاءها في الفكر والموقف والسلوك.
ولهذا، لن ينظر المشيعون إليه كجثمان عابر.
بل سيرونه شاهداً على طريق كامل من العطاء.
حلم السير إلى كربلاء
كان حلمه أن يحج ماشياً إلى كربلاء.
وكان يريد أن يقف أمام الإمام الحسين عليه السلام.
ثم يقول: هل وفيت يا أبا عبد الله؟
لكن الحب منحه صورة أخرى من الوفاء.
فقد جاء شهيداً محمولاً على رؤوس العشاق.
وجاءت شهادته دليلاً على صدق الفناء في الطريق.
رسالة إلى الأجداد والمحبين
يحمل مجيئه شهيداً رسالة إلى أجداده الطاهرين.
وكأنه يقول لهم: لقد أنجزت تكليفي.
كما يحمل رسالة إلى الذين يذرفون الدموع.
ومضمونها أن عليهم إكمال الطريق.
فالحزن لا يكفي وحده لإثبات الوفاء.
بل يجب أن يتحول إلى وعي وعمل وموقف.
إكمال الطريق بعد القائد
لا تنتهي مسؤولية الأمة عند تشييع القائد.
فالتشييع الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المراسم.
ويظهر في الحفاظ على المنهج والمبادئ.
كما يظهر في مواصلة المشروع الذي عاش القائد من أجله.
ولهذا، لا يقاس صدق الحب بعدد الدموع وحدها.
بل يقاس بالثبات أمام الاختبارات الكبرى.
الموقف من الوجود الأمريكي
يرى كاتب النص أن أول شروط هذا الطريق هو اقتلاع الوجود الأمريكي.
ويصف هذا الوجود بأنه مسؤول عن قتل قادة ومجاهدين كثيرين.
كما يضع العراق في مقدمة البلدان المطالبة بإنهائه.
ويرى أن الوفاء يقتضي رفض التودد إلى واشنطن.
كما يرفض السماح للخائن بمغازلتها أو التقرب منها.
لا لأمريكا
بحسب هذا الموقف، تتجسد رسالة التشييع في قول: كلا لأمريكا.
ولا يرتبط هذا الشعار بحضور شخص القائد فقط.
بل يرتبط بروحه ودمه ونهجه.
فالقائد قد يغيب بجسده.
لكن موقفه يستمر في وعي الذين آمنوا بطريقه.
ومن هنا، يصبح التشييع تجديداً لموقف سياسي وعقائدي.
العشق والموقف
لا يكتمل عشق الإمام الخميني والسيد الخامنئي بالشعارات.
بل يحتاج هذا العشق إلى موقف واضح.
كما يحتاج إلى رفض المشاريع التي واجهاها.
فالمحب لا يستطيع فصل القائد عن مبادئه.
ولا يستطيع إعلان الولاء ثم التقرب من خصومه.
ولهذا، يربط النص بين الحب والالتزام السياسي والعقائدي.
البصيرة ودولة الفقيه
تختصر العبارة الآتية معنى البصيرة في هذا الطريق:
“البصيرة هي ألّا تصبح سهماً بيد قاتل الحسين، يُسدّد على دولة الفقيه.”
فالبصيرة لا تعني معرفة الأحداث فقط.
بل تعني فهم موقع الإنسان داخل الصراع.
كما تعني ألّا يتحول المؤمن إلى أداة بيد خصومه.
ولا يسمح لهم باستخدامه ضد المشروع الذي يؤمن به.
التشييع كماء الحياة
يشبه هذا التشييع ماء الحياة.
فهو يعيد إلى القلوب معنى الوفاء.
كما يوقظ فيها الإيمان بالتكليف.
ويحوّل الحزن إلى طاقة للاستمرار.
ومن هنا، لا يحمل المشيعون الجثمان وحده.
بل يحملون رسالة كاملة نحو المستقبل.
من الدموع إلى العمل
لا ينبغي أن تبقى الدموع حبيسة لحظة الوداع.
بل يجب أن تتحول إلى وعي وموقف.
كما يجب أن تدفع الأمة إلى حماية مبادئها.
فالسيد الخامنئي لم يرب أتباعه على الحزن السلبي.
بل رباهم على أداء المسؤولية مهما اشتدت الظروف.
ولهذا، يصبح إكمال الطريق أعظم صور الوفاء.
خاتمة: تشييع يحيي الطريق
في المحصلة، لا يمثل تشييع السيد الخامنئي نهاية حياة فقط.
بل يمثل بداية مرحلة جديدة من التكليف.
فقد ترك وراءه مدرسة في الإيمان والجهاد والبصيرة.
كما ترك أمة مطالبة بحماية هذا الإرث.
ويصبح التشييع ماء حياة عندما يحيي المبادئ.
كما يصبح وفاءً حقيقياً حين يتحول الحزن إلى عمل.
وهكذا، يبقى القائد حاضراً في الروح والموقف.
ويبقى الطريق مفتوحاً نحو نصر قادم، بإذن الله.


