الساحل الغربي: السيطرة الميدانية لا تعني إغلاق الممر
سقطت مدينة المخا في ليلة واحدة تقريباً ومعها سقط افتراض ظل سائداً طوال سنوات وهو أن خطوط السيطرة في اليمن توقفت، وأن ما تبقى من الساحل الغربي بات تفصيلاً هامشياً في صراع أطول عمراً منه. خلال أيام معدودة من مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، تقدم انصار الله الحوثيون من حيس والخوخة جنوب الحديدة إلى المخا وجزيرة ميون وأرخبيل حنيش وسيطروا على جميع الجزر في البحر الأحمر ليجدوا أنفسهم على مرمى حجر من باب المندب. المفارقة أن مدينة ساحلية صغيرة لا تتجاوز أهميتها الاقتصادية المباشرة حدود ميناء متواضع، أعادت خلال أسبوع واحد ترتيب أولويات مجلس الأمن وأنتجت تصريحات قلق من واشنطن إلى القاهرة وفتحت شرخاً علنياً بين الرياض وأبوظبي. علماً أن انصار الله يمتلكون القدرة الفعلية على تعطيل حركة السفن في مضيق باب المندب لكنه لا يزال بحكم عرضه متاحاً جزئياً لخطوط ملاحية بديلة قرب الساحل الإريتري والصومالي، وشركات الشحن الكبرى لم تتوقف كلياً عن العبور بل تتعامل مع المنطقة وفق معادلة تأمين متغيرة. والأرقام تقول شيئاً دالاً في هذا السياق حيث عبرت نحو (٢٦) سفينة من باب المندب في العاشر من أيلول وحده، وهو ما يعكس أن الممر لا يزال حيوياً وقائماً وإن كان بمستوى مخاطرة أعلى بكثير من السابق. وأن ما يملكونه الحوثيون اليوم يمثل موقع استراتيجي في عنق البحر الأحمر مما يمنحهم قدرة على المضايقة والتهديد بل قدرة على الإغلاق الكامل للملاحة البحرية في المضيق.
باب المندب: من التهديد إلى ورقة تفاوض تجبر الكبار على الرضوخ
هذه القدرة على التحكم بهذا الممر المائي التجاري الهام هي ليست تفصيلاً صغيراً في اقتصاد عالمي يمر نحو (١٢٪) من تجارته عبر باب المندب وقناة السويس. وهذا يعني ان أي تصعيد يطول السفن المرتبطة بالسعودية أو الشركات الغربية يرفع أقساط التأمين البحري فوراً، ويدفع بعض الناقلات إلى خيار رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفةً. وهنا تكمن الورقة السياسية الحقيقية للحوثيين وهي ليست في إغلاق الممر بل في رفع كلفة استخدامه إلى درجة تجعل من التهديد أداة تفاوض قائمة بذاتها وإن كانت أداة محدودة العمر لأن استمرار بهذه الطريقة يستدعي في النهاية إلى رداً دولياً وهو ما بدأ يتشكل بالفعل عبر تحالف بحري متعدد الجنسيات أعلنت عنه الرياض بمشاركة أربع عشرة دولة أواخر تموز/يوليو، وهو الأخر محدود أيضاً خصوصاً بعد تصريح ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بعدم مشاركته في الهجوم على الحوثيين لانهم طلبوا منه عدم التدخل حسب وصفه.
إيران وحلفائها يسيطرون على اهم الممرات المائية الدولية
أما العلاقة مع إيران فتحتاج إلى تفكيك أدق فما توثقه تقارير متعددة ومنها ما نقلته رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية، هو أن التقدم الأخير جاء بتوجيه ودعم مباشرين من الحرس الثوري الإيراني والذي نسق مع الحوثيين لتصعيد الهجمات على السعودية ووعد بمزيد من التمويل والسلاح وإرسال الخبراء والمستشارين. وهذا توثيق لدعم عسكري وتقني وتنسيقي عالي المستوى لكنه لا يعني أن كل قرار ميداني حوثي يصدر حرفياً من طهران فهذا لايمكن بأي شكل من الأشكال لان الحوثيين لديهم حسابات محلية خاصة بهم، أبرزها تثبيت سيطرتها الداخلية على الساحل وعزل خصومها. أما ما تستفيد منه إيران بوضوح هو فتح جبهة موازية لمضيق هرمز الشبه مغلق والذي تسيطر عليه عملياً منذ أشهر، فأذا اجتمع الضغط على البابين معاً يتضاعف التهديد على إمدادات الطاقة الخليجية في اللحظة الأشد حساسية من مواجهتها المفتوحة مع واشنطن.
السعودية والإمارات: حرب الاخوة الدائم على النفوذ الإقليمي
في المقابل لم تتعامل الرياض وأبوظبي مع هذا التطورات بموقف موحد. فقد وجهت أصوات سعودية وإماراتية اتهامات متبادلة بعد سقوط المخا بيد الحوثيين، إذ صرح كتاب سعوديون إلى أن المدينة سلمت دون قتال وكان هذا بتنسيق مع الحوثيين او خيانة داخلية في صفوف القوات الماسكة للأرض، بينما اعتبر أكاديميون إماراتيون أن انسحاب أبوظبي من التحالف مطلع العام الجاري ترك فراغاً عسكرياً لم تعوضه الرياض بقوات بديلة وهذا ما أدى الى ضعف هذه الجبهة ليصل الأمر الى ما وصل إليه. وهذا التباين يعكس إختلافاً حقيقياً في سلم الأولويات لان الإمارات تركز على أمن الموانئ وخطوط الملاحة التجارية، بينما تنظر السعودية إلى الساحل الغربي كامتداد مباشر لأمنها الحدودي والبحري وحماية منشآتها النفطية على البحر الأحمر وتحديداً في ينبع التي استهدفت فعلاً في وقت سابق من العام. رغم أن كلا البلدين يواجه سؤالاً واحداً بصيغتين مختلفتين: كيف يعاد ترتيب التحالف مع واشنطن في مرحلة تتضاءل فيها الثقة بالقدرة الأميركية على ردع طهران في أكثر من مسرح في آن واحد؟
مصر وقناة السويس: كلفة اقتصادية باهظة وحلول غائبة
مصر بدورها تقف في موقع المتضرر غير المباشر فقناة السويس التي كانت تحقق أكثر من عشرة مليارات دولار سنوياً قبل عام ٢٠٢٣، ما زالت تتعافى ببطء من أزمة الملاحة إذ سجلت نحو (٤.٦٧ مليار دولار) في السنة المالية ٢٠٢٥ – ٢٠٢٦ بارتفاع نسبته (٢٣٪) عن العام السابق وهو تحسن جزئي لا يقترب من ذروة ما قبل الأزمة. وهذا يعني أن اي اضطراب طويل في باب المندب يعني تأخير في تعافي هذا الشريان الاقتصادي المهم بالنسبة لمصر، بل هو يشكل ضغطاً مباشراً على الاحتياطي النقدي الأجنبي وعلى موقع القاهرة كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا في وقت تحاول فيه دول المنطقة الى ترسيخ مشروعات لوجستية موازية للقناة نفسها.
العراق: هجمات بلا توقيع وحلولاً موقتة بغلق المنافذ
الملف الأكثر حساسية والذي تزامن مع تقدم الحوثيين في اليمن وهو الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه المنشآت السعودية والتي لم تعلن أي جهة عراقية مسؤوليتها عنها ولم تكشف الحكومة عن هوية الفاعل إلى الان. لكن الواقعة المثبتة أن ضربات جوية سعودية أميركية مشتركة استهدفت في أواخر تموز مواقع للحشد الشعبي في ديالى والبصرة وهذه أسفرت عن استشهاد نحو عشرين شخصاً وبناءً على اتهام سعودي أميركي بأن الطائرات المسيرة التي ضربت منشآت نفطية انطلقت من العراق. لكنه يبقى مجرد اتهام لأن الحكومة العراقية نفت رسمياً وجود أي أدلة تثبت الانطلاق من أراضيها وكذلك هيئة الحشد الشعبي نفت ضلوعها، فيما فتح رئيس الوزراء علي الزيدي تحقيقاً داخلياً ووجه بإغلاق مؤقت لبعض المعابر الحدودية مع إيران. ولكن التزامن الزمني بين تصعيد الحوثيين في الساحل الغربي وتصعيد الهجمات من العراق قد يغري بربطهما في سردية واحدة عن (جبهات موازية) بالتنسيق مع طهران لكن هذا الربط يبقى تفسيراً سياسياً محتملاً لا واقعة مثبتة، ولا يجوز الانتقال من التشابه في التوقيت إلى الجزم بعلاقة سببية دون تحقيقات مستقلة تكشف من يقف فعلياً خلف منصات الإطلاق قرب الحدود العراقية الإيرانية.
حدود النفوذ: باب المندب بين المساومة والسيادة
في الخلاصة لا تكمن أهمية ما جرى في مساحة جغرافية أو مدينة ساحلية بعينها بل في تحويل موقع جغرافي إلى أداة نفوذ يمكن توظيفها في مساومة أوسع تشمل الطاقة والملاحة والتحالفات. مضيق باب المندب شريان اقتصادي عالمي بالغ الأهمية لكن هذا النفوذ والسيطرة عليه محكوم بحدود واضحة لان كلفت إغلاقه الاقتصادية تؤثر على الحوثيين أيضاً، واستمراره يستدعي رداً دولياً وهو تشكل بالفعل وان كان محدود الفعالية. وأن المسؤولية هنا مزدوجة من جهة حفظ أمن الملاحة البحرية وحماية أرواح المدنيين من جهة أخرى، ولكن الأمر الأبرز هنا هو كيف اصبح الشعب اليمني نموذجاً يحتذى به في الدفاع عن ارضه من قبل الطامعين ولحفظ سيادته ورسم حدوده بخطوات واضحة لاتقبل المساومة والتنازلات.
الخاتمة: لم تعد السيطرة على باب المندب مجرد تطور عسكري في حرب اليمن بل تحولت إلى معادلة إقليمية مركبة تعيد تعريف قواعد الاشتباك في البحر الأحمر. ما حققه انصار الله الحوثيين على الساحل الغربي يمنحهم ورقة ضغط استراتيجية لكنها ورقة محكومة بحدود القوة الذاتية والتوازنات الدولية. فالممر الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية لا يمكن إغلاقه دون كلفة باهظة على الجميع بما في ذلك من يسيطر عليه. وبينما تتبارى الرياض وأبوظبي في تبادل الاتهامات وتتطلع القاهرة إلى استعادة عافية قناة السويس، تبقى طهران المستفيد الأكبر من فتح جبهة موازية لمضيق هرمز، ويظل السؤال الأهم هل يمكن تحويل هذا الموقع الجغرافي إلى نفوذ دائم أم أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لحسم الصراع؟ في النهاية يبقى الساحل اليمني جبهة مفتوحة على كل الاحتمالات حيث تختلط أوراق السيادة بالمساومة وحيث يدفع اليمنيون ثمن صمودهم في وقت تتنازع فيه القوى الكبرى على ممر مائي لا يحتمل مزيداً من الاضطراب.
