المقدمة
يشهد الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة في بنيته الأمنية نتيجة تصاعد التوترات العسكرية بين إيران من جهة امريكيا وإسرائيل من جهة اخرى ، وما يرافق ذلك من انخراط مباشر وغير مباشر من دول اخرى في إدارة توازنات القوة في الإقليم. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، يبرز العراق بوصفه إحدى أهم العقد الجيوسياسية في الشرق الأوسط، نظراً لموقعه الجغرافي الاستراتيجي وتشابك علاقاته السياسية والأمنية مع القوى الإقليمية والدولية.
لقد أدى تصاعد الصراع الإيراني–الإسرائيلي الامريكي إلى إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمي، بحيث أصبح العراق جزءاً من منظومة التوازنات الاستراتيجية التي تسعى القوى الكبرى إلى توظيفها لتحقيق أهدافها الأمنية والسياسية. فوجود القوات الأمريكية في العراق لم يعد يقتصر على إطار مكافحة الإرهاب، بل أصبح مرتبطاً بمتطلبات الردع الإقليمي وإدارة الصراع غير المباشر بين القوى المتنافسة.
ان موقع العراق في معادلة الردع الإقليمي، واستشراف مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في ظل التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل الامريكي اصبح ضرورة لهذه المرحلة الحرجة ، نكتب في ذلك من خلال مقاربة تحليلية تستند إلى قراءة الجغرافيا السياسية والتفاعلات الأمنية في المنطقة.
يعد العراق من الدول المحورية في معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ يشكل حلقة وصل جغرافية بين الخليج العربي وبلاد الشام وإيران وتركيا. وقد جعل هذا الموقع منه تاريخياً مجالاً للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي المرحلة الراهنة، تتزايد أهمية العراق في ظل الصراع الإيراني–الإسرائيلي الامريكي لعدة اعتبارات أساسية. أولها القرب الجغرافي من إيران، الأمر الذي يجعل الأراضي العراقية ضمن المجال الحيوي للحسابات الأمنية الإيرانية. وثانيها وجود قوات عسكرية أمريكية وقواعد ومواقع دعم لوجستي تشكل جزءاً من شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة. أما الاعتبار الثالث فيتعلق بوجود فاعلين مسلحين غير دولتيين يمتلكون تأثيراً سياسياً وأمنياً في الداخل العراقي، وهو ما يعقد المشهد الأمني ويجعله أكثر حساسية تجاه التطورات الإقليمية.
وبذلك أصبح العراق يمثل نقطة توازن دقيقة بين مشاريع النفوذ الإقليمي واستراتيجيات الردع الدولية.
عاد الوجود العسكري الأمريكي إلى العراق عام 2014 في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، حيث تولت القوات الأمريكية مهام التدريب والدعم الاستخباري والإسناد الجوي للقوات العراقية. غير أن هذا الوجود أخذ تدريجياً أبعاداً استراتيجية أوسع، ليرتبط بإدارة التوازنات الإقليمية في مواجهة النفوذ الإيراني.
وفي هذا السياق يمكن تحديد جملة من الوظائف الاستراتيجية للوجود العسكري الأمريكي في العراق، من أبرزها مراقبة التحركات العسكرية في المنطقة، ودعم استقرار النظام الأمني العراقي، وتعزيز قدرات القوات المسلحة العراقية في مجال التدريب والتخطيط العملياتي، فضلاً عن كونه جزءاً من منظومة الردع الأمريكية في الشرق الأوسط.
ومن ثم فإن استمرار هذا الوجود يعكس إدراكاً أمريكياً لأهمية العراق في هندسة التوازنات الأمنية الإقليمية.
أدى التصعيد العسكري بين إيران- وإسرائيل والامريكي إلى رفع مستوى التوتر الأمني في الإقليم، مع تزايد احتمالات انتقال الصراع إلى ساحات جغرافية أخرى عبر أنماط الحرب غير المباشرة أو ما يعرف بحروب الظل.
ويبرز العراق في هذا السياق بوصفه إحدى الساحات المحتملة لتجليات هذا الصراع، نظراً لتداخل النفوذ الإقليمي فيه ووجود مصالح وقواعد عسكرية أمريكية على أراضيه. وقد ينعكس ذلك في عدة مظاهر، منها تصاعد الضغوط السياسية الداخلية بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، و تعرض المصالح الأمريكية أو القواعد العسكرية لهجمات مباشرة، فضلاً عن زيادة التوترات الأمنية المرتبطة بالصراع الإقليمي.
وعليه فإن تطورات الحرب بين إيران- وإسرائيلو امريكيا لا يمكن فصلها عن البيئة الأمنية في العراق، بل إن مسار هذا الصراع قد يؤثر بصورة مباشرة في طبيعة الدور الذي يؤديه العراق داخل النظام الإقليمي.
في ضوء المعطيات الراهنة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوجود العسكري الأمريكي وربما تعزيزه، خصوصاً إذا استمرت حالة التوتر الإقليمي بين إيران وإسرائيلامريكي ، حيث قد ترى الولايات المتحدة أن العراق يمثل موقعاً استراتيجياً مهماً في منظومة الردع الإقليمي.
أما السيناريو الثاني فيقوم على إعادة التموضع، بحيث يجري تقليص الوجود العسكري المباشر مقابل تعزيز الأدوار الاستشارية والاستخبارية، وهو ما يسمح لواشنطن بالحفاظ على نفوذها الأمني مع تقليل المخاطر العسكرية.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية نتيجة ضغوط سياسية داخلية في العراق أو نتيجة تغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. غير أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل العراق وربما يفتح المجال أمام توسع نفوذ قوى إقليمية أخرى.
يتضح أن العراق يحتل موقعاً مركزياً في معادلة الردع الإقليمي في الشرق الأوسط، وأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي فيه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار االحرب الإيراني–الإسرائيلي الامريكية وبطبيعة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يواجه العراق تحدياً استراتيجياً يتمثل في كيفية إدارة علاقاته مع القوى الدولية والإقليمية بما يضمن الحفاظ على سيادته الوطنية واستقراره الداخلي. ومن ثم فإن تبني سياسة خارجية متوازنة وتعزيز القدرات الوطنية في المجالين الأمني والعسكري يمثلان شرطين أساسيين لتمكين العراق من تجنب التحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية، والانتقال بدوره الإقليمي من موقع التأثر إلى موقع التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.


