الطلقة الأخيرة في جعبة الحاكم

الطلقة الأخيرة في جعبة نتنياهو قبل الانتخابات
قراءة في الطلقة الأخيرة التي قد يستخدمها نتنياهو لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية، وسط أزمات غزة ولبنان وإيران والليكود..

الطلقة الأخيرة قبل موعد الانتخابات

بعد أخذ ورد طويل بين الموالاة والمعارضة، فشلت المعارضة الإسرائيلية في تقريب موعد الانتخابات. لم تنجح حتى في تقديمها شهراً واحداً.

لذلك، طلب الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، في جلسة الكنيست الأخيرة، إجراء الانتخابات في موعدها. وجاء الطلب يوم الأحد 12 تموز/يوليو الحالي.

كما جاء الطلب قبل العطلة البرلمانية الخاصة بالانتخابات. تبدأ هذه العطلة في 17 يوليو، وفق الجدول القائم.

وبالتالي، يتمسك الائتلاف بالموعد المقرر في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026. كما تنص لائحة الكنيست على إغلاق باب تقديم القوائم في 7 أيلول/سبتمبر القادم.

هذا هو الموعد الأصلي المحدد قانونياً. كما تمثل هذه الحالة سابقة أولى منذ 38 عاماً. إذ تجري الانتخابات في موعدها من دون تقديم أو تأخير.

علاوة على ذلك، تعد الحكومة القائمة أول حكومة تكمل ولايتها منذ 53 عاماً. ومن هنا يكتسب المشهد بعداً سياسياً خاصاً.

تحديد الموعد لا يمنع التأجيل

رغم أن الكنيست حدد موعد الانتخابات، لا يلغي ذلك احتمال التأجيل لاحقاً. لكن هذا التأجيل يحتاج إلى تدخل تشريعي واضح.

يفرض القانون الأساسي الإسرائيلي إجراء الانتخابات في تواريخ محددة. لذلك، تحتاج أي محاولة لتعديل الموعد إلى قانون خاص.

كما يجب أن تصادق الكنيست على هذا القانون بالأغلبية. وعندها فقط يمكن تأجيل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

وكما يعلم معظم المراقبين، لا يستعجل نتنياهو الذهاب إلى الانتخابات. فهو يرى في الوقت المتبقي فرصة سياسية ضرورية.

لماذا لا يريد نتنياهو الصناديق؟

أولاً، لا تمنح أغلب استطلاعات الرأي نتنياهو وائتلافه ثقة كافية للبقاء في الحكم. لذلك يخشى أن تخذله الصناديق.

ثانياً، تراجعت مكانته الشخصية في تشكيل الحكومة المقبلة. فقد تفوق عليه غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي الأخيرة.

ثالثاً، يريد نتنياهو وائتلافه إدامة الحرب والإبادة الجماعية ضد الشعب العربي الفلسطيني. كما يريدان توسيع الضغط على الشعب اللبناني الشقيق، وعلى الإقليم عموماً.

رابعاً، يخشى نتنياهو الذهاب إلى السجن بسبب قضايا الفساد التي تلاحقه أمام القضاء. وقد رفض إبرام صفقة مع الرئيس إسحاق هيرتسوغ والمعارضة.

خامساً، يخشى أن ينقلب بعض أركان الليكود عليه في اللحظة الأخيرة. كما يخشى خروجهم عن طاعته وسطوته.

وقد ظهرت مؤشرات حديثة على هذا الاحتمال. ولعل أبرز عناوينها يولي إدلشتاين، رئيس الكنيست السابق.

ما هي الطلقة الأخيرة؟

لكن السؤال الأهم يبقى: ما هي الطلقة الأخيرة التي قد يطلقها نتنياهو؟ وكيف سيستعملها لتأجيل الانتخابات القادمة؟

يريد نتنياهو أطول مساحة زمنية ممكنة. فهو يحتاج إلى تحسين مكانته في الشارع الإسرائيلي. كما يريد استعادة زمام المبادرة مجدداً.

ومن هنا تبرز أربعة مسارات محتملة. وقد يلجأ نتنياهو إلى واحد منها، أو إلى أكثر من مسار معاً.

أولاً: إشعال غزة من جديد

قد يشعل نتنياهو نار الحرب مجدداً في غزة. وسيستخدم ذريعة نزع سلاح حركة حماس.

فما يسمى مجلس السلام وقواته الدولية لا يملكان معالم واضحة. كما لا يملكان أدوات كافية لفرض نزع السلاح.

إضافة إلى ذلك، لا يدخل ملف نزع السلاح ضمن مهام هذه القوات. لذلك تبدو الذريعة أوسع من قدرة المجلس الفعلية.

كما أن المجلس ولجنته التنفيذية يتواطآن مع حكومة نتنياهو. فلم يتخذا أي خطوة إيجابية لإلزام إسرائيل بخطة ترامب.

وتتعلق هذه الاستحقاقات بالخطوة الأولى من خطة الرئيس دونالد ترامب. لكن حكومة نتنياهو لم تنفذها كما يجب.

ثانياً: خلط الأوراق في لبنان وسوريا

قد يفتعل نتنياهو أزمة في الساحة اللبنانية أو السورية. وبهذا يخلط الأوراق من جديد.

كما قد يستخدم هذا المسار لقطع الطريق على اتفاق مع النظام اللبناني. وسيعود إلى ذريعة نزع سلاح حزب الله.

في المقابل، تواصل الطائرات الحربية الإسرائيلية والطائرات المسيرة هجماتها اليومية. وتستهدف هذه الهجمات مدن الجنوب اللبناني وبلداته وقراه.

لذلك، يبقى الجنوب اللبناني ساحة قابلة للتفجير. كما تبقى سوريا ساحة مناسبة لخلط الحسابات.

ثالثاً: استثمار التصعيد مع إيران

قد يستغل نتنياهو تصاعد الصدام بين الولايات المتحدة وإيران. فقد عاد التوتر بين الطرفين إلى الارتفاع.

كما جمدت واشنطن وطهران التفاهمات الأميركية الفارسية. وهذا يفتح مساحة خطرة أمام المغامرة الإسرائيلية.

قد يتدخل رجل إسرائيل القوي في الميدان الإيراني. وقد يؤدي ذلك إلى إشعال نيران الحرب من جديد.

ولا سيما أن طهران تهدد وتتوعد بهجمات غير مسبوقة. كما أن إدارة ترامب لم توقف تصريحاتها عن فناء إيران.

ومن هنا، قد يجد نتنياهو في هذا التصعيد مدخلاً مناسباً. فهو يريد أزمة كبرى تؤجل الحساب الانتخابي.

رابعاً: أزمة داخلية في إسرائيل

قد يفتعل نتنياهو أزمة داخلية داخل إسرائيل. وقد يستخدمها لخلط الأوراق داخل المجتمع الإسرائيلي.

لا أستطيع الآن استشراف ماهية هذه الأزمة أو ملامحها. لكن نتنياهو معروف بدهائه وقدرته على اختلاق حدث نوعي.

وقد يسمح له هذا الحدث بتأجيل الانتخابات. كما قد يمنحه فرصة جديدة للالتفاف على خصومه.

صحيح أن المعارضة والنخب الإسرائيلية باتت متيقظة لألاعيبه. لكن هذا لا يمنع أن يفاجئها بطلقة غير مسبوقة.

وعندها قد تقع المعارضة فريسة فهلوته السياسية. وهذه هي خطورة الطلقة الأخيرة في جعبة الحاكم.

نتنياهو والبحث عن ذريعة أخيرة

سيبقى نتنياهو يفكر حتى اللحظة الأخيرة. وسيبحث عن ذريعة تمدد أيام ولايته.

ربما يأمل في تحقيق بعض أهدافه المعلنة بعد السابع من أكتوبر 2023. لكنه لم يحقق منها سوى الدمار والإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني.

وقد يعود مرة جديدة إلى مساومة مع الرئيس الإسرائيلي. وسيبحث عندها عن خروج آمن من دون دخول السجن.

كما قد يستحضر تجربة أريئيل شارون. فقد انقلب شارون على الليكود، وشكل حزب كاديما في تشرين الثاني/نوفمبر 2005.

وقد يفكر نتنياهو في تشكيل حزب مستقل. وبهذا يلتف على المتمردين عليه داخل الليكود.

كما قد يضمن بقاءه في الكنيست عبر هذا الخيار. لكنه لن يضمن الحصانة السياسية والقضائية.

حتى لو شكل حزباً جديداً، واستمر عضواً في الكنيست، لن يحصل على حصانة كافية. وقد يطوي باقي سنواته في السجن.

الخلاصة

في المحصلة، يقترب نتنياهو من مرحلة سياسية شديدة الحساسية. فهو يريد تأجيل الانتخابات، لكنه يحتاج إلى ذريعة كبرى.

لذلك، قد يفتح جبهة في غزة. وقد يخلط أوراق لبنان وسوريا. كما قد يستثمر التصعيد الأميركي الإيراني.

وقد يفتعل أيضاً أزمة داخلية في إسرائيل. فالحاكم الذي يشعر بأن الصناديق تهدده، يبحث عادة عن الطلقة الأخيرة.

الأيام والأسابيع القادمة قد تحمل مفاجآت غير منظورة. ومن يعيش يرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *