لم يكن أفول الفلسفة وموت المساءلة في الفضاء العربي مجرد عطب تاريخي أصاب تياراً بعينه كالمعتزلة أمام مد الأصولية السنية التقليدية، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بتجريف إنسانية الإنسان وتحنيطه في قوالب وظيفية واجتماعية صارمة. إن الإشكالية البنيوية التي نواجهها اليوم في المجتمعات المغلقة والاستعراضية، لا تكمن فقط في تجميد النص الديني، بل في تحويل الفضاء العام إلى ما يشبه العرض البهلواني؛ حيث يُطالب الجميع بارتداء أقنعة متشابهة وأداء حركات رتيبة داخل زنزانة تحرسها سرديات الماضي. لقد تحول العقل الجمعي إلى آلية “بوليسية” بامتياز، تمارس الأرشفة الأمنية والتسطيح المتعمد لكائن شديد التركيب والتعقيد كالإنسان، واختزاله في خانة واحدة أو “كود” محدد؛ سواء كان هذا الاختزال نابعاً من سلطة بيروقراطية جافة تحكم بمكاتب رمادية، أو من معارضة شعاراتية تدعي احتكار الحقيقة. هذا الاختزال الفج ليس مجرد قراءة خاطئة للواقع، بل هو عدوان صريح على طبيعة البشر التي تمضي في أبعاد متناقضة، وتتحرك في مساحات رمادية لا تعترف بمنطق الأبيض والأسود البدائي.
إن هذا التسطيح يجد جذوره الفلسفية في “العقل المانوي” القديم، أول أشكال التفكير الإنساني الذي يقسم العالم بسذاجة مفرطة إلى خير مطلق وشر مطلق، غافلاً عن أن الرذيلة كثيراً ما ترتدي ثوب الفضيلة، وأن التنوع هو الرحم الوحيد الذي تتراكم فيه المعرفة. وفي هذا الاستعراض الجماعي والرفع المستمر للشعارات الجاهزة والسياسية أو العقائدية، يصبح الحديث عن عناصر الحياة النقيّة كالموسيقى، أو لوحة حديقة، أو لحظة فرح عابرة، نوعاً من “البطر” أو القدوم من زمان خاطئ، حتى غدا الفرح البشري نفسه معجزة مستعصية وسط هذا الضجيج. هذا الإدمان الجماعي على البشاعة والجدية الزائفة يعكس مرضاً نفسياً يحاول فيه “المثقف الببغائي” أو “الموظف النمطي” تزييف الواقع ليتطابق مع تصوره الخيالي الضيق؛ فهو يعيش فيما يمكن تسميته “بالتفكير التخيلي”، حيث يصنع للأخر صورة افتراضية ويتعامل معها كيقين، عاجزاً عن استيعاب أن الإنسان يمكن أن يكون معارضاً شرساً وفي الوقت نفسه أباً حنوناً، عاشقاً للفن، وصديقاً وفياً، ومكافحاً من أجل العدالة، دون أن ينفي أحد الأبعاد الآخر.
تلتقي هذه الرؤية مع تفكيك الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لآليات السيطرة والمراقبة؛ فالأنظمة الشمولية والعقول المعطوبة تخاف من الكائن المتعدد والمستقل، وتفضل دائماً الإنسان “المحَنّط” الذي يسهل تصنيفه وإدارته وتوظيفه في العرض. وحين يعجز المثقف الدوغمائي المعاصر عن مواجهة تعقد العصر ودخول منافسين جدد لحراسة التاريخ والحاضر كعلماء الجينات، والفيزياء، وعلم النفس، ينكفئ على لغته الشعاراتية الجوفاء ليفسر بها كل شيء من انهيار البورصة إلى تشكيل المجرات دون أن يفسر شيئاً في الحقيقة. إنه الوهم ذاته الذي درسه عالم الاجتماع الفرنسي ريجيس دوبريه، حين انتقد قدرة المثقف على توهم تغيير العالم بالكلمات والأحجبة اللغوية دون تجارب واقعية مثمرة تعبر بالذات فوق أزماتها الخاصة. إن محاولة محاكمة الإنسان الذي يجد نفسه أحياناً في “مناخ الخطأ” أو مستنقعات الحياة القاسية، ومطالبته بأن يخرج بثياب بيضاء ناصعة، هي ذروة النرجسية الفكرية. لن يخرج العقل العربي من ليله الطويل إلا بكسر هذه القوالب الرمادية، والاعتراف بأن الإبداع والتنوير لا ينبتان في طراوة المكاتب الحكومية أو صخب المقاهي والحانات، بل في شجاعة العبور فوق الأوهام واستعادة صلتنا بجماليات الحياة وتناقضاتها الخصبة.


