من الريعية إلى الاستدامة إستراتيجية بناء المصدات المالية والتحول الطاقوي في العراق

من الريعية إلى الاستدامة إستراتيجية بناء المصدات المالية والتحول الطاقوي في العراق
تتطلب هشاشة الاقتصاد العراقي أمام تقلبات النفط إنشاء صناديق سيادية للاستقرار والأجيال، وضبط الإنفاق التشغيلي، وتنويع القطاعات الإنتاجية، وتسريع استثمار الغاز والطاقة الشمسية والهيدروجين، لتحويل العائدات النفطية إلى أصول مستدامة وتعزيز الأمن المالي والطاقوي....

ليس أخطر ما يواجه العراق اليوم انخفاض أسعار النفط أو تقلبات الأسواق العالمية، بل أخطر ما يواجهه هو استمرار الاعتقاد بأن النفط سيظل قادراً على إنقاذ الدولة كلما دخلت أزمة جديدة. لقد تحول هذا الاعتقاد مع مرور الزمن إلى عقيدة اقتصادية وسياسية حكمت طريقة إدارة البلاد، حتى أصبحت الموازنة العامة، والخطط الحكومية، والإنفاق الاجتماعي، ورواتب الموظفين، والمشاريع الخدمية، بل وحتى الاستقرار السياسي، جميعها رهينة سعر برميل يتحدد خارج الحدود العراقية. إن دولة تبني حاضرها ومستقبلها على متغير لا تملك السيطرة عليه، إنما تضع مصير أجيالها في يد عوامل خارجية لا يمكن التنبؤ بها أو التحكم فيها لقد أثبتت العقود الماضية أن الوفرة النفطية لم تكن ضمانة للاستقرار، كما أن ارتفاع الإيرادات لم يكن مرادفاً للتنمية المستدامة. فكل موجة صعود في أسعار النفط كانت تقابلها موجة توسع في الإنفاق الحكومي، وزيادة في الالتزامات المالية، واتساع في الجهاز الإداري، دون أن يقابل ذلك بناء قاعدة إنتاجية قادرة على الصمود عندما تنخفض الإيرادات. وما إن تتراجع الأسعار حتى تبدأ الدولة بالبحث عن القروض والاقتراض الداخلي والخارجي، وتأجيل المشاريع، وتقليص النفقات الاستثمارية، لتعود الأزمة من جديد وكأنها لم تغادر المشهد أصلاً. وهكذا أصبح الاقتصاد العراقي يعيش في دورة متكررة من الازدهار المؤقت والانكماش الحاد، دون أن يتمكن من كسر هذه الحلقة المغلقة.

الخطورة الحقيقية لا تكمن في النفط ذاته، فالثروة الطبيعية يمكن أن تكون نعمة عظيمة إذا أحسن استثمارها، وإنما تكمن في الطريقة التي أُديرت بها هذه الثروة. فبدلاً من تحويل العائدات النفطية إلى مصانع ومزارع ومراكز تكنولوجيا وبنية تحتية متطورة وصناديق استثمار للأجيال القادمة، تحولت في جانب كبير منها إلى إنفاق استهلاكي متزايد لا ينتج ثروة جديدة ولا يؤسس لاقتصاد قادر على الاستمرار. وبذلك أصبح النفط يمول الحاضر فقط، بينما بقي المستقبل بلا ضمانات حقيقية. وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. فالدول الصناعية والاقتصادات الكبرى لم تعد تنظر إلى النفط بوصفه المصدر الدائم للطاقة، بل شرعت في تنفيذ استراتيجيات واسعة للتحول نحو الطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتشجيع السيارات الكهربائية، وتطوير تقنيات الهيدروجين والطاقة النظيفة. هذه التحولات ليست مجرد شعارات بيئية، وإنما سياسات اقتصادية مدعومة باستثمارات تقدر بتريليونات الدولارات، وستنعكس تدريجياً على حجم الطلب العالمي على الوقود الأحفوري خلال العقود المقبلة. وهذا يعني أن الدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير النفط ستكون أمام تحديات غير مسبوقة إذا لم تتهيأ منذ الآن لمرحلة ما بعد النفط ولا يقتصر الخطر على المتغيرات الخارجية، بل يمتد إلى الداخل العراقي الذي ما زال يعاني اختلالات هيكلية عميقة. فالقطاع الخاص لا يزال محدود القدرة على قيادة النشاط الاقتصادي، والزراعة فقدت جزءاً كبيراً من دورها التاريخي، والصناعة الوطنية تواجه منافسة غير متكافئة مع السلع المستوردة، في حين بقيت البطالة، ولا سيما بين الشباب والخريجين، إحدى أكثر المشكلات تعقيداً. إن اقتصاداً لا ينتج ما يكفي، ولا يصدر سوى النفط، ولا يوفر فرص العمل إلا من خلال الدولة، هو اقتصاد يفتقر إلى أدوات الصمود أمام الأزمات مهما بلغت قيمة موارده الطبيعية.ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق هو أن استمرار هذا النموذج لا يؤدي إلى أزمات مالية فحسب، بل ينعكس أيضاً على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فعندما تعتمد معيشة ملايين المواطنين بصورة مباشرة على قدرة الدولة على دفع الرواتب والإنفاق العام، فإن أي هبوط في الإيرادات النفطية يتحول سريعاً إلى أزمة اجتماعية قد تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات. وتصبح الحكومة مضطرة لاتخاذ قرارات استثنائية، أو اللجوء إلى الاقتراض، أو استنزاف الاحتياطيات المالية، وهي حلول تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها وفي الوقت الذي سارعت فيه دول نفطية عديدة إلى بناء صناديق سيادية ضخمة، وتنويع اقتصاداتها، واستثمار فوائضها في أصول عالمية تحقق دخلاً مستداماً بعيداً عن تقلبات الأسواق، ظل العراق يستهلك معظم إيراداته السنوية دون أن يؤسس مصدات مالية حقيقية تحمي اقتصاده في سنوات الانكماش. ونتيجة لذلك، بقيت الدولة أكثر عرضة للصدمات، وأقل قدرة على التخطيط طويل الأمد، وأكثر ارتباطاً بالدورات النفطية التي تتغير وفقاً لمعادلات سياسية واقتصادية لا يملك العراق التأثير فيها.

إن هذه الدراسه لا تنطلق من رؤية تشاؤمية، ولا يهدف إلى رسم صورة قاتمة للمستقبل، وإنما يسعى إلى تقديم قراءة واقعية للمخاطر التي تحيط بالاقتصاد العراقي إذا استمر الاعتماد على النموذج الريعي القائم. فالتحديات التي تواجه العراق لم تعد افتراضية أو بعيدة، بل أصبحت حقائق تتشكل أمام العالم بأسره، ومن يتأخر في الاستعداد لها سيدفع ثمناً أكبر في المستقبل. لذلك فإن السؤال لم يعد: ماذا سيحدث إذا انخفضت أهمية النفط؟ بل أصبح: هل يمتلك العراق بديلاً اقتصادياً عندما يفقد النفط قدرته على تمويل الدولة كما كان في السابق ومن هنا تأتي أهمية هذا الفصل، لأنه يحاول الكشف عن حجم المخاطر الكامنة خلف الاستمرار في رهن مستقبل العراق بسلعة واحدة، مهما بلغت قيمتها الحالية. فالأمم لا تبنى بثروة ناضبة، ولا تستقر باقتصاد أحادي، ولا تصنع مستقبلها بالاعتماد على مورد يخضع لتقلبات الأسواق والصراعات الدولية. إن الأمن الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما يصبح النفط وسيلة لبناء اقتصاد متنوع، لا عندما يتحول إلى القيد الذي يمنع ولادة البدائل. وما لم يدرك العراق هذه الحقيقة، فإن كل أزمة نفطية مقبلة لن تكون مجرد أزمة مالية عابرة، بل قد تكون اختباراً وجودياً لقدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في عالم يتغير بوتيرة أسرع مما يتوقعه الكثيرون.

المبحث الاول

أولاً: تحليل الهشاشة المالية أمام هبوط أسعار النفط

يتأثر الهيكل المالي للعراق فوراً عند انخفاض أسعار النفط من خلال ثلاث قنوات رئيسية

 1- اتساع العجز الهيكلي المخطط والمستتر

ويكشف هذا المؤشر عن حجم الهشاشة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي اذ ان الحاجة الى سعر نفط يبلغ 92.43 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن المالي تعني ان الموازنة العامة اصبحت شديدة الحساسية لاي تقلب في الاسواق العالمية وفي ظل تداول اسعار النفط العالمية عند مستويات ادنى من هذا الرقم خلال فترات عديدة فان العراق يواجه مخاطر متكررة تتمثل في اتساع العجز المالي واضطرار الحكومة الى اللجوء للاقتراض الداخلي او الخارجي او تقليص الانفاق الاستثماري او استنزاف الاحتياطيات النقدية للحفاظ على الوفاء بالتزاماتها الاساسية ويزداد هذا الخطر مع استمرار اعتماد الايرادات العامة على النفط بنسبة تتجاوز 90 بالمئة مقابل محدودية مساهمة القطاعات الانتاجية الاخرى في تمويل الموازنة كما ان مقارنة العراق بالدول المنتجة للنفط تكشف تفاوتا واضحا في القدرة على مواجهة تقلبات السوق فبينما تحتاج الامارات العربية المتحدة الى سعر يقارب 49.95 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن المالي بفضل تنوع اقتصادها واتساع مصادر ايراداتها غير النفطية يحتاج العراق الى ما يقارب ضعف هذا السعر الامر الذي يعكس محدودية الاصلاحات الاقتصادية وضعف الايرادات الضريبية والجمركية واستمرار هيمنة الانفاق التشغيلي على الموازنة العامة وهذا يعني ان اي انخفاض حاد في اسعار النفط حتى وان كان مؤقتا يتحول سريعا الى ازمة مالية داخلية تمتد اثارها الى الرواتب والخدمات العامة والاستثمارات الحكومية وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل التوقعات الدولية التي تشير الى استمرار الضغوط على اسعار النفط نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وزيادة المعروض النفطي وتسارع التحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون لذلك لم يعد الخطر الذي يواجه العراق مقتصرا على تقلبات دورية في اسعار النفط بل اصبح تحديا هيكليا طويل الامد يفرض اعادة النظر في نموذج الاقتصاد الريعي والانتقال نحو اقتصاد اكثر تنوعا وقدرة على توليد ايرادات مستقرة ومستدامة بعيدا عن تقلبات سوق النفط العالمية

  • صندوق النقد الدولي (IMF)، Regional Economic Outlook: Middle East and Central Asi، 2025.
  • صندوق النقد الدولي (IMF)، Iraq: 2025 Article IV Consultation.
  • البنك الدولي، Iraq Economic Monitor، 2025.
  • منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEC)، Annual Statistical Bulletin، 2025.

2- جمود النفقات التشغيلية

تشكل النفقات التشغيلية وتحديداً فاتورة أجور القطاع العام والمنافع الاجتماعية، النواة الصلبة التي تمنع الموازنة العراقية من التكيف مع صدمات أسعار النفط. يتسم هذا البند بـ “الجمود المطلق لأسفل(Downward Rigidity)؛حيث لا يمكن للحكومة تقليص رواتب الموظفين أو المتقاعدين أو الرعاية الاجتماعية لأسباب السياسة الاستقرارية والاجتماعية مما يحول الموازنة إلى أداة لتمويل الاستهلاك لا الاستثمار

-معضلة التوظيف السياسي والنمو الانفجاري: توسع التوظيف الحكومي في العراق كأداة للمقايضة السياسية واستيعاب البطالة، مما رفع حجم القطاع العام إلى مستويات غير مستدامة وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، يستهلك الإنفاق على الرواتب والمعاشات التقاعدية النسبة الأكبر من الإيرادات النفطية الفعالة

-تآكل الحيز المالي  عند انخفاض أسعار النفط دون مستوى التوازن، تزاحم هذه النفقات الحتمية أي فرصة للإنفاق الاستثماري تصبح المعادلة واضحة: يذهب كل دولار نفطي لتغطية الرواتب بينما ينهار الإنفاق الاستثماري (البنى التحتية، المدارس، المستشفيات) إلى الصفر تقريباً، مما يعطل التنمية الطويلة الأجل ويدخل البلاد في حلقة مفرغة من تراجع الخدمات العامة.

-مقارنة إقليمية: في الوقت الذي تمتلك فيه دول مثل السعودية أو الكويت مرونة نسبية من خلال صناديقها السيادية وضبط التوظيف الحكومي وتوجيه الدعم، يفتقر العراق للمصدات المالية (Fiscal Buffers) الكافية مما يجعل جمود النفقات التشغيلية مهدداً مباشراً للاستقرار المالي والأمني عند حدوث أي هبوط حاد في الأسعار.

3-انكماش الاحتياطيات الأجنبية واهتزاز العملة

تعتبر الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي خط الدفاع الأخير عن الاستقرار النقدي ويرتبط حجم هذه الاحتياطيات بحركة أسعار النفط العالمية عبر نافذة بيع العملة وآلية النزف والاستنزاف عندما تنخفض أسعار النفط تتقلص التدفقات الدولارية المغذية لحساب وزارة المالية في البنك المركزي عبر مبيعات شركة سومو وفي المقابل يظل الطلب المحلي على الدولار لتمويل الاستيراد مرتفعا ولسد هذه الفجوة والحفاظ على استقرار سعر الصرف الرسمي يضطر البنك المركزي إلى السحب من احتياطياته الأجنبية لمواجهة الطلب في نافذة بيع العملة

اتساع الفجوة بين السعرين وتفاقم المضاربة إن شح التدفقات النفطية مع تشديد إجراءات الامتثال الدولي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية وهذا التفاوت يخلق بيئة خصبة للمضاربة ويزيد من وتيرة الدولرة داخل السوق المحلية مما يضعف القوة الشرائية للدينار ويفسح المجال لموجات تضخمية مستوردة تضر بالطبقات الهشة ويؤدي التراجع المستمر في الاحتياطيات النقدية إلى خفض التصنيف الائتماني السيادي للعراق من قبل وكالات التصنيف العالمية مما يرفع كلفة الاقتراض الخارجي ويقلل ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين في استقرار الاقتصاد الكل https://www.fitchratings.com/region/iraq

مقترح خطة مأسسة إدارة المخاطر عبر الصندوق السيادي العراقي

1-الهيكلية الثنائية للصندوق

أولا محفظة الاستقرار والتثبيت الهدف امتصاص صدمات الهبوط المفاجئ لأسعار النفط وتأمين الرواتب والنفقات الحتمية دون اللجوء للاستدانة أو استنزاف احتياطيات البنك المركزي طبيعة الأصول أصول سائلة جدا قصيرة الأجل منخفضة المخاطر مثل سندات الخزانة الدولية عالية التصنيف

ثانيا محفظة الأجيال والتنمية المحلية  الهدف تحويل الثروة النفطية النامية إلى أصول إنتاجية وتخفيف الاعتماد على النفط طبيعة الأصول استثمارات في البنى التحتية الكبرى داخل العراق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص وبالشراكة مع صناديق دولية لضمان الحوكمة واستثمارات خارجية طويلة الأجل

2- التغذية والسحب أكبر مهدد للصناديق السيادية في الدول الريعية هو السحب غير المنضبط بضغط من النخب السياسية لذلك يجب إقرار قانون ملزم يحدد ديناميكية الصندوق

قاعدة السعر المرجعي الفائض يتم اعتماد سعر نفط تحفظي في الموازنة العامة مثلا 60 دولارا للبرميل وأي إيرادات تتحقق فوق هذا السعر يتم تحويلها تلقائيا وبقوة القانون إلى الصندوق السيادي بنسبة 70 بالمئة لمحفظة الاستقرار و30 بالمئة لمحفظة الأجيال علما انه مشروطية السحب التلقائي لا يحق للحكومة السحب من محفظة الاستقرار إلا إذا انخفض سعر النفط الفعلي عن السعر المرجعي للموازنة لمدة تزيد عن ربعين ماليين متتاليين وبسقف يغطي فقط العجز الفعلي في الرواتب والخدمات الأساسي

ثانيا التهديد المباشر للامن الاجتماعية

1-معضلة الأجور والأمن الزائف 

تحول الدولة إلى صانع أجور بدلاً من صانع قيمة في الاقتصاد الريعي تستخدم الدولة التوظيف الحكومي أداةً لشراء السلم الاجتماعي وامتصاص غضب الشارع مما يؤدي إلى تضخم الجهاز الوظيفي بإشغال وظائف غير منتجة وهو ما يعرف بالبطالة المقنعة

 (Rigid Fiscal Structure):الفخ المالي

أصبحت فاتورة الرواتب والتقاعد تشكل الجزء الأكبر من النفقات التشغيلية في الموازنة إذ تتجاوز في بعض الأحيان 70–80% من إجمالي الإنفاق التشغيلي ويجعل ذلك المالية العامة شديدة الجمود وصعبة التكيف لأن أي مساس بالرواتب يهدد الاستقرارين السياسي والاجتماعي بصورة مباشرة

إدارة الازمات بدلاً من البناء

تتمثل إحدى أخطر المشكلات التي واجهت العراق بعد عام 2003 في أن الحكومات المتعاقبة انشغلت بإدارة الأزمات المالية قصيرة الأجل بدلاً من بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات فأصبحت الأولوية في كل موازنة هي تأمين الرواتب والمعاشات والنفقات التشغيلية بينما تراجعت الاستثمارات في البنية التحتية والصناعة والزراعة والتعليم والبحث العلمي وبهذا تحولت الدولة من صانعة للتنمية إلى جهة تستهلك معظم مواردها للحفاظ على استقرارها الآني وايضاً وتعرف هذه الحالة في الأدبيات الاقتصادية بـ “إدارة الأزمات بدلاً من البناء المؤسسي أي أن الحكومة تركز على معالجة النتائج المباشرة للأزمة دون معالجة أسبابها الهيكلية ففي العراق تعتمد المالية العامة بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية وعندما ترتفع أسعار النفط تتوسع الدولة في التعيينات والإنفاق الجاري وعندما تنخفض الأسعار تدخل في أزمة سيولة، فتبدأ إجراءات التقشف وتأجيل المشاريع الاستثمارية ونتيجة لذلك لا تتشكل قاعدة إنتاجية مستدامة تستطيع تمويل الاقتصاد بعيداً عن تقلبات سوق النفط

2-الفشل المؤسسي وإدارة الأزمات بدلاً من البناء

غياب التخطيط عابر الحكومات

تتحول السياسة المالية إلى سياسة لإدارة الأزمات وإطفاء الحرائق حيث تُستهلك معظم الجهود في تأمين السيولة اللازمة لدفع الرواتب والنفقات التشغيلية على حساب التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة

تجميد الإنفاق الاستثماري–

عند انخفاض أسعار النفط يكون الإنفاق الاستثماري أول ضحايا التقشف فتُؤجل مشاريع البنية التحتية مثل الكهرباء والطرق والصحة والتعليم مما يحرم الاقتصاد من المحركات الحقيقية للنمو وفرص العمل في القطاع الخاص ويكرس حلقة مفرغة من التخلف الاقتصادي والمؤسسي

الحلول الاقتصادية المقترحة

يتطلب الخروج من هذه الحلقة الريعية تبني حزمة متكاملة من الإصلاحات الهيكلية تتدرج زمنياً من الإجراءات العاجلة إلى التحول الاقتصادي طويل الأمد وفق المسار الآتي

إصلاحات قصيرة الأمد → إصلاحات متوسطة الأمد → تحول هيكلي طويل الأمد

(ضبط وإعادة هيكلة) → (تنويع اقتصادي وصناديق سيادية) → (اقتصاد متعدد الموارد)

1-حلول مالية ونقدية عاجلة (قصيرة إلى متوسطة الأمد)

إصلاح فاتورة الأجور والتعيينات

إيقاف التعيينات العشوائية واعتماد نظام لإعادة توزيع الكوادر من المؤسسات المتخمة بالموظفين إلى الدوائر الخدمية والتنموية التي تعاني نقصاً في الملاكاتت وحصر حالات الازدواج الوظيفي والوظائف الوهمية (الفضائيين) من خلال الأتمتة والربط الرقمي بالهوية الوطنية الموحدة وأنظمة دفع الرواتب الإلكترونية

(Stabilization Funds) تفعيل صناديق الاستقرار السيادية –

اقتطاع نسبة ثابتة من الإيرادات النفطية عندما تتجاوز أسعار النفط مستوى مرجعياً محدداً وتحويلها إلى صندوق استقرار مالي يُستخدم حصراً لتمويل عجز الموازنة أثناء فترات انخفاض أسعار النفط بما يحد من اللجوء إلى الاقتراض أو تخفيض قيمة العملة، ويعزز الاستقرار المالي والاقتصاد

المبحث الثاني

 التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة

على الرغم من أن العراق يمتلك خامس أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة فمن المقدر أن احتياطيات النفط ستستمر بحدود 80 85 سنة أخرى في البلاد وفي حالة تباطؤ الطلب العالمي على النفط بسبب التحسينات التكنولوجية ولاعتبارات تتعلق بالحفاظ على المناخ والاستجابة إلى التغيرات المناخية في العالم فإن الاستقلالية في التنمية سوف تتحول شيئاً فشيئاً إلى اقتصادات لا تعتمد على النفط وفي تلك المرحلة يجب أن يحافظ الاقتصاد العراقي غير النفطي على مستوى الدخل المتوسط

من ناحية أخرى يمثل العراق ثاني أكبر دولة تطلق الغازات التي تؤثر على سخونة الأرض فقد رصدت الأقمار الصناعية لوكالة الفضاء الأوروبية في شهر آب 2021 سحابة كبيرة من غاز الميثان في منتصف المنطقة الجغرافية بين البصرة وبغداد وكانت هذه الغيوم انبعثت من حقول النفط والغاز من جنوب العراق وقد أثر معدل إطلاق تلك الغازات بمقدار 130 طناً في الساعة وهذا المعدل من الإطلاقات خلال الساعة الواحدة له التأثير نفسه على الاحتباس الحراري بما يعادل 6500 مركبة تسير لمدة عام

يمثل التوجه العالمي نحو أنظمة بدائل الطاقة تحدياً كبيراً على العراق فهو من جهة سيعمق الفجوة التنموية بين العراق والعالم لأن التكنولوجيات التقليدية المستخدمة حالياً ماضية إلى الزوال والبدائل التكنولوجية تعتمد بقدر أكبر على أنظمة تشغيل فائقة التطور ولا توجد في العراق القدرات الفنية في التعامل معها ولا سيما فيما يتعلق بالتكنولوجيات الزراعية وهو الأمر الذي يرجح العودة إلى الأساليب البدائية إن لم يتم التعامل من خلال إدماج التطورات في تكنولوجيا الاستخدام وفي الوقت نفسه فإن العراق وبكونه يمتلك موقعاً جغرافياً يتيح له الاستفادة من الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بشكل أقل فإن ذلك يمثل فرصة لتقليل الاعتماد على المورد الريعي للنفط الذي يشكل النسبة الأكبر من إيرادات العراق ولا سيما أن مستقبل الطلب على النفط مرشح للانخفاض على المدى الطويل لصالح تنامي الطلب على موارد الطاقة المتجددة

أولاً: التحليل التفكيكي (التحديات والاستحقاقات)

1-ذروة الطلب وتلاشي الريعة النفطيه

تشهد الأسواق العالمية تحولاً تاريخياً في بنية الطلب على الطاقة إذ تقود الاقتصادات الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة عملية انتقال واسعة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة من خلال تشريعات بيئية صارمة واستثمارات ضخمة في السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وهذا التحول لا يستهدف خفض الانبعاثات الكربونية فحسب بل يهدف أيضاً إلى تقليل الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الرئيس للطاقة خلال العقود المقبلة اما الأثر البنيوي على العراق يتمثل في أن وصول الطلب العالمي إلى ذروته(Peak Oil )يعني تحول النفط من سلعة استراتيجية نادرة تمتلك قوة تفاوضية عالية إلى سلعة اعتيادية تخضع لمنافسة شديدة بين المنتجين وفي سوق يتراجع فيه الطلب وتزداد فيه المنافسة ستكون الدول ذات كلفة الإنتاج المرتفعة أو ذات الانبعاثات الكربونية العالية المصاحبة لعمليات الإنتاج بسبب حرق الغاز المصاحب مثلاً هي الأكثر تعرضاً لخسارة الأسواق وتراجع الإيرادات والتهميش في منظومة الطاقة العالمية الجديدة

2-معضلة القيود الإنتاجية أوبك بلس بين كفي العصر

المأزق التكتيكي يتمثل في أن منظمة أوبك بلس تحاول إدارة العرض للحفاظ على أرضية سعرية للأسعار لكن هذه السياسة تضع العراق في حالة اختناق مباشر إذ إن تقييد الكميات المصدرة يمنع العراق من زيادة حجم المبيعات لتعويض هبوط الأسعار كما أن الالتزام بخطط التعويض عن الإنتاج الزائد يقلل الموارد المالية المباشرة لخزينة الدولة مما يشل القدرة على الاستجابة للتطوير الداخلي .

-التناقض المناخي والمحلي3

التناقض المناخي والمحلي يتمثل في الزيادة المزدوجة في الاستهلاك المحلي إذ يستهلك العراق جزءاً كبيراً ومثيراً للقلق من إنتاجه النفطي والغازي محلياً لتشغيل محطات توليد الكهرباء القديمة وبكفاءة متدنية كما أن كل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز يحرق محلياً لتوليد طاقة كهربائية واهية هو بالأساس هدر لفرصة تصديرية أو تحويلية (صناعات بتروكيماوية) فضلاً عن مساهمته المباشرة في التلوث البيئي والتغير المناخي الذي يعصف بالبلاد (جفاف الأهوار والتصحر والعواصف التراب

  1. وكالة الطاقة الدولية (IEA)

خارطة طريق قطاع الطاقة في العراق:

[IEA – Iraq’s Energy Sector: A Roadmap to a Brighter Future](https://www.iea.org/reports/iraqs-energy-sector-a-roadmap-to-a-brighter-future)

آفاق الطاقة العالمية وسيناريوهات ذروة الطلب:

IEA – World Energy Outlook

  1. البنك الدولي (World Bank Group)

تقرير المناخ والتنمية الخاص بالعراق (CCDR):

[World Bank – Iraq Country Climate and Development Report](https://iraq.un.org/en/208164-iraq-country-climate-and-development-report)

(يتناول بالتفصيل تقليص حرق الغاز، وتأثير التغير المناخي، وكلَف التحول إلى الاقتصاد الأخضر في العراق).

  1. الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)

تقرير آفاق التحول العالمي للطاقة:

[IRENA – World Energy Transitions Outlook](https://www.irena.org/Energy-Transition/Outlook)

(يوفر بيانات عن تراجع تكاليف الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر مقارنة بالمصادر التقليدية).

ثانيا: الحلول المثمرة والتنفيذية (إستراتيجية الاستجابة والتحول)

لتحويل هذا التهديد الإستراتيجي إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد، يمكن طرح الحلول ضمن المسارات التالية

1-الإسراع في التحول المحلي للطاقة مكاسب مزدوجة

يمثل التحول المحلي للطاقة في العراق نقطة الانطلاق الأكثر واقعية والأسرع أثرا ضمن مسار الخروج من الهشاشة الريعية لأن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في اعتماد الاقتصاد على تصدير النفط الخام بل أيضا في اعتماد قطاع الكهرباء نفسه على الوقود المستورد وعلى منظومة إنتاج ونقل واستهلاك منخفضة الكفاءة ولذلك فإن معالجة ملف الطاقة محليا تحقق مكسبين متزامنين يتمثلان في تقليل الاستنزاف المالي للدولة وتحسين الأمن الطاقوي والبيئي في آن واحد يعد القضاء على حرق الغاز المصاحب المدخل الأكثر أهمية في هذا المسار فالعراق ينتج كميات ضخمة من الغاز المصاحب أثناء عمليات استخراج النفط إلا أن جزءا كبيرا من هذا الغاز يتم حرقه في الحقول بدلا من استثماره اقتصاديا وهذا يعني أن الدولة تتحمل خسارتين في الوقت نفسه الأولى خسارة مورد يمكن استخدامه في تشغيل محطات الكهرباء والصناعات البتروكيمياوية والثانية خسارة بيئية وصحية ناتجة عن انبعاثات الغازات الملوثة والجسيمات الدقيقة التي تؤثر في جودة الهواء وصحة السكان

إن الوصول إلى استثمار الغاز المصاحب بنسبة 100% لا يمثل هدفا بيئيا فقط بل هو مشروع سيادة اقتصادية لأن كل وحدة غاز يتم استرجاعها تعني تقليل الحاجة إلى الاستيراد الخارجي للوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء كما تعني زيادة قدرة الدولة على التحكم بتكاليف الإنتاج الكهربائي وتقليل تعرضها للصدمات السياسية والإقليمية المرتبطة بإمدادات الطاقة وعندما يصبح الوقود المستخدم في المحطات منتجا محليا فإن ذلك ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة الوطنية وعلى قدرة الحكومة على التخطيط المالي طويل الأمد ويتطلب تحقيق هذا الهدف استكمال البنية التحتية الخاصة بجمع الغاز ومعالجته ونقله إذ لا يكفي منع الحرق من الناحية القانونية ما لم تتوافر شبكات الأنابيب ووحدات المعالجة ومحطات الضغط والخزن اللازمة لتحويل الغاز من منتج ثانوي مهمل إلى سلعة اقتصادية قابلة للاستخدام ويمكن للعراق الاستفادة من الشراكات القائمة مع الشركات العالمية لتسريع تنفيذ هذه المشاريع مع اشتراط نقل المعرفة الفنية وتدريب الكوادر الوطنية لضمان عدم تحول الاستثمار إلى اعتماد تقني دائم على الخارج كما أن استثمار الغاز المصاحب يتيح إعادة هيكلة قطاع الكهرباء نفسه فالمحطات الغازية الحديثة أكثر كفاءة من المحطات التقليدية العاملة بالوقود الثقيل إذ تستطيع إنتاج كمية أكبر من الكهرباء باستخدام كمية أقل من الوقود وهذا يعني انخفاض كلفة الكيلوواط المنتج وتقليل الانبعاثات الكربونية في الوقت ذاته وبالتالي فإن التحول إلى الغاز المحلي لا يحل مشكلة الوقود فقط بل يرفع كفاءة المنظومة الكهربائية بأكملها إلى جانب الغاز يمثل التوسع في الطاقة الشمسية الركيزة الثانية للتحول المحلي للطاقة فالعراق يمتلك واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة وهو ما يمنحه ميزة تنافسية طبيعية لا تحتاج إلى اكتشافات جديدة بل إلى سياسات تنفيذية فعالة إن الاعتماد على الطاقة الشمسية ليس ترفا بيئيا بل ضرورة اقتصادية لأن الطلب على الكهرباء يبلغ ذروته خلال أشهر الصيف وهي الفترة نفسها التي ترتفع فيها ساعات السطوع الشمسي إلى مستويات مثالية لتوليد الطاقة.

إن تسريع تنفيذ الاتفاقيات مع الشركات العالمية مثل TotalEnergies وMasdar يمكن أن يوفر قدرة توليدية كبيرة خلال فترة زمنية أقصر مقارنة ببناء محطات تقليدية جديدة لكن نجاح هذه الاتفاقيات يتوقف على إزالة العوائق الإدارية والبيروقراطية التي تؤخر منح التراخيص وتخصيص الأراضي وربط المشاريع بالشبكة الوطنية فالمشكلة في العراق ليست ندرة الفرص الاستثمارية بل بطء تحويل الاتفاقيات المعلنة إلى مشاريع عاملة على الأرض

وفي هذا السياق تبرز أهمية أنظمة Grid-tied Solar Systems بوصفها أداة لتحويل المستهلك من عبء على الشبكة إلى شريك في الإنتاج فهذه الأنظمة تسمح للمنازل والمباني التجارية والمصانع بإنتاج جزء من احتياجاتها الكهربائية وربط الفائض بالشبكة الوطنية وهو ما يؤدي إلى تخفيف الضغط على محطات التوليد وخطوط النقل خصوصا خلال ساعات الذروة الصيفية ويتميز هذا النموذج بعدة مزايا اقتصادية فهو يقلل فاتورة الكهرباء على المستهلك ويخفض حاجة الدولة إلى بناء قدرات توليدية إضافية بالوتيرة نفسها كما يخلق سوقا محلية جديدة تشمل تصنيع الهياكل المعدنية وتجميع بعض المكونات وأعمال التركيب والصيانة والخدمات الهندسية وبذلك يتحول قطاع الطاقة المتجددة إلى مصدر لفرص العمل وليس مجرد مصدر للكهرباء

ولكي ينجح انتشار Grid-tied Solar Systems على نطاق واسع ينبغي اعتماد حزمة متكاملة من السياسات تشمل القروض الميسرة والإعفاءات الجمركية للمعدات المعتمدة وتبسيط إجراءات الربط بالشبكة واعتماد نظام واضح لاحتساب الطاقة المصدرة من قبل المستهلكين كما يجب وضع معايير فنية موحدة لضمان سلامة التركيبات وجودة الأداء ومنع دخول معدات منخفضة الكفاءة تؤدي إلى فقدان الثقة المجتمعية بالمشروع

إن المكسب الأهم في التحول المحلي للطاقة يتمثل في كونه يجمع بين الأمن الاقتصادي والأمن البيئي والأمن الاجتماعي ففي الجانب الاقتصادي يقلل الاستيراد ويحسن كفاءة الإنفاق العام وفي الجانب البيئي يحد من حرق الغاز والانبعاثات الملوثة وفي الجانب الاجتماعي يسهم في تقليل ساعات الانقطاع وتحسين جودة الخدمات الأساسية للمواطنين كما أن نجاح هذا المسار يمنح العراق وقتا ثمينا للاستعداد للتحولات العالمية في أسواق الطاقة بدلا من انتظار تراجع الطلب على النفط ثم البحث المتأخر عن بدائل

وبالتالي فإن الإسراع في التحول المحلي للطاقة ليس مجرد مشروع قطاعي يتعلق بالكهرباء والغاز بل هو مشروع إعادة بناء للاقتصاد العراقي من الداخل لأنه يبدأ من أكثر نقاط الضعف وضوحا وهي الاعتماد على الوقود المستورد وضعف كفاءة المنظومة الكهربائية ثم يحولها إلى نقطة قوة قائمة على استثمار الموارد المحلية والتكنولوجيا الحديثة والشراكات الدولية المنتجة وهو ما يجعله الخطوة الأولى والأكثر إلحاحا في أي إستراتيجية جادة لمستقبل العراق خارج برميل النفط

2-التموقع الإستراتيجي في سوق الطاقة الجديده

يشهد العالم تحولا جذريا في أسواق الطاقة نتيجة تسارع سياسات إزالة الكربون والالتزام بالوصول إلى الحياد الكربوني خلال العقود المقبلة ولم يعد التنافس الدولي يقتصر على إنتاج النفط والغاز التقليدي بل امتد إلى مصادر الطاقة النظيفة والتقنيات منخفضة الانبعاثات وسلاسل القيمة المرتبطة بها ولذلك فإن الحفاظ على مكانة العراق في الاقتصاد العالمي لن يتحقق من خلال زيادة إنتاج النفط وحدها بل عبر إعادة تموضعه داخل سوق الطاقة الجديد بما ينسجم مع المتغيرات الدولية ويحول موارده الطبيعية إلى عناصر قوة في المرحلة المقبلة

ويعد الاستثمار من أهم المسارات التي يمكن أن تمنح العراق موقعا متقدما في هذا التحول إذ يمتلك العراق احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي ومساحات صحراوية واسعة ذات معدلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي إضافة إلى موقع جغرافي يربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية وهذه المقومات تشكل قاعدة إستراتيجية تؤهله لأن يصبح مستقبلا أحد المنتجين والمصدرين الرئيسيين للهيدروجين إذا ما تم استثمارها ضمن رؤية طويلة الأمد.

ويمثل Blue Hydrogen المرحلة الانتقالية الأكثر واقعية بالنسبة للعراق لأنه يعتمد على استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الهيدروجين مع تطبيق تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه المعروفة باسم CCUS وبذلك يمكن الاستفادة من الثروة الغازية الحالية مع تقليل الانبعاثات الكربونية بصورة كبيرة وهذا الخيار يمنح العراق فرصة لاستثمار موارده التقليدية بطريقة تتوافق مع المتطلبات البيئية العالمية بدلا من بقائها مرتبطة بالنموذج التقليدي عالي الانبعاثات.

ويتطلب نجاح مشاريع Blue Hydrogen إنشاء منظومة متكاملة تبدأ بتطوير حقول الغاز واستثمار الغاز المصاحب الذي كان يحرق سابقا ثم إنشاء وحدات إنتاج الهيدروجين ومرافق احتجاز ثاني أوكسيد الكربون ونقله وتخزينه في التكوينات الجيولوجية المناسبة كما يحتاج إلى تطوير التشريعات التي تنظم هذه الصناعة ووضع معايير وطنية للسلامة والرقابة البيئية وتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على الدخول في هذا المجال عبر حوافز استثمارية واضحة ومستقرة.

أما Green Hydrogen فيمثل الهدف الإستراتيجي بعيد المدى لأنه يعتمد على إنتاج الهيدروجين من خلال التحليل الكهربائي للمياه باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة ولاسيما الطاقة الشمسية وبالنظر إلى الإمكانات الشمسية الكبيرة التي يمتلكها العراق فإن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحول الصحراء العراقية من مساحة غير مستغلة إلى مركز عالمي لإنتاج الطاقة النظيفة ومن ثم تصديرها على شكل هيدروجين أو مشتقاته مثل الأمونيا الخضراء إلى الأسواق التي يتزايد فيها الطلب على الوقود منخفض الانبعاثات ولا تقتصر أهمية الاستثمار في الهيدروجين على التصدير فقط بل تمتد إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني إذ يؤدي إنشاء هذه الصناعة إلى تحفيز قطاعات عديدة مثل الصناعات الهندسية والصناعات الكيمياوية والنقل والخدمات اللوجستية والبحث العلمي والتعليم التقني كما يخلق فرص عمل جديدة تتطلب مهارات متقدمة في الهندسة والطاقة والبرمجيات وإدارة المشاريع مما يسهم في رفع جودة رأس المال البشري وتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية التقليدية كما ينبغي للعراق أن يركز على بناء شراكات إستراتيجية مع الدول والشركات الرائدة في تقنيات الهيدروجين بدلا من الاكتفاء بدور المورد للمواد الأولية فالتعاون في مجالات نقل التكنولوجيا والبحث العلمي وتدريب الكوادر وإنشاء مراكز وطنية للابتكار سيضمن امتلاك الخبرات اللازمة لتطوير هذه الصناعة محليا ويمنع تحول العراق إلى مجرد مصدر للمواد الخام دون قيمة مضافة ومن الجوانب المهمة في التموضع داخل سوق الطاقة الجديد العمل على خفض الكثافة الكربونية لبرميل النفط العراقي إذ إن المنافسة المستقبلية لن تعتمد على السعر والإنتاج فقط بل ستأخذ في الاعتبار حجم الانبعاثات المصاحبة لكل برميل نفط يتم إنتاجه ومع توسع تطبيق الضرائب الكربونية وآليات تعديل الكربون على الحدود في العديد من الأسواق العالمية فإن النفط منخفض الانبعاثات سيحظى بميزة تنافسية أكبر مقارنة بالنفط المنتج بطرق تقليدية عالية الانبعاثات ولتحقيق ذلك ينبغي اعتماد برامج متكاملة تشمل تقليل حرق الغاز المصاحب وتحسين كفاءة المعدات المستخدمة في الحقول النفطية وتحديث أنظمة الإنتاج والنقل واستخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات التشغيلية بما يقلل استهلاك الطاقة والانبعاثات كما يجب التوسع في استخدام الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة داخل الحقول النفطية نفسها بدلا من الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري لتشغيل المعدات والمنشآت ويؤدي خفض الكثافة الكربونية أيضا إلى تحسين صورة العراق الاستثمارية أمام الشركات العالمية والمؤسسات المالية الدولية التي أصبحت تضع معايير الاستدامة البيئية ضمن شروط التمويل والاستثمار لذلك فإن تبني معايير ESG لم يعد خيارا تجميليا بل أصبح شرطا أساسيا لجذب رؤوس الأموال والحصول على التمويل منخفض الكلفة وتنفيذ المشاريع الكبرى بالشراكة مع المستثمرين الدوليين ومن المهم أيضا إنشاء منظومة وطنية لقياس الانبعاثات والإفصاح عنها وفقا للمعايير الدولية لأن الأسواق العالمية تتجه نحو مطالبة المنتجين بتقديم بيانات دقيقة وشفافة حول البصمة الكربونية للمنتجات النفطية والغازية وكلما ارتفعت درجة الشفافية زادت ثقة المستثمرين والمشترين في القطاع النفطي العراقي وارتفعت قدرته على المنافسة في الأسواق المستقبلية إن التموضع الإستراتيجي في سوق الطاقة الجديد لا يعني التخلي عن النفط أو التقليل من أهميته الاقتصادية في المرحلة الحالية وإنما يعني استخدام الإيرادات النفطية لبناء اقتصاد قادر على المنافسة بعد تراجع الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري فالدول التي تبدأ مبكرا في الاستثمار في Blue Hydrogen وGreen Hydrogen وتقنيات CCUS وخفض الكثافة الكربونية ستكون أكثر قدرة على الحفاظ على دورها في أسواق الطاقة العالمية بينما ستواجه الدول التي تؤجل هذا التحول خطر فقدان حصتها السوقية وتراجع تدفقات الاستثمار إليها.

وبذلك فإن نجاح العراق في إعادة تموضعه داخل سوق الطاقة الجديد سيحول قطاع الطاقة من مصدر يعتمد على تصدير النفط الخام فقط إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على التنوع والابتكار والتكنولوجيا والقيمة المضافة وهو ما يعزز الأمن الاقتصادي ويرفع القدرة التنافسية للدولة ويضمن استدامة مواردها في عالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد منخفض الكربون ويجعل من التحول الطاقوي فرصة تاريخية لبناء اقتصاد أكثر مرونة واستقرارا وقدرة على مواجهة المتغيرات الدول.

3-إصلاح السياسات وإدارة الموارد

إن نجاح أي تحول اقتصادي أو طاقوي لا يعتمد على توفر الموارد الطبيعية وحدها بل يرتبط بصورة مباشرة بكفاءة السياسات العامة وآليات إدارة الإيرادات وقدرة الدولة على تحويل الثروة المؤقتة إلى أصول إنتاجية مستدامة فالعراق يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم إلا أن استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية في تمويل النفقات التشغيلية والاستهلاك الحكومي أدى إلى إضعاف الاستثمار طويل الأمد وجعل الاقتصاد أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية لذلك فإن إصلاح السياسات وإدارة الموارد يمثلان الأساس الذي تستند إليه جميع برامج التنويع الاقتصادي والتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة ويبدأ هذا الإصلاح من تبني رؤية مالية جديدة تقوم على الفصل بين الإيرادات النفطية المؤقتة وبين الإنفاق الجاري بحيث لا تتحول الموارد النفطية إلى مصدر دائم لتمويل الرواتب والنفقات الاستهلاكية فقط بل تصبح أداة لبناء أصول اقتصادية تدر عوائد للأجيال الحالية والمستقبلية وهذا يتطلب الانتقال من فلسفة إدارة الإيرادات إلى فلسفة إدارة الثروة لأن النفط مورد ناضب بينما التنمية المستدامة تقوم على استثمار عائداته في قطاعات قادرة على الاستمرار بعد تراجع الإنتاج أو انخفاض الأسعار وفي هذا الإطار تبرز أهمية إنشاء صندوق تنمية سيادي مخصص للطاقة البديلة يكون مستقلا ماليا وإداريا ويتمتع بإطار قانوني واضح يضمن استمراريته بعيدا عن التغيرات السياسية والدورات الانتخابية ويخصص لهذا الصندوق ما بين 3% إلى 5% من الإيرادات النفطية الحالية بصورة سنوية لتمويل مشاريع البنية التحتية الخضراء والبحث العلمي والابتكار في مجالات الطاقة المتجددة وتقنيات خفض الانبعاثات وبذلك تتحول نسبة محدودة من الإيرادات الحالية إلى استثمار طويل الأمد يهيئ الاقتصاد العراقي لمرحلة ما بعد النفط.

ويجب أن يعمل هذا الصندوق وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والإفصاح الكامل عن مصادر التمويل وأوجه الإنفاق وآليات الاستثمار مع إخضاعه لرقابة مؤسسات مستقلة ونشر تقارير دورية توضح أداءه المالي والفني لأن نجاح الصناديق السيادية عالميا لم يكن نتيجة حجم الأموال فقط وإنما نتيجة الإدارة الاحترافية والابتعاد عن التدخلات السياسية قصيرة الأجل كما ينبغي أن يضم مجلس إدارة يضم خبراء في الاقتصاد والطاقة والاستثمار والبيئة والقانون لضمان اتخاذ القرارات على أسس علمية ومهنية ولا ينبغي أن يقتصر دور الصندوق على تمويل مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح بل يمتد إلى دعم مراكز البحوث والجامعات وتمويل برامج الابتكار وإنشاء حاضنات الأعمال وتشجيع الشركات الناشئة العاملة في مجالات التكنولوجيا النظيفة لأن الاقتصاد الأخضر لا يقوم على البنية التحتية وحدها وإنما يعتمد أيضا على المعرفة والابتكار وتطوير رأس المال البشري القادر على قيادة هذا التحول ويمكن للصندوق أن يسهم في تمويل برامج التدريب المهني المتخصصة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين وإدارة الشبكات الذكية وصيانة الأنظمة الحديثة بما يضمن إعداد كوادر عراقية تمتلك المهارات اللازمة لإدارة المشاريع المستقبلية وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية وبذلك يتحول الاستثمار في الطاقة البديلة إلى مشروع متكامل يجمع بين التنمية الاقتصادية وتنمية الموارد البشرية في الوقت نفسه.

ومن أهم المشاريع التي يمكن أن تتبناها الدولة ضمن هذه الرؤية مشروع إنعاش بلاد الرافدين بوصفه مشروعا وطنيا شاملا يجمع بين البعد البيئي والاقتصادي والاجتماعي إذ يهدف إلى مواجهة التصحر واستعادة الغطاء النباتي وتحسين إدارة الموارد المائية وتعزيز الأمن الغذائي باستخدام التقنيات الحديثة والطاقة النظيفة ويستند هذا المشروع إلى حقيقة أن العراق يعد من أكثر الدول تعرضا لتأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية الأمر الذي يجعل المعالجة البيئية جزءا أساسيا من الإصلاح الاقتصادي وليس قضية منفصلة عنه.

ويتضمن المشروع تنفيذ برامج واسعة لتشجير المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية وإنشاء أحزمة خضراء حول المدن والطرق الرئيسة للحد من العواصف الترابية وتحسين جودة الهواء وتقليل زحف الرمال كما يسهم الغطاء النباتي في خفض درجات الحرارة المحلية وتحسين التوازن البيئي وزيادة قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة وهو ما ينعكس إيجابا على الإنتاج الزراعي والاستقرار البيئي وفي جانب إدارة المياه ينبغي إعادة تأهيل شبكات الري التقليدية واستبدالها بتقنيات الري الحديثة التي تقلل الهدر وترفع كفاءة استخدام المياه مع الاعتماد على الطاقة الشمسية في تشغيل المضخات ومحطات الضخ والآبار الزراعية مما يقلل استهلاك الوقود ويخفض تكاليف التشغيل ويزيد من استدامة النشاط الزراعي خاصة في المناطق البعيدة عن الشبكة الكهربائية الوطنية كما ينبغي تشجيع الاستثمار في الزراعة الذكية واستخدام أنظمة المراقبة الرقمية والاستشعار عن بعد لمتابعة رطوبة التربة واستهلاك المياه والإنتاج الزراعي بما يسمح برفع الإنتاجية وتقليل الفاقد وتعزيز الأمن الغذائي في ظل التحديات المناخية المتزايدة ويمكن ربط هذه المشاريع ببرامج تمويل ميسرة للمزارعين وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الصناعات الزراعية والغذائية بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ومن المهم أيضا أن يرتبط مشروع إنعاش بلاد الرافدين بخطط التنمية المحلية في المحافظات من خلال إشراك الحكومات المحلية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في تنفيذ البرامج البيئية والزراعية لأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق عبر القرارات المركزية وحدها بل تحتاج إلى مشاركة مجتمعية واسعة تعزز الشعور بالمسؤولية تجاه الموارد الطبيعية وتحافظ على استدامة المشاريع بعد تنفيذها ويمثل هذا المشروع فرصة لخلق آلاف فرص العمل في مجالات التشجير وإدارة الموارد المائية والطاقة الشمسية والزراعة الحديثة والصناعات البيئية وهو ما يسهم في معالجة البطالة وتنشيط الاقتصاد المحلي خاصة في المحافظات التي تعاني من محدودية النشاط الصناعي والاستثماري كما يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة وتقليل الهجرة من الريف إلى المدن عبر توفير مصادر دخل مستقرة للسكان وفي المجمل فإن إصلاح السياسات وإدارة الموارد لا يقتصر على إنشاء صندوق سيادي أو تنفيذ مشاريع بيئية منفردة بل يمثل تحولا شاملا في فلسفة إدارة الدولة يقوم على توجيه الثروة النفطية نحو بناء اقتصاد منتج ومستدام يعتمد على الاستثمار والمعرفة والتكنولوجيا بدلا من الاستهلاك والإنفاق التشغيلي وعندما تقترن الإدارة الرشيدة للموارد بمشاريع إستراتيجية مثل صندوق تنمية الطاقة البديلة ومشروع إنعاش بلاد الرافدين فإن العراق سيكون قادرا على تحويل موارده النفطية الحالية إلى قاعدة تنموية دائمة تضمن الأمن الاقتصادي والبيئي والغذائي وتؤسس لاقتصاد أكثر تنوعا ومرونة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

  1. International Energy Agency. (2024). Global initiative to reduce gas flaring: Zero Routine Flaring by 2030. https://www.iea.org/policies/15262-global-initiative-to-reduce-gas-flaring-zero-routine-flaring-by-2030
  2. International Energy Agency. (2023). Gas Growth Integrated Project (GGIP): Iraq. https://www.iea.org/policies/17477-gas-growth-integrated-project-ggip
  3. International Energy Agency. (2024). World Energy Outlook 2024. Paris France Author.
  4. International Energy Agency. (2023). Net Zero Roadmap A Global Pathway to Keep the 1.5°C Goal in Reach. Paris France Author.

المبحث الثالث غياب المصدّات المالية (تأثير غياب صندوق الأجيال)

1-الإشكالية الأولى: غياب أداة الامتصاص المالي وتعثر التحوط الاقتصادي

تتجلى أزمة الاقتصاد العراقي في العجز الهيكلي عن بناء نظام تحوط مالـي قادر على امتصاص دورات الصدمات الخارجية الناتجة عن تذبذب أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية. تُعرّف الصناديق السيادية في أدبيات التنمية الاقتصادية بأنها المصد الذاتي الذي يعزل الموازنة العامة للدولة عن التقلبات السعرية الفجائية، من خلال اقتطاع نسبة ثابتة من الإيرادات النفطية في أوقات الطفرات السعرية وتحويلها إلى أصول مالية واستثمارية ذات سيولة عالية

وفي الواقع العراقي، أدى انعدام هذا المفهوم إلى نشوء ما يُعرف باقتصاد “الإنفاق الدوراني المتسارع”، حيث تُستهلك الفوائض المالية النفطية في أوقات الوفرة بالكامل ضمن موازنات استهلاكية انفجارية تركز على النفقات التشغيلية والالتزامات المباشرة. هذا النمط من الإدارة المالية يجعل الدولة عرضة لكشوفات مالية خطيرة وبصورة مفاجئة بمجرد انخفاض أسعار النفط العالمية دون مستويات التوازن المالي، مما يدفع السلطات المالية بالنهاية إلى اتخاذ تدابير قاسية كالاقتراض الخارجي والداخلي واستهلاك الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي

إن الحل الجذري لهذه المشكلة يكمن في الإسراع بتشريع قانون إطار عام “لصندوق الاستقرار المالي”، ينص بصراحة على اقتطاع نسبة مئوية ملزمة (لا تقل عن 10% إلى 15%) من إجمالي الإيرادات النفطية المتحققة، تُوجه فوراً وبموجب نص دستوري وقانوني ملزم إلى حسابات خارج الدولة تدار عبر آليات استثمارية شبه خالية من المخاطر. يهدف هذا التوجه إلى خلق خط دفاع أول يُسحب منه حصراً لردم العجز التشغيلي الطارئ دون الحاجة لمس الاستقرار النقدي أو التضحية بسعر صرف العملة الوطنية

الإشكالية الثانية: هدر الفوائض المالية وغياب مبدأ العدالة بين الأجيال-2

تُشير تجارب الدول الريعية المتقدمة إلى أن الثروة النفطية هي ملكية استراتيجية عابرة للزمن وليست ملكاً حصرياً للجيل الحالي، مما يستوجب تحويل رأس المال الطبيعي الناضب إلى رأس مال مالي واستثماري متجدد ومستدام. يواجه العراق معضلة أخلاقية واقتصادية تتمثل في استنزاف المورد النفطي الناضب لتمويل الاستهلاك الراهن (كالرواتب والدعم غير الموجه) دون ترك أي أصول إنتاجية أو مالية للأجيال القادمة التي ستواجه حتماً مرحلة “العراق ما بعد النفط

إن الاستمرار في هذا المسار يعمق حالة “اللاعدالة بين الأجيال”، حيث يتحمل المستقبل تداعيات التلوث البيئي ونضوب الموارد دون الاستفادة من ثمارها. يضاف إلى ذلك أن أوقات الوفرة النفطية في العراق لم تُستغل لبناء البنية التحتية الصلبة كالموانئ، وشبكات القطارات، والسدود، والمدن الصناعية، بل أُهدرت في تعزيز البيروقراطية وحشد التوظيف الحكومي غير المنتجة، مما أضعف مرونة الاقتصاد الوطني أمام التحولات المستقبلية

ولمعالجة هذا الخلل البنيوي، يجب تأسيس “صندوق الأجيال القادمة” ككيان قانوني ومؤسسي مستقل تماماً عن السلطة التنفيذية والتقلبات السياسية. يعتمد هذا الصندوق على استراتيجية استثمارية طويلة المدى تقوم على تنويع المحفظة المالية عالمياً ومحلياً عبر الاستثمار في أسهم الشركات العالمية ذات النمو العالي، وقطاعات التكنولوجيا النظيفة، ومشاريع الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى المساهمة في تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى داخل العراق. تضمن هذه الآلية تحويل جزء من عائدات النفط النفطية اليوم إلى تدفقات نقدية دائمية ومستمرة تُغذي ميزانية الدولة بعيداً عن تقلبات البرميل

-الإشكالية الثالثة: الشلل المؤسسي وغياب الاستثمار التنموي الموجه3

إن الغياب المؤسساتي لصناديق التنمية السيادية لم يقتصر على تعريض الدولة للمخاطر المالية فحسب، بل أدّى أيضاً إلى شلل القطاعات الاقتصادية الحقيقية مثل الزراعة، والصناعة، والخدمات اللوجستية. يمتلك العراق مقومات التنوع الاقتصادي، إلا أن غياب الذراع الاستثماري الحكومي الموجه يمنع توظيف رأس المال الوطني في مشاريع إستراتيجية ذات عائد تنموي وتوظيفي مرتفع، مما أبقى الاقتصاد محصوراً في دائرة الاستيراد والتسرب النقدي إلى الخارج

يتجلى هذا الشلل في عجز القطاع الخاص المحلي عن قيادة التنمية بمفرده بسبب ضعف البيئة الاستثمارية وتراجع التمويل المصرفي الهيكلي. إن اعتماد النموذج الحالي يجعل أزمات البطالة والفقر متفاقمة بشكل مستمر، حيث تعجز الدولة عن استيعاب مئات الآلاف من الخريجين الجدد سنوياً في الهيكل الحكومي المترهل، وفي الوقت نفسه تفشل في توفير تمويل تنموي للمشاريع الاستثمارية الخاصة

ولترجمة المخرجات إلى حلول عملية، يتطلب المشهد العراقي إطلاق “صندوق العراق للتنمية والاستثمار المحلي” كمؤسسة سيادية وطنية تهدف إلى قيادة الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP). يُخصص لهذا الصندوق نسبة محددة من عائدات النفط لتمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل بناء المناطق الصناعية حرة التبادل، ودعم مشروعات الآلات والميكنة الزراعية الحديثة، وتطوير البنية التحتية للرقمنة. يعمل هذا الصندوق وفق قواعد حوكمة عالمية شفافة تشرف عليها مؤسسات تدقيق دولية مستقلة، لضمان حماية أمواله من الفساد والمحاصصة، ولتحويل الفائض النفطي من عبء استهلاكي إلى محرك أساسي لإعادة بناء الاقتصاد الحقيقي وتوليد فرص عمل مستدامة

World Bank. (2023). Iraq Public Finance Review: Toward Fiscal Sustainability. Washington, DC: World Bank.

International Monetary Fund. (2012). Macroeconomic Policy Frameworks for Resource-Rich Developing Countries. Washington, DC: IMF.

World Bank. (2011). The Changing Wealth of Nations: Measuring Sustainable Development in the New Millennium. Washington, DC: World Bank.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *