معركة استعادة الدولة
معركة استعادة الدولة لا تبدأ بإعلان سياسي عابر، ولا بحملة إعلامية مؤقتة،
بل تبدأ عندما يقترب القانون من الملفات التي ظنّ كثيرون أنها فوق المساءلة.
وعلى مدى سنوات طويلة، فقد كثير من العراقيين ثقتهم بإمكانية القضاء على الفساد،
لأنهم رأوا أسماء كبيرة تتصدر المشهد السياسي، وترفع شعار “كلا كلا للفساد”،
بينما بقيت شبكات الفساد أعمق من الشعارات وأقوى من المؤسسات.
وقد ترسخت في الوعي الشعبي قناعة خطيرة مفادها أن بعض ملفات الفساد محمية بغطاءات سياسية ودينية وطائفية ورمزية، وأن الاقتراب منها قد يُقدَّم للرأي العام بوصفه تهديداً للعملية السياسية أو مدخلاً لعودة الفوضى والإرهاب. وهكذا تحولت مكافحة الفساد، في كثير من الأحيان، إلى خطاب موسمي، بينما ظل الفاسدون الكبار بعيدين عن المساءلة.
حين يصبح الفساد أقوى من الدولة
لم تكن مشكلة العراقيين مع الفساد أنه موجود فقط، بل أنه صار يبدو، في أحيان كثيرة، وكأنه محصّن ضد القانون. فكلما أُعلن عن حملة جديدة، ارتفعت الآمال، ثم سرعان ما كانت تخبو عندما لا تصل الإجراءات إلى الرؤوس الكبيرة، أو عندما تتوقف عند موظفين صغار وواجهات تنفيذية.
هذا النمط المتكرر ولّد شعوراً عاماً بأن الدولة لا تملك القدرة الكاملة على محاسبة من يملك النفوذ، وأن القانون يعمل بقوة على الضعيف، ويتردد أمام القوي.
وحين يشعر المواطن أن الفاسدين فوق القانون، لا تتراجع ثقته بالحكومة فقط، بل تتراجع ثقته بفكرة الدولة نفسها.
علي الزيدي وبداية مرحلة مختلفة
عندما تولى رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي مسؤولية الحكومة، انقسمت الآراء بين متفائل ومشكك. فهناك من ظن أنه سيسير على النهج السابق الذي اكتفى بالشعارات، وهناك من رأى أن الحكم الحقيقي على هذه التجربة لن يكون بالكلام، بل بالأفعال والنتائج.
ومع الإجراءات التي شهدتها الأيام الأخيرة، وما رافقها من إلقاء القبض على عدد من المتهمين في قضايا فساد وفتح ملفات كانت توصف بأنها حساسة، بدأت تتشكل لدى الشارع العراقي قناعة بأن هناك تحركاً مختلفاً يستحق المتابعة.
لا يعني ذلك أن المعركة قد حُسمت، ولا أن الثقة قد عادت كاملة، لكنه يعني أن الباب بدأ يُفتح أمام اختبار حقيقي: هل نحن أمام حملة محدودة، أم أمام مسار جاد لاستعادة الدولة من قبضة الفساد؟
الحبل على الجرار
يريد العراقيون اليوم أن يكون الحبل على الجرار. لا يريدون حملة مؤقتة أو انتقائية، ولا يريدون أن تُفتح ملفات وتُغلق أخرى بحسب التوازنات السياسية. يريدون مساراً شاملاً لا يستثني أحداً، ولا يميز بين حزب وآخر، أو جهة وأخرى، أو اسم كبير واسم صغير.
فالقضية ليست في اعتقال بضعة أشخاص فقط، بل في تفكيك شبكات المصالح التي جعلت المال العام غنيمة، والمنصب طريقاً للثراء، والدولة أداة لخدمة النفوذ الخاص.
وإذا كانت هذه الإجراءات بداية لمسار أوسع، فإن قيمتها الحقيقية ستظهر عندما تصل إلى كل من استغل منصبه أو نفوذه للإضرار بالمال العام، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الحزبي أو العشائري.
من أين لك هذا؟
من أهم المبادئ التي ينتظر العراقيون تفعيلها بجدية مبدأ “من أين لك هذا؟”. فلا يعقل أن يدخل شخص إلى المنصب وهو محدود الحال، ثم يخرج منه محملاً بالأموال والعقارات والمواكب والحمايات، وتظهر حوله وأسرته شبكة مصالح وشركات وأصول لا تتناسب مع دخله المشروع.
المواطن العراقي لم يعد يقبل مشاهد الاستفزاز التي يرى فيها مسؤولاً كان يفترض أن يكون خادماً للناس، فإذا به يتحول إلى صاحب موكب طويل يقطع الطرق، ويحيط نفسه بمظاهر قوة ونفوذ، بينما يظل المواطن واقفاً في الطوابير بحثاً عن خدمة أو معاملة أو فرصة عمل.
تطبيق مبدأ “من أين لك هذا؟” يجب أن يشمل المسؤولين السابقين والحاليين، وأقاربهم، وشركاءهم، والواجهات الاقتصادية التي عملت باسمهم أو لمصلحتهم.
استعادة الثقة لا تتحقق بالاعتقالات وحدها
إن استعادة ثقة المواطن لا تتحقق بإلقاء القبض على بعض المتهمين فقط، مهما كانت أهمية هذه الخطوة. الثقة تحتاج إلى منظومة عدالة كاملة، تبدأ بالتحقيق المهني، ولا تنتهي إلا باسترداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة المتورطين، ومنع تكرار الجريمة.
فالفساد لا يُهزم إذا دخل شخص السجن وبقيت الشبكة تعمل. ولا تُستعاد الدولة إذا عوقب المنفذ وبقي من حماه أو موّله أو سهّل له الطريق خارج المساءلة.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية تحتاج إلى قضاء قوي، ورقابة مستقلة، ومؤسسات مالية وإدارية قادرة على تتبع الأموال والأصول، داخل العراق وخارجه.
الفساد سرق أكثر من المال
الفساد لم يسرق المال وحده. لقد سرق فرص العمل، والخدمات، والتعليم، والصحة، والكرامة، ومستقبل أجيال كاملة.
كل دينار نُهب كان يمكن أن يتحول إلى مدرسة، أو مستشفى،
أو طريق، أو مشروع إنتاجي، أو فرصة عمل لشاب عاطل.
وكل عقد فاسد كان يعني خدمة ناقصة، ومشروعاً متعثراً، وثقة مهدورة بين المواطن والدولة.
ولهذا، فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة إدارية أو مالية فقط،
بل معركة من أجل بقاء الدولة نفسها. فالدولة التي لا تستطيع حماية مالها العام، لا تستطيع حماية سيادتها ولا مستقبل شعبها.
الحاجة إلى إصلاح سياسي أعمق
لا يمكن فصل مكافحة الفساد عن إصلاح النظام السياسي والإداري.
فهناك قطاعات واسعة من العراقيين ترى أن النظام البرلماني بصيغته الحالية أنتج أزمات متكررة،
وفتح الباب أمام شراء الأصوات والذمم، وتقاسم المناصب، وتعطيل القرار الوطني عبر الصفقات.
ولهذا يبرز مطلب إعادة النظر في شكل النظام السياسي،
بما في ذلك النقاش حول الانتقال إلى نظام رئاسي دستوري،
يُنتخب فيه الرئيس مباشرة من الشعب، ويتمتع بصلاحيات واضحة في اختيار الوزراء والمواقع العليا،
مع وجود رقابة دستورية ومؤسسية تمنع تحول السلطة إلى تفرد أو استبداد.
هذا النقاش لا ينبغي أن يُطرح كشعار عاطفي،
بل كملف وطني يحتاج إلى دراسة دستورية وسياسية عميقة،
هدفها بناء نظام أكثر قدرة على الحسم والمحاسبة وتحمل المسؤولية.
إعادة النظر في المناصب الحساسة
من الملفات التي تحتاج إلى مراجعة جدية أيضاً ملف التعيينات في المواقع الحساسة، ومن بينها تعيينات السفراء والمناصب العليا في الدولة.
فالعراقيون يريدون دولة منفتحة على العالم، تمثل مصالح البلد بكفاءة وكرامة،
لا دولة توزع المناصب وفق المجاملات السياسية أو التوازنات الحزبية.
المنصب الدبلوماسي ليس مكافأة، بل مسؤولية وطنية تتطلب خبرة، وكفاءة، وقدرة على تمثيل العراق في بيئة دولية معقدة.
إعادة الاعتبار للكفاءة في التعيينات تمثل جزءاً أساسياً من استعادة هيبة الدولة.
المسؤول السارق يهدد الأمن القومي
ينبغي التعامل مع الفساد الكبير بوصفه تهديداً للأمن القومي.
فالمسؤول الذي يسرق المال العام لا يرتكب مخالفة مالية فقط،
بل يضعف الدولة، ويعمق الفقر، ويزيد البطالة، ويدمر الخدمات، ويفتح الباب أمام الاضطراب الاجتماعي.
الفساد الكبير قد يكون أكثر خطورة من كثير من التهديدات الأمنية،
لأنه يضرب الدولة من داخلها، ويقوض شرعيتها، ويجعل المواطن يفقد ثقته بالقانون والمؤسسات.
ولهذا، فإن محاسبة الفاسد الكبير ليست انتقاماً سياسياً، بل دفاع عن الدولة والمجتمع والأمن الوطني.
لا عدالة بلا شمول
العدالة التي يريدها العراقيون يجب أن تكون شاملة.
لا قيمة لحملة مكافحة فساد تستثني النافذين،
أو تُستخدم لتصفية الحسابات، أو تتوقف عند حدود معينة خوفاً من ردود الفعل.
العدالة الحقيقيةلا تميز بين قوي وضعيف،ولا بين قريب وبعيد،ولا بين حزب وآخر.
وهي لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن أن القانون فوق الجميع،
وأن هيبة الدولة عادت بالفعل، وأن الفاسد لم يعد قادراً على الاختباء خلف الرموز أو الشعارات أو الحمايات السياسية.
عندها فقط يمكن أن يبدأ ترميم الثقة المكسورة بين العراقيين ودولتهم.
بداية الطريق لا نهايته
ما يجري اليوم، إذا استمر واتسع، قد يمثل بداية طريق مهم،
لكنه ليس نهاية المعركة. فاستعادة الدولة تحتاج إلى نفس طويل،
وإرادة سياسية حازمة، ومؤسسات قادرة على الصمود أمام الضغوط.
المعركة لن تكون سهلة، لأن الفساد ليس أفراداً معزولين
، بل شبكة مصالح امتدت في الإدارة والسياسة والاقتصاد.
وكلما اقترب القانون من الرؤوس الكبيرة، ازدادت محاولات التشويه والتعطيل والتخويف.
لكن الدولة التي تريد البقاء لا تملك خياراً آخر.
إما أن تستعيد قرارها ومالها وهيبتها، أو تبقى أسيرة شبكات تنهبها من الداخل.
خاتمة: التاريخ لا يخلّد الشعارات
في المحصلة، الحبل على الجرار يجب أن يكون أكثر من عبارة شعبية.
يجب أن يتحول إلى مسار قضائي ومؤسسي شامل، يفتح الملفات،
ويتتبع الأموال، ويحاسب المتورطين، ويعيد للدولة هيبتها.
العراقيون لا يريدون شعارات جديدة، بل أفعالاً يلمسونها على أرض الواقع.
يريدون أن يروا أن العدالة لا تخاف من الأسماء الكبيرة،
وأن القانون لا يتوقف أمام النفوذ، وأن المال العام ليس غنيمة لأحد.
فالتاريخ لا يخلّد من يرفع الشعارات، بل من يحولها إلى أفعال.
وإذا كانت معركة استعادة الدولة قد بدأت فعلاً،
فإن معيار نجاحها سيكون واضحاً: ألا يبقى فاسد بمنأى عن القانون،
وأن يشعر المواطن أخيراً أن الدولة عادت لتكون دولة الجميع.


