العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي

العراق على مفترق العقد وشهادة في المجلس الأطلسي حول مستقبل العراق
شهادة تحليلية عن لقاء المجلس الأطلسي في بغداد عام 2016 برئاسة السفير ريان كروكر، في لحظة واجه فيها العراق حرب داعش والأزمة المالية، مع قراءة لمستقبل الدولة والاقتصاد والحوكمة...

العراق على مفترق العقد

العراق على مفترق العقد لم يكن مجرد توصيف سياسي عابر، بل كان خلاصة لحظة تاريخية عشتها عن قرب في ظهيرة يوم السبت الموافق 19 آذار/مارس 2016، حين انتقلت من انشغالات غرفة العمليات الاقتصادية الافتراضية إلى لقاء فريق المجلس الأطلسي الذي زار العراق برئاسة السفير ريان كروكر.

كان الفريق يعمل على إعداد ورقة استراتيجية بعنوان “مستقبل العراق”، ضمن مهمة فكرية وسياسية أوسع، كانت معدّة لتوضع على طاولة الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكن ذلك اللقاء مجرد جلسة حوارية عادية، بل كان مناسبة لقراءة العراق في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث.

العراق بين الحرب والأزمة المالية

جاء اللقاء في مرحلة كان العراق يخوض فيها حرباً مصيرية ضد تنظيم داعش الإرهابي، الذي بسط سيطرته على نحو ثلث مساحة البلاد، في وقت كانت المنظومة الاقتصادية تواجه أزمة مالية خانقة بسبب الانهيار الحاد في أسعار النفط، المورد الرئيس للدولة.

كانت البلاد تقاتل على جبهتين في آن واحد: جبهة عسكرية ضد الإرهاب، وجبهة اقتصادية ضد العجز المالي وتراجع الإيرادات. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الأسئلة الاقتصادية مجرد أرقام في الموازنة، بل تتحول إلى أسئلة وجودية تتعلق بقدرة الدولة على الصمود، وتمويل الحرب، ودفع الرواتب، وحماية الاستقرار الاجتماعي.

ولهذا، كان النقاش حول مستقبل العراق في ذلك التوقيت نقاشاً يتجاوز السياسة اليومية، ويمس جوهر الدولة وقدرتها على البقاء والتحول.

لماذا كان اللقاء مهماً؟

استند لقائي بالسفير ريان كروكر إلى سببين رئيسين. الأول، إجراء حوار حول مستقبل الاقتصاد العراقي في ظل استعداد الحكومة لتوقيع اتفاق “الاستعداد الائتماني” مع صندوق النقد الدولي في تموز/يوليو من العام نفسه، بهدف الحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، مقابل الالتزام بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية الصعبة وغير الشعبية في ظرف استثنائي.

أما السبب الثاني، فتمثل في مشاركتي بصفتي شخصية مستقلة سياسياً، بما يتيح تقديم رؤية مهنية بعيدة عن الاصطفافات الحزبية. وقد كان هذا البعد مهماً، لأن لحظات الأزمات الكبرى تحتاج إلى قراءة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتنظر إلى الدولة بوصفها مشروعاً عاماً لا مساحة للتنافس السياسي فقط.

طاولة المجلس الأطلسي

ضمت طاولة الحوار التي أدارها السفير كروكر نخبة من الخبراء والباحثين الغربيين، إلى جانب شخصيات عراقية بارزة مشاركة في أعمال المجلس الأطلسي، وكان من بينها عالم الاجتماع الراحل فالح عبد الجبار وآخرون.

كانت الجلسة مشحونة بأسئلة كبرى: إلى أين يتجه العراق؟ هل يستطيع تجاوز الحرب؟ هل يملك القدرة على إصلاح اقتصاده؟ وهل يمكنه الخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة؟

لم تكن الإجابات سهلة، لأن العراق في تلك اللحظة كان يبدو كدولة تواجه اختباراً مزدوجاً: اختبار الأمن واختبار الاقتصاد، وكلاهما كان مرتبطاً بمدى صلابة المؤسسات وقدرتها على العمل في ظروف استثنائية.

قراءة كروكر لمستقبل العراق

استهل السفير كروكر حديثه بعرض حصيلة لقاءاته مع نحو عشرين من القادة السياسيين العراقيين، من كردستان إلى النجف وسواهما، قبل أن يقدم قراءة مكثفة لمستقبل العراق.

ومما علق في ذاكرتي قوله إن العراق، بعد أكثر من عقد على التحولات العميقة التي أعقبت عام 2003، يقف أمام لحظة تاريخية لا تقل أهمية عن تلك المرحلة التأسيسية، بل ربما أكثر تعقيداً وتشابكاً.

فالعراق، في تقديره، لم يعد يُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على إنتاج توازن جديد بين الدولة والمجتمع والتأثيرات الإقليمية والدولية المتداخلة.

من سؤال النجاة إلى سؤال الاستقرار

تابع كروكر حديثه بلغة دبلوماسية هادئة، مؤكداً أن النقاش الدولي بشأن العراق بدأ ينتقل من سؤال: كيف ينجو العراق من أزماته؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: أي نوع من الاستقرار يستطيع العراق أن ينتجه لنفسه؟

كان هذا التحول في السؤال بالغ الدلالة. فالقضية لم تعد قضية إدارة أزمات متلاحقة فقط، بل إدارة توازنات معقدة داخلية وخارجية في آن واحد.

فالدولة التي تنجو من الأزمة لا تصبح مستقرة بالضرورة. الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات، وثقة عامة، واقتصاد أقل هشاشة، وقرار وطني قادر على التفاعل مع البيئة الإقليمية والدولية من موقع التوازن لا الاضطرار.

ركيزتان لفهم اللحظة العراقية

في أثناء الحوار، تبلورت أمامي رؤية تقوم على ركيزتين أساسيتين.

الركيزة الأولى هي قدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها بعيداً عن منطق المحاصصة والانقسامات السياسية العابرة. فالمؤسسة لا يمكن أن تكون قوية إذا بقيت أسيرة الولاءات الضيقة، ولا يمكن للدولة أن تنتج استقراراً إذا كان القرار فيها موزعاً بين مراكز متعددة لا تعمل دائماً ضمن رؤية واحدة.

أما الركيزة الثانية، فهي طبيعة البيئة الإقليمية والدولية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من معادلة القرار الوطني، عبر الاقتصاد والأمن والتأثير السياسي. فالعراق لا يعيش في فراغ، وكل تحول داخلي فيه يتأثر بشبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية.

العراق دولة غنية وهشة

من خلال تلك المناقشات، بدا العراق وكأنه نموذج خاص لدولة يمكن وصفها بأنها “غنية وهشة” في الوقت ذاته.

هو غني بموارده الطبيعية، وبموقعه الجغرافي، وبطاقته البشرية، وبذاكرته الحضارية، وبقدرته الكامنة على النهوض. لكنه هش في بنيته المؤسسية، وفي اعتماده شبه الكامل على النفط، وفي قدرته المحدودة على تحويل الموارد إلى استقرار مستدام.

لم يكن العراق دولة فاشلة، لكنه لم يكن قد بلغ مرحلة الاستقرار المكتمل. كان يتحرك في منطقة وسطى بين فرص النهوض واحتمالات التراجع، بين الدولة الممكنة والدولة المؤجلة، بين الثروة المتاحة والقدرة المحدودة على إدارتها.

عناصر القوة تحت السطح

مع ذلك، لم يكن المشهد يخلو من عناصر القوة. فقد برهنت التجربة العراقية على قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته رغم الصدمات الكبرى.

من الاقتصاد غير الرسمي إلى المبادرات المحلية، ومن الحراك الاجتماعي إلى التحولات التدريجية في الوعي السياسي،

كان العراق يظهر ككيان حي يتحرك تحت السطح بوتيرة أبطأ من السياسة، لكنها أعمق وأكثر تأثيراً.

فالمجتمع العراقي، رغم ما مر به من حروب وعقوبات واحتلال وإرهاب وأزمات،

لم يفقد قدرته على التكيف. وهذه القدرة، إذا وجدت مؤسسات رشيدة تحتضنها وتنظمها،

يمكن أن تتحول إلى طاقة وطنية هائلة.

مرحلة إعادة تعريف الدولة والمجتمع

في داخلي، تبلورت قناعة مفادها أن العراق لم يكن يسير في مسار خطي واضح، بل كان يعيش مرحلة “إعادة تعريف” شاملة للدولة والمجتمع.

فما بعد عام 2003 لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تركيب لمعنى الدولة، ومعنى السلطة، ومعنى المواطنة،

ومعنى العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الاقتصاد والسياسة، وبين الداخل والخارج.

ولهذا كنت أرى أن العقد اللاحق لن يكون مجرد امتداد لما سبقه،

بل محاولة لصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد،

إما أن ينجح في ترسيخ الدولة ومؤسساتها، أو يكرس حالة من التوازن الهش طويل الأمد.

اتفاق الاستعداد الائتماني وصعوبة الإصلاح

عندما طُرح عليّ سؤال بشأن انعكاسات اتفاق الاستعداد الائتماني مع صندوق النقد الدولي،

ومدى استعداد الرأي العام لتقبل الإصلاحات المصاحبة له،

أوضحت أن هناك إدراكاً متزايداً لطبيعة الأزمة المزدوجة التي تواجه البلاد: الأمنية والمالية.

فالعراق في تلك اللحظة لم يكن يملك رفاهية الاختيار بين إصلاح مريح وإصلاح مؤلم.

كان أمام ضرورة فرضتها الحرب وتراجع النفط واتساع الالتزامات المالية.

كما أكدت أن الإجراءات الإصلاحية والانضباطية التي شرعت الحكومة بتنفيذها بدأت تؤتي ثمارها في دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب،

وأن برنامج الإصلاح الحكومي كان منسجماً، في جوهره، مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي الكلي وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة.

الإصلاح بين الضرورة والكلفة الاجتماعية

لم تكن الإصلاحات المطلوبة سهلة أو شعبية. فكل برنامج إصلاح اقتصادي في دولة ريعية يواجه معضلة صعبة:كيف يمكن تقليل الهدر والانضباط المالي من دون الإضرار بالفئات الضعيفة؟وكيف يمكن إصلاح الإنفاق العام من دون تفجير أزمة اجتماعية؟

هذا السؤال كان حاضراً بقوة في النقاش. فالإصلاح لا ينجح إذا بقي قراراً مالياً مجرداً،

بل يحتاج إلى غطاء اجتماعي وسياسي، وإلى شرح واضح للرأي العام، وإلى حماية للفئات الأكثر تضرراً.

ولهذا، فإن الإصلاح في العراق كان ولا يزال بحاجة إلى توازن دقيق بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية،

وبين متطلبات المؤسسات الدولية وحاجات المجتمع العراقي.

الدولة بين الخارج والداخل

أحد أهم دروس ذلك اللقاء أن مستقبل العراق لا يُصنع داخلياً فقط، ولا يُفرض خارجياً فقط.

بل يتشكل عند نقطة التفاعل بين الداخل والخارج.

فالداخل يحدد صلابة المؤسسات، واتجاهات المجتمع، وطبيعة القيادة السياسية،

وقدرة الدولة على إدارة الموارد. أما الخارج، فيؤثر عبر الأمن، والاقتصاد، والطاقة،

والمؤسسات المالية، والتوازنات الإقليمية والدولية.

وعندما تكون الدولة قوية بمؤسساتها، تستطيع إدارة هذا التفاعل لمصلحتها.

أما عندما تكون هشة، فإن الخارج يتحول من عامل تأثير إلى عامل ضغط دائم.

عبارة بقيت في الذاكرة

في ختام اللقاء، شكرني السفير كروكر على الإيضاحات التي قُدمت،

وعدّها إسهاماً في بلورة رؤية أكثر توازناً بشأن واقع العراق ومستقبله.

غادرت قاعة الاجتماع، غير أن عبارة واحدة ظلت عالقة في ذهني حتى اليوم: العراق يقف دائماً عند “مفترق العقد”.

لم تكن العبارة بالنسبة لي محطة عبور عابرة، بل وصفاً للحظة اختيار تاريخية تتكرر في حياة العراق: إما دولة تُدار بالأزمات، أو دولة تبني من داخلها القدرة على تجاوز الأزمات وصناعة مستقبلها.

مفترق العقد ومعنى الاختيار التاريخي

مفترق العقد لا يعني أن العراق محكوم بالتردد إلى الأبد. بل يعني أن أمامه، في كل مرحلة مفصلية، فرصة لإعادة ترتيب خياراته.

فالبلدان لا تنهض لأنها لا تواجه أزمات، بل لأنها تتعلم كيف تحول الأزمات إلى إصلاحات،

والإصلاحات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ثقة، والثقة إلى استقرار طويل الأمد.

ومن هنا، فإن السؤال العراقي الدائم ليس:هل توجد أزمة؟ بل:هل نستطيع أن نحول الأزمة إلى نقطة بداية جديدة؟

خلاصة عقد من التأمل والتجربة

إذا كان لي أن أوجز خلاصة عقد كامل من التأمل والتجربة، وما دار من حوار في أروقة المجلس الأطلسي حول مستقبل العراق،

فإنني أقول إن تنويع الاقتصاد وترسيخ الحوكمة الرشيدة ليسا مجرد خيارين في برنامج حكومي،

بل هما القاعدة الصلبة والشرطان التاريخيان لانتقال العراق إلى مرحلة جديدة.

فلا يمكن لدولة تعتمد على النفط وحده أن تمتلك استقراراً دائماً.

ولا يمكن لمجتمع أن يثق بدولته إذا بقيت المؤسسات ضعيفة، والحوكمة مرتبكة، والقرار موزعاً بين المصالح المتنافسة.

التنويع الاقتصادي يمنح العراق القدرة على الصمود، والحوكمة الرشيدة تمنحه القدرة على الإدارة،

ومن دون هذين الشرطين سيبقى البلد يدور حول أزماته بدلاً من أن يتجاوزها.

خاتمة: من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

في المحصلة، كانت شهادتي في المجلس الأطلسي عام 2016 أكثر من مشاركة في نقاش سياسي أو اقتصادي.

كانت لحظة مكثفة لرؤية العراق كما هو: بلد غني لكنه هش، قوي بمجتمعه لكنه مثقل بمؤسساته،

قادر على النهوض لكنه يحتاج إلى رؤية عميقة وإرادة مستدامة.

العراق على مفترق العقد ليس عنواناً للماضي فقط، بل سؤال مفتوح على الحاضر والمستقبل.

فإما أن يواصل إدارة أزماته بعقلية مؤقتة، وإما أن ينتقل إلى بناء دولة تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها.

والطريق إلى ذلك لا يبدأ من الشعارات، بل من تنويع الاقتصاد، وترسيخ الحوكمة، وإصلاح المؤسسات،

وبناء الثقة بين المواطن والدولة، حتى يصبح العراق قادراً على تحويل ثروته وموقعه ومجتمعه إلى قوة استقرار وتنمية وسيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *