اللغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغة من إرث الهيمنة إلى جسر للحضارة

اللغة بعد الاستعمار بين مابوتو وريو دي جانيرو
قراءة في اللغة بعد الاستعمار، من موزمبيق والبرازيل إلى فانون ونغوغي وإدوارد سعيد وغادامير وريكور وباولو فريري...

«حدود لغتي هي حدود عالمي»
لودفيغ فتغنشتاين

اللغة بعد الاستعمار وإعادة تشكيل الذاكرة

هناك لحظات في تاريخ الشعوب تتحول فيها الأشياء التي حملت ذاكرة الألم إلى أدوات لصناعة المستقبل.

فالسفن التي عبرت المحيطات ذات يوم حاملة رايات الإمبراطوريات، تركت وراءها بعد رحيل الاستعمار لغات وثقافات وشبكات إنسانية.

وقد أعادت الشعوب الحرة تشكيل هذه اللغات والثقافات والشبكات وفق إرادتها. ومن هنا تظهر أهمية اللغة بعد الاستعمار بوصفها مجالاً لإعادة بناء المعنى.

ولعل اللغة البرتغالية تقدم واحدة من أكثر صور التاريخ مفارقة وعمقاً. فقد جاءت يوماً مع حركة التوسع الاستعماري.

لكنها بقيت بعد انحساره لغة مشتركة بين شعوب مستقلة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتحولت من أداة سلطة إلى أداة تواصل.

كما تحولت من إرث للهيمنة إلى رصيد حضاري. وهذه المفارقة هي ما يجعل اللغة أكثر من وسيلة كلام، لأنها تتحول أحياناً إلى ذاكرة مشتركة.

مابوتو وريو دي جانيرو وخيط اللغة المشترك

دُهشت وأنا أتأمل أحد أرصفة العاصمة الموزمبيقية مابوتو. وهي المدينة التي كانت تُعرف باسم لورينسو ماركيز خلال الحقبة الاستعمارية البرتغالية.

ثم استعادت المدينة اسمها الوطني بعد استقلال موزمبيق في الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 1975. وكان ذلك اليوم إيذاناً بانتهاء مرحلة طويلة من الاستعمار الاستيطاني.

كما كان إيذاناً برحيل قوة جعلت من هذه المدينة السمراء مركزاً لمصالحها وثرواتها.

وتقع موزمبيق في واحدة من أجمل مناطق الجنوب الإفريقي. حيث تمتزج الطبيعة الخضراء بالمناخ المعتدل ورذاذ الأمطار الدافئة.

إلا أن ما جذب انتباهي في مابوتو لم يكن جمال المكان فقط. بل كان مشهداً ثقافياً صغيراً يحمل معنى تاريخياً كبيراً.

فقد انتشرت الصحف والمجلات البرازيلية المطبوعة في ريو دي جانيرو. حتى بدا حضورها أكثر وضوحاً من المطبوعات القادمة من لشبونة.

عندها بدا لي أن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها. بل يظهر أحياناً على أرصفة المدن وفي أكشاك الصحف.

فقد امتد خيط ثقافي من شبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا، عبر إفريقيا، إلى أمريكا الجنوبية. وجمع هذا الخيط موزمبيق والبرازيل في فضاء لغوي واحد تصنعه البرتغالية.

لكن المفارقة الكبرى أن اللغة التي حملتها الإمبراطورية البرتغالية إلى هذه القارات لم تعد اليوم ملكاً للإمبراطورية.

بل أصبحت ملكاً للشعوب التي أعادت إنتاجها. ولذلك أخذت البرتغالية معنى جديداً في مابوتو كما في ريو دي جانيرو.

فهي لغة الجامعة، والكتاب، والإعلام، والتجارة، والأدب، والحوار بين الثقافات.

التحرر بلغة واحدة ومسارين مختلفين

في موزمبيق، جاء الاستقلال في عام 1975 بعد حرب تحرير طويلة. وقد قادت هذه الحرب جبهة تحرير موزمبيق، فريليمو، بقيادة سومورا ميشيل.

وكان التحرر هناك تعبيراً عن مقاومة جماعية. فقد حملته القرى والجبال والذاكرة الشعبية، فكانت الأرض نفسها جزءاً من قصة الحرية.

أما البرازيل، فقد سلكت طريقاً مختلفاً. إذ أعلن الأمير بيدرو الأول استقلال البلاد في السابع من أيلول/سبتمبر 1822.

وقد عُرفت تلك اللحظة باسم صرخة إيبيرانغا. وكان الانفصال عن البرتغال لحظة تأسيس سياسي جديد.

لكنه لم يكن قطيعة ثقافية مع اللغة التي أصبحت جزءاً من الهوية البرازيلية.

وبين التجربتين، بقيت اللغة البرتغالية رابطاً غير مرئي. ففي موزمبيق أصبحت لغة رسمية ساعدت على التواصل بين مجتمع متعدد اللغات والثقافات.

أما في البرازيل، فقد أصبحت عنصراً أساسياً في بناء هوية وطنية جامعة.

وهنا تظهر حقيقة تاريخية مهمة. فاللغة ليست محايدة دائماً، فقد تكون في لحظة ما أداة للسيطرة.

لكنها تستطيع في لحظة أخرى أن تتحول إلى أداة للتحرر. ويحدث ذلك عندما تستعيد الشعوب حقها في استخدامها والتعبير بها عن ذاتها.

اللغة في فكر ما بعد الاستعمار

لقد أدرك مفكرو ما بعد الاستعمار هذه العلاقة العميقة بين اللغة والقوة. فقد رأى المناضل فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط.

بل يسعى أيضاً إلى التأثير في الوعي والثقافة. لأن اللغة تحمل معها تصوراً للعالم وهوية كاملة للشعوب.

ويرى فرانتز فانون، في كتابيه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» و«معذبو الأرض»، أن الاستعمار لا يفرض سيطرته على الأرض فقط.

بل يسعى أيضاً إلى التأثير في وعي الإنسان ولغته وصورته عن ذاته. ولذلك فإن التحرر لا يكتمل إلا عندما تستعيد الشعوب قدرتها على إنتاج معناها الخاص للعالم.

أما الروائي والمفكر الكيني البارز نغوغي واثيونغو، فقد أكد في كتابه «تصفية استعمار العقل» أن اللغة وعاء للذاكرة الجماعية.

كما أكد أن تحرير الإنسان يتطلب تحرير مخيلته من الهيمنة الثقافية.

ويرى نغوغي واثيونغو أن تحرير الإنسان لا يكتمل إلا عندما يستعيد حقه في التعبير عن العالم بلغته الخاصة.

فاللغة ليست مجرد أداة للكلام. بل هي ذاكرة وهوية وطريقة في رؤية الوجود.

ويشير الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد، في كتابيه «الاستشراق» Orientalism و«الثقافة والإمبريالية» Culture and Imperialism، إلى أن القوة لا تعمل بالسلاح وحده.

بل تعمل أيضاً عبر إنتاج سرديات تحدد صورة الشعوب عن نفسها وعن الآخرين. ولذلك فإن استعادة الشعوب لحقها في رواية تاريخها هي جزء من استعادة استقلالها الثقافي.

ومن زاوية فلسفية خالصة، يرى الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير أن اللغة هي الوسط الذي يتحقق فيه التفاهم بين البشر.

فهي ليست جداراً يفصل الشعوب. بل هي فضاء يلتقي فيه المختلفون.

أما الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، صاحب المدرسة التأويلية The Hermeneutical School، فقد ربط اللغة بالسرد والذاكرة.

وأكد أن الأمم تبني هويتها بالطريقة التي تروي بها تاريخها. ومن أشهر أفكاره مفهوم اندماج الآفاق Fusion of Horizons.

ويعني هذا المفهوم أن الفهم الحقيقي يحدث عندما يلتقي أفق القارئ أو الإنسان المعاصر مع أفق النص أو الثقافة الأخرى.

ومن هذا اللقاء ينشأ معنى جديد من الحوار بين التجارب. وهذا ما يفسر تجربة موزمبيق والبرازيل.

فالبرتغالية لم تعد مجرد أثر للماضي الاستعماري. بل أصبحت لغة تكتب بها شعوب مستقلة أدبها وعلومها ومؤسساتها ورؤيتها للمستقبل.

اللغة بوصفها احتياطياً حضارياً

إذا كانت الدول تحتفظ بالاحتياطيات الأجنبية لحماية اقتصاداتها من الصدمات وتعزيز الثقة بها، فإن الأمم تمتلك نوعاً آخر من الاحتياطيات.

وهذا النوع هو الاحتياطي الحضاري: اللغة، والمعرفة، والثقافة، والذاكرة، والمؤسسات.

فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب. بل هي أصل حضاري تتراكم فيه خبرات الأجيال.

وكلما اتسع استخدامها في التعليم والبحث العلمي والإبداع والتجارة، ازدادت قيمتها. تماماً كما يزداد رأس المال قيمة عندما يُستثمر وينتج.

ومن هذا المنظور، أصبحت البرتغالية احتياطياً حضارياً مشتركاً بين شعوب متعددة. ويمتد هذا الاحتياطي من البرازيل إلى موزمبيق وأنغولا والرأس الأخضر وغيرها.

فلم تعد البرتغالية رمزاً لإمبراطورية مضت. بل أصبحت رصيداً ثقافياً تتقاسمه أمم مستقلة.

وهنا تلتقي اللغة بالاقتصاد. فالثقة والمعرفة والشبكات الثقافية والقدرة على التواصل كلها أصول غير مادية.

وتسهم هذه الأصول في بناء العلاقات التجارية والتعليمية والتنموية بين الشعوب. ويمكن تسميتها مجازاً بعلم الاقتصاد الحضاري Civilizational Economics.

وهو مجال متعدد التخصصات يدرس كيف تشكل الأصول الثقافية والتاريخية والمؤسسية والمعرفية مسار التنمية الاقتصادية.

كما يدرس قدرة المجتمعات على الصمود والازدهار طويل الأمد.

لقد كان المفكر البرازيلي باولو فريري، في كتابيه «تربية المقهورين» و«التعليم بوصفه ممارسة للحرية»، يرى أن الكلمة ليست مجرد صوت.

بل هي فعل يغير العالم. فالإنسان يتحرر عندما يمتلك القدرة على تسمية العالم بلغته ورؤيته.

ومن هنا تصبح اللغة ممارسة للحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *