أثار التقارب بين العراق والولايات المتحدة الأميركية منذ تقديم السيد علي الزيدي كمرشح لرئاسة الحكومة العديد من التساؤلات عن طبيعة هذا التقارب وجدواه لاسيما وأنه يأتي في ظل ظرف محلي وإقليمي حسّاس للغاية.
هذه التساؤلات تزايدت بشكل أكبر بعد زيارة السيد الزيدي للولايات المتحدة الأميركية وتوقيعه على أكثر من (45) مذكرة تفاهم مع شركات أميركية لتطوير قطاعات اقتصادية مهمة، ففي الوقت الذي تتأكد فيه حاجة العراق لإقامة شراكات مع دول كبرى كالولايات المتحدة الأميركية فإن الأخيرة من جهتها بحاجة لدولة بحجم العراق في المنطقة.
إلاّ أن مراقبون يرون الحاجة الأميركية للعراق لا تتمثل بمصالح إقتصادية وحسب وإنما قد تتجاوزها لخلق محور جيو- سياسي تعيد من خلاله توزيع مناطق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.
الواقع العراقي والإقليمي
يعيش العراق والمنطقة المحيطة به واقعاً غاية في الارتباك لم يملك أساتذة الإستراتيجية إلاّ توصيفه بـ(السيولة الاستراتيجية) بسبب الحالة العالية من عدم الاستقرار وفقدان القدرة على التنبؤ بما هو قادم.
حالة عدم الاستقرار مردها حقيقةً الحرب الأميركية – (الإسرائيلية) على إيران، والتي كان لها انعكاسات أمنية واقتصادية كبيرة على مستوى المنطقة، إذ شهدت المنطقة ولأول مرة عمليات قصف متبادل بين دولها أوقفت حركة المطارات المدنية وتسبّبت في تعطّل كميات كبيرة من شحنات النفط المصدّر عبر مضيق هرمز ما تسبب بأزمة عالمية على مستوى إمدادات النفط.
هذا الأمر كان له أثره الكبير على العراق بسبب وجود مجموعات عراقية مسلحة مؤيدة لإيران تدخلت بشكل مباشر في هذه الحرب ضد الولايات المتحدة ومصالحها على مستوى العراق والمنطقة، بالتالي بات العراق جزءاً من الحرب وباتت الولايات المتحدة تضع تلك الفصائل ضمن قائمة أعدائها في المنطقة، لذا بات من أهدافها نزع سلاح تلك الفصائل ومحاولة تجريدها من غطاء الشرعية القانونية في العراق كون جزء من هذه الفصائل يشكّل جزءاً من قوات الحشد الشعبي.
هذا الأمر كان له إنعكاسه الكبير على مستوى الداخل العراقي، فالمطالبة الأميركية بحصر السلاح بيد الدولة وجدت صدى لها لدى جزء لا بأس به من المجتمع العراقي.
ثم ما لبثت أن رافقت هذه الحملة حملة لمكافحة الفساد تبنتها الحكومة العراقية الجديدة -على اعتبار أن إقامة أي شراكة إقتصادية مع الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن أن تتم إلاّ من خلال رفع معدلات النزاهة والشفافية على مستوى المنظومة الاقتصادية للبلاد- ليبدو المشهد العراقي مرتبكاً في ظل خطوات حكومية متصاعدة وباتت تثير اللغط على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة للعراق منذ العام 2003 التي صرّح بعض قادتها بعدم الثقة بقرارات الحكومة وغاياتها.
وبين واقع أمني وسياسي متوتر بات الضغط الأميركي يتصاعد وإن كان بطريقة “ناعمة” تلوّح بالعقوبات تارة وبالمكاسب المتوخاة من التجاوب مع الرؤية الأميركية تارة أخرى.
هنا وفي هذا التوقيت المهم جاءت زيارة السيد علي الزيدي إلى الولايات المتحدة والتي شهدت تطورات كبيرة على مستوى العلاقة بين البلدين لاسيما الاتفاقيات التي أبرمها العراق مع العديد من الشركات الأميركية فضلاً عن الرسائل التي أطلقها الزيدي من واشنطن وبيّنت نهجاً عراقياً جديداً في إدارة الدولة.
تعاون أم توظيف؟
مما لا شك فيه أن توقيع الاتفاقيات بين الدول يشكّل مؤشراً لتطوّر العلاقة فيما بينهما، فتوقيع العراق لـ(48) اتفاقاً مع شركات أميركية مهمة مثل (Chevron، Shell، Bp)، وفي مختلف القطاعات النفطية والطاقة الكهربائية والصناعات الدوائية بقيمة تصل لـ(60) مليون دولار هو دليل بداية لتعاون عراقي – أميركي ضمن هذه القطاعات الحيوية والمهمة.
كما أن التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء عند لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض من أن العراق يبحث عن شركاء مهميّن على مستوى القطاع الاقتصادي وقطاع الطاقة، وأنه لن يجد أهم من الولايات المتحدة ضمن هذا المجال، تؤكّد على وجود إرادة حكومية لتأسيس علاقة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية تتجاوز الجوانب الأمنية.
ما يعزّز التصوّر الحكومي في البحث عن هذه الشركات هو الموقف الحكومي من الأحداث السابقة التي شهدتها العلاقة مع الولايات المتحدة، لاسيما حادث استهداف القيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس قاسم سليماني والتي حاول رئيس الوزراء العراقي تجاوزها باعتبارها جزء من الماضي وأنه يتطلع للمستقبل.
لكن بمقابل ما تقدم وقّع العراق مع سوريا ممثلة بـ(الشركة السورية للنفط) مذكرة تفاهم بشراكة عدد من الشركات الأميركية لإعادة إحياء خط نقل النفط العراقي (كركوك – بانياس)، لكن بخريطة جديدة تربط نفط البصرة بمدينة حديثة بمدينة بانياس لنقل النفط العراقي منها إلى أوروبا.
هذا الخط المزمع إعادة تفعيله من المفترض أن يكون قادراً على نقل قرابة الـ(مليون) برميل نفطي يومياً، بالتالي تنويع منصات التصدير النفطي العراقي، لكن البعض لا يرى الأمر وفقاً للسياق الاقتصادي فحسب.
فتصريحات المبعوث الأميركي توم بارّاك تشير بوضوح إلى أن العراق سيشهد تحولاً على مستوى دوره في المنطقة لاسيما وأنه يتمتع بالمؤهلات التي تمكنه من لعب دور مركزي أكثر تأثير.
عليه، فالاتفاقيات بين الجانبين لا يمكن قراءتها كتعاون اقتصادي بين الجانبين فحسب، وإنما هي ترتيبات تتجاوز ذلك الأمر بكثير خصوصاً ونحن نتكلم عن حالة استقطاب كبير على مستوى المنطقة في ظل توتر أمني متصاعد.
ولما كان النموذج الاقتصادي الأميركي له مرتكزاته التي تميّزه عن النماذج الأخرى الصيني أو الروسي، بالتالي فدخول الشركات الأميركية على السوق العراقية وبلغة الخطاب التي اعتمدها رئيس الحكومة العراقية سيكون له بكل تأكيد إنعكاسه على مستوى منهج الدولة وطريقتها في إدارة الملف الاقتصادي.
كما أن إيجاد صيغ لربط الاقتصاد العراقي بشكل أكبر بالاقتصاد السوري لاسيما عبر ملف تصدير النفط سيكون له تأثيره الكبير على تقوية تأثير الدولتين في المنطقة، ومن الممكن أن يشهد طريق التنمية العراقي دفعة أكبر على مستوى الإنجاز بما يعضّد من العلاقات العراقية – الخليجية ويرفع من مكانة العراق على مستوى الدور الاقتصادي في المنطقة. وهذا ما تؤكده تصريحات توم بارّاك.
إن ما تمر به المنطقة في هذه المرحلة لا يمثل حدثاً عابراً أو لحظة اعتيادية، بل إنه يشير لتحوّل كبير قادم على مستوى التوازنات الإقليمية، ولما كانت هذه المنطقة تمثّل مركز الثقل لمصادر الطاقة -لاسيما النفط- في العالم، بالتالي فمن الصعوبة بمكان تخيّل تشكيلها بدون وجود اليد الأميركية، ومع تراجع الدور الإيراني في المنطقة والذي أظهرت الحرب معه أن الولايات المتحدة بحاجة لبناء شراكات حقيقية قادرة على ضبط الأمور في المرحلة القادمة فإن الاتفاقيات الأخيرة مع العراق يمكن وضعها ضمن هذا السياق لاسيما وأنها شملت جوانب استثمارية ولوجستية مهمة للجانبين.
عليه، فإننا نعتقد أن ما يحصل من تطور على مستوى العلاقات الأميركية – العراقية ليس عملية تعاون اقتصادي وحسب بل إنها محاولة لتشكيل دور عراقي جديد في المنطقة يصنع على أعين الولايات المتحدة الأميركية بما يحافظ على ديمومة إمدادات مصادر الطاقة ويؤسّس لمراكز قوى جديدة في المنط.
