محاربة الفساد بأساليب فاسدة

محاربة الفساد بأساليب فاسدة
تتطلب مكافحة الفساد جمع الأدلة وإصدار أوامر قضائية وصون حقوق المتهمين، لا التشهير والمحاكمات الإعلامية. فالنجاح الحقيقي يقوم على استقلال القضاء والشفافية والمؤسسات الرقابية، بما يحمي المال العام ويمنع تسييس العدالة وتقويض الثقة بالدولة...

لاشك إنّ كثير من العراقيين يطمحون ويأملون أن تقوم السلطات المختصة بتقديم الفاسدين إلى القضاء لينالوا جزائهم العادل.وجاءت حكومة الزيدي لتخطوا خطوات شجاعة في موضوع محاربة الفساد.

ربما لا يختلف اثنان على ضرورة محاربة الفساد، لكن الطريقة التي تم اتباعها غير قانونية وليست صحيحة بالمرة. لا أدافع عن الفاسدين، بل اريد أن تتبع الطرق القانونية والأصولية في القبض عليهم ومحاسبتهم.

قد يتساءل أحدنا ويقول : ما هي الطريقة الصحيحة في كشف الفساد ومحاربته؟

الطريقة القانونية الصحيحة هي أن الحكومة عندما تضع لها منهجاً في محاربة الفساد؛  تقوم أولاً بجمع الأدلة الحسية كاملة، وقد نجحت في هذه الخطوة إلى حد ما .

ثم بعد ذلك تقوم برفع دعوى قضائية مشفوعة بالأدلة والمستندات إلى السلطات المختصة ، ومن ثم يتم إصدار مذكرات إلقاء القبض عليهم بإيداعهم السجن أو ايقافهم على ذمة التحقيق  أو الإفراج عنهم حسب ما يراه قاضي التحقيق المختص، وبعد اكتمال التحقيق معهم ترفع الملفات والأدلة إلى المحاكم ليبت القضاء فيها برأيه أو حكمه.

ما شاهدناه هو أن الإعلام والناس قد حكموا عليهم بالفساد قبل أن يصدر القضاء قراره أو يدلي برأيه في صحة تلك الأدلة الاتهامية أو عدم صحتها. لقد استعرضهم الإعلام استعراضاً تشهيرياً مقصوداً، وتناولهم بالتجريح الصريح لساعات طويلة ، ولا أظن أن تلك الحملة الشعواء بريئة من أدران السياسة و أغراضها.

نعم لمحاربة الفساد، لكن بأساليب قانونية وأصولية …اكرر أننا جميعا نكره ونمقت الفساد وأهله، لكن ينبغي أن تكون الطرق والأساليب قانونية وليست مسيسة . وإذا لم يتم ضبط إيقاع سمفونية محاربة الفساد بالطرق القانونية، فربما  يأتي الدور مستقبلاً على الحكومة الحالية واتهامها بالفساد، لأنه لاتوجد ضوابط وضمانات قانونية .

إن نجاح أي استراتيجية وطنية في مكافحة الفساد لا يُقاس بعدد الموقوفين أو بزخم الحملات الإعلامية، بل بقدرتها على بناء منظومة مؤسسية تجعل الفساد سلوكًا عالي الكلفة ومنخفض العائد. فمحاربو الفساد الاقتصادي الحقيقيون هم الذين يرسخون قواعد الشفافية، ويعززون استقلال القضاء، ويحصنون المال العام عبر مؤسسات رقابية كفوءة لا عبر محاكمات إعلامية. إن الاقتصادات التي نجحت في اجتثاث الفساد لم تنتصر بالشعارات، وإنما بسيادة القانون وتكافؤ الإجراءات، لأن العدالة حين تُمارس بمعايير واحدة تصبح ركيزة للاستقرار الاقتصادي وجاذبًا للاستثمار، أما عندما تُستبدل بالأحكام المسبقة، فإنها تُنتج أزمة ثقة تُضعف الدولة مهما كانت نواياها الإصلاحية.

إنّ الفاسدين حتى لو ثبت فسادهم سيتمسكون بأذيال انتهاك حيثياتهم وحيثية عوائلهم من قبل الإعلام والفضاء المجازي قبل أن يصدر القضاء برأيه .

الفاسدون عاثوا وعبثوا ونهبوا بطرق غير قانونية، وينبغي أن ينالوا جزائهم ( بما كسبت أيديهم)  لكن ينبغي أن تكون الدولة حامية للقانون بتطبيق الأساليب الصحيحة، ونعم لمحاربة الفساد والمفسدين لكن بالطرق القانونية والأصولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *