إعلام الدولة والإعلام المتحزب وما بينهما ..

إعلام الدولة والإعلام المتحزب وما بينهما ..
يُعدّ الإعلام الوطني المتوازن ركيزة أساسية لحماية الاستقرار وبناء الثقة بالدولة، فيما يؤدي الخطاب الحزبي والتحريضي إلى تعميق الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية، خصوصًا في المجتمعات المتعددة التي تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة....

في الدول التي تعيش تحولات سياسية وأمنية معقدة، يصبح الإعلام الداخلي أحد أهم أدوات الإستقرار أو الفوضى، فحين يتحول الخطاب الإعلامي من وسيلة لبناء الوعي الوطني إلى منصة للصراع الحزبي والتعبئة الفئوية، تبدأ مؤسسات الدولة بفقدان قدرتها على صناعة الثقة، ويتحول المواطن إلى متلقٍ للإنقسام بدل أن يكون شريكًا في بناء الهوية الوطنية، العراق اليوم يقف أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بطبيعة الخطاب الإعلامي السائد داخل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، إذ ما زالت بعض المنصات تتعامل بعقلية الإنتماء السياسي الضيق، وتقدم مصالح الأحزاب على حساب مفهوم الدولة، هذه الإشكالية لا تتعلق بحرية الرأي، بل بغياب التوازن بين التعددية السياسية وبين الحاجة إلى خطاب وطني جامع يحمي السِلم المجتمعي ويعزز ثقة الناس بالدولة.

إن ضبط الإعلام الداخلي لا يعني فرض الرقابة أو تكميم الأفواه، من أي جهة كانت، بل يعني وضع معايير مهنية ووطنية تمنع تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات للتحريض أو تصفية الحسابات السياسية؛ فالدولة التي تسمح بإنقسام خطابها الإعلامي تفقد تدريجيًا قدرتها على إدارة الرأي العام، خصوصًا في الأزمات الأمنية والإقتصادية والسياسية.

الخِطاب الوطني المطلوب اليوم يجب أن يقوم على عدة مرتكزات أساسية، أولها ترسيخ مفهوم المواطنة فوق الإنتماءات الفرعية، وثانيها الإبتعاد عن لغة التخوين والكراهية، وثالثها تعزيز الثقة بالمؤسسات بدل ربط كل إنجاز أو إخفاق بالأحزاب والتيارات، فالإعلام الذي يربط الدولة بالأشخاص لا يبني وطن، بل يصنع ولاءات مؤقتة تتغير بتغير المصالح والتحالفات، كما أن تبنّي خطاب وطني يُسهم في حماية النسيج الإجتماعي من الإنقسام، خصوصًا في المجتمعات المتعددة مثل العراق، حيث يمكن للكلمة غير المسؤولة أن تتحول إلى أزمة مجتمعية أو سياسية خلال ساعات؛ ولهذا فإن الإعلام الوطني لا يُقاس بمدى دفاعه عن السلطة أو المعارضة، بل بقدرته على حماية الإستقرار وكشف الحقائق دون إنحياز أو تحريض.

من المهم أيضًا إعادة تعريف دور الإعلام الرسمي، ليكون ممثلًا للدولة لا للحكومات المتعاقبة، فالحكومة تتغير، أما الدولة فتبقى، وعندما يشعر المواطن أن الإعلام الرسمي يتحدث بلغة حزب أو جهة معينة، فإنه يفقد ثقته به ويتجه نحو الإعلام الخارجي أو المنصات غير المنضبطة، وهو ما يفتح الباب أمام الشائعات والحروب النفسية والتأثيرات الخارجية، إن المرحلة المقبلة في العراق والمنطقة تتطلب خطابًا عقلانيًا هادئًا، يبتعد عن الإنفعال والتجييش، ويركز على المصالح العليا للدولة فالتحديات الإقتصادية والأمنية والإقليمية لا يمكن مواجهتها بإعلام منقسم، بل بإعلام يعزز الوحدة الوطنية ويقدم المصلحة العامة على الحسابات السياسية الضيقة، وفي النهاية، فإن بناء الدولة لا يبدأ فقط من السلاح والإقتصاد والسياسة، بل يبدأ أيضًا من الكلمة، والكلمة حين تكون وطنية ومسؤولة، تصبح جزءًا من الأمن القومي، أما حين تتحول إلى أداة حزبية ضيقة، فإنها قد تهدم ما تبنيه الدولة في سنوات طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *