هل باتت منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى إزاحة طبقات سياسية؟ في الشرق الأوسط، لا تبدو الأزمة محصورة في صراع النفوذ بين الدول، ولا في الحروب الممتدة من غزة إلى اليمن وسوريا والعراق، بل في شيء أعمق وأكثر تعقيدًا: أزمة الأجيال السياسية الحاكمة، فبعد عقود طويلة من هيمنة النخب التقليدية، بدأت المنطقة تدخل مرحلة يمكن وصفها بـ”الإزاحة الجيلية”، أي إنتقال مركز القرار من طبقات سياسية أنهكتها الصراعات والشعارات القديمة إلى أجيال جديدة تبحث عن الدولة والخدمات والإستقرار والهوية الوطنية.
هذه التحولات لا تحدث فجأة؛ لكنها تتسارع كلما إتسعت الفجوة بين المجتمع والطبقة السياسية، ففي معظم دول الشرق الأوسط، وخصوصًا العراق، هناك شعور متزايد بأن الأنظمة السياسية ما زالت تُدار بعقلية التسعينيات، بينما المجتمعات تعيش تحديات القرن الحادي والعشرين، والعراق مثال واضح على هذا التحول، فالطبقة السياسية التي جاءت بعد عام 2003 تأسست على معادلات “المظلومية” و”المحاصصة” و”التوازنات المكوناتية”، وإستطاعت لسنوات أن تُمسك بالمشهد عبر تحالفات القوة والسلاح والمال والنفوذ الخارجي، لكن الجيل العراقي الجديد، الذي وُلد أغلبه بعد التغيير، لم يعد ينظر إلى السياسة بذات المنظار القديم، هذا الجيل لا يسأل عن التأريخ الحزبي بقدر ما يسأل عن فرص العمل، والكهرباء، والتعليم، والكرامة، وهيبة الدولة، لذلك فإن إحتجاجات تشرين عام ٢٠١٩ لم تكن مجرد تظاهرات مطلبية، بل كانت أول إعلان صريح عن رفض الجيل الجديد للطبقة السياسية التقليدية بكل عناوينها.
الإزاحة الجيلية هنا لا تعني فقط إستبدال الوجوه، بل إستبدال العقل السياسي نفسه، فالكثير من القوى التقليدية ما تزال تتعامل مع الدولة بإعتبارها غنيمة أو مساحة نفوذ، بينما الجيل الجديد يريد دولة مؤسسات لا دولة زعامات، وفي الشرق الأوسط عمومًا، بدأت تظهر مؤشرات هذا التحول بوضوح، بعض دول المنطقة إتجهت نحو إنشاء مشروع شبابي إقتصادي مختلف عن الخطاب التقليدي القديم، وتبنت نموذج الدولة التكنولوجية والإقتصادية، وفي إيران، رغم القبضة الصارمة، تتصاعد فجوة كبيرة بين الجيل الحاكم والجيل الشاب، أما في لبنان والعراق، فإن الأزمة أكثر تعقيدًا لأن النظام السياسي نفسه قائم على توازنات تأريخية تجعل عملية التغيير بطيئة ومؤلمة.
السؤال الأهم ليس: هل تحتاج المنطقة إلى إزاحة طبقات سياسية؟ بل: هل تستطيع هذه الطبقات التكيّف قبل أن تُزاح قسرًا؟
التأريخ يقول إن الأنظمة التي تفشل في تجديد نفسها تنتهي بالإنفجار أو الإنهيار التدريجي؛ والإشكالية في الشرق الأوسط أن كثيرًا من القوى الحاكمة ما تزال تعتقد أن السيطرة الأمنية أو النفوذ المالي كافيان لضمان البقاء، بينما الواقع يشير إلى أن التحولات الإجتماعية أعمق بكثير من أدوات الإحتواء التقليدية، وفي العراق تحديدًا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إنتقال سياسي هادئ ومنظم نحو جيل جديد يمتلك رؤية دولة لا رؤية سلطة، لأن إستمرار العقلية الحالية يعني بقاء الأزمات ذاتها: فساد، بطالة، إقتصاد ريعي، سلاح منفلت، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة.
بالطبع الإزاحة الجيلية لا تنجح بالشعارات وحدها، فالجيل الجديد نفسه يحتاج إلى مشروع وطني واضح، وإلى نخب تمتلك الخبرة والكفاءة، لا مجرد خطاب إحتجاجي، إذ إن إسقاط الطبقات القديمة دون بناء بديل حقيقي قد يقود إلى فوضى أخطر من الواقع الحالي، فالشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق:
إما إعادة إنتاج الأنظمة القديمة بوجوه جديدة، وإما ولادة عقد سياسي مختلف يقوم على الدولة الوطنية والتنمية والهوية الجامعة.
وفي العراق، قد تكون السنوات المقبلة حاسمة في تحديد وقت طويل بين جيل يريد المستقبل وطبقة ما تزال أسيرة الماضي.


