في أروقة الصحافة، تلك المهنة التي لطالما لُقبت بـ “مهنة المتاعب” وباتت تُعرف بالسلطة الرابعة، يبرز اليوم تساؤل أخلاقي يطارد كل من يحمل قلماً: هل نحن مصلحون نسعى لكشف الواقع، أم مجرد أصداء صوتية تُردد ما يمليه أصحاب النفوذ السياسي والاجتماعي ؟ إن الفارق بين الصحفي الحقيقي وبين “البوق” ليس مجرد اختيار مهني، بل هو معركة ضارية بين الضمير الذي يسعى للتنوير، وبين الانتهازية التي تبيع الكلمة لمن يدفع أكثر.
إن الكتابة في زمن تفشي الفساد وتغلغل العلاقات المشبوهة تتطلب شجاعة من نوع خاص، فهي لم تعد مجرد نقل للأخبار، بل أصبحت محاولة لانتزاع الحقيقة من بين مخالب “المتلاعبين”. هؤلاء الذين يرتدون أقنعة سياسية واجتماعية براقة لكنهم في الجوهر يفتقرون للضمير والتعاطف، يديرون المؤسسات لا لنشر الوعي، بل لتوجيه عقول الناس نحو مسارات تخدم مصالحهم الضيقة. وهنا تبرز أهمية أن يتسلح الإعلامي بالمعارف الكبرى( الإلمام العميق بعلوم الفلسفة، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والسياسة، بالإضافة إلى الثقافة الأدبية الواسعة التي تمنح الصحفي القدرة على ربط الأحداث ببعضها وفهم المحركات العميقة للمجتمعات بعيداً عن السطحية)؛ فالحقد الشخصي أو السطحية المعرفية هما ألد أعداء الحقيقة، إذ يحولان الصحفي إلى أداة مشوهة للواقع بدلاً من أن يكون عيناً فاحصة له.
وفي خضم هذا الضجيج الإعلامي، سقط “الهامشيون” من حسابات القلم؛ أولئك الفقراء القابعون في زوايا النسيان، من عمال الأفران الذين تصهر النيران أعمارهم ، إلى الأمهات الكادحات اللواتي يطبخن الصبر في بيوت الصفيح و”الصرايف” والخرائب المنسية. هناك، حيث يركض أطفال حفاة بأسملة بالية، تلوح في خلفية مشهدهم نيران آبار النفط المشتعلة التي لا تدفئ شتاءهم، وبينما تنحني قامات النساء والأطفال بحثاً عن لقمة العيش في تلال النفايات، ترتفع في الأفق البعيد أسوار الفيلات والقصور الفارهة. هذا التناقض الصارخ هو “الحقيقة” المغيبة التي تسعى المنظومة جاهدة لدفعها نحو النسيان، واستبدال أنين هؤلاء بمحتوى تافه يُخدر الوعي ويُجمل القبح.
هؤلاء هم جوهر الحقيقة المغيبة، لكن المنظومة الحالية تسعى جاهدة لدفعهم نحو زوايا النسيان، واستبدال قضاياهم المصيرية بمحتوى تافه وغراميات زائفة تُخدر الوعي الجمعي. إن وظيفة الصحفي ليست مداهنة الجمهور بمقالات “ناعمة” تدعو للبلادة والنسيان، بل وظيفته هي هز الركود الفكري وكشف الزيف مهما كان الثمن.
إن الوصول إلى الحقيقة في بيئة فاسدة يحتاج إلى “ذكاء السرد”، فليس كل ما يُعرف يُقال مباشرة، بل أحياناً يكون الالتفاف الفني واستخدام القصص الرمزية أشد تأثيراً وأنفذ من الرقابة . الحقيقة قد لا تكون مطلقة أبداً، لكن السعي خلفها هو ما يمنح الصحفي كرامته. عندما يرفض الإعلامي أن يكون سلعة معروضة في سوق الولاءات، ويحول نفسه إلى نموذج مطلوب لكفاءته ونزاهته، فإنه حينها فقط يبني درعاً يحمي به نفسه ويصون به أمانة الكلمة، ليظل صوتاً للفقراء والمحرومين، لا صدى لقصور الأقوياء.


