في الخطاب السياسي والفكري، كثيراً ما تُقرأ العبارات وفق اللحظة الآنية، بينما تحمل بعض الإشارات أبعاداً أعمق تتجاوز الحدث المباشر.
ومن بين العبارات التي أثارت جدلاً واسعاً، استشهاد سماحة الشيخ قيس الخزعلي بالآية الكريمة:
﴿وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾.
تعددت التفسيرات حول المقصود من عبارة “ولي فيها مآرب أخرى”، وذهب كثيرون إلى ربطها بما جرى داخل مجلس النواب أو بالسياق السياسي القريب. غير أن المتابعين لشخصية سماحته، والقريبين من منهجه الفكري، يدركون حجم حضوره في التدبر القرآني، وطبيعة اللغة التي يعتمدها في الإشارة والتلميح، حيث تأتي المفردة عنده محمّلة بدلالات أوسع من ظاهرها السياسي المباشر.
فالآية الكريمة مرت بثلاث مراحل واضحة:
“أتوكأ عليها”، ثم “أهش بها على غنمي”، ثم “ولي فيها مآرب أخرى”.
وإذا ما أُسقط هذا البناء القرآني على القراءة السياسية، فإن الجزء الأول يعكس مرحلة الارتكاز والثبات وإدارة التوازنات، وهي مرحلة تبدو وقد تم التعبير عنها بالفعل في أكثر من موقف ومحطة. أما الجزء الثاني “أهش بها على غنمي”، فيحمل معنى الرعاية والتنظيم والحفاظ على الجماعة وإدارتها بحكمة ومسؤولية.
أما “المآرب الأخرى”، فهي التعبير الأعمق والأكثر اتساعاً؛ تعبير يحمل أفقاً استراتيجياً يتجاوز حدود اللحظة، ويرتبط بمشاريع ورؤى بعيدة المدى، قد لا تكون قابلة للشرح الكامل ضمن سياق سياسي سريع أو سجال إعلامي متقلب. ولهذا جاءت العبارة بصيغة مفتوحة، تاركة مساحة للتأمل والفهم المتدرج.
ومن يعرف شخصية الشيخ قيس الخزعلي يدرك أن خطابه كثيراً ما يُبنى على طبقات من المعاني؛ ظاهرٌ يفهمه الجميع، وباطنٌ يحتاج إلى قراءة أهدأ وإحاطة أوسع بالسياق الفكري والثقافي الذي يتحرك ضمنه. لذلك، فإن اختزال العبارة في حدث آني أو تفسير محدود قد يُفقدها بعدها الرمزي والفكري الذي أراد الإشارة إليه.
وفي السياسة كما في الفكر، تبقى بعض الرسائل أكبر من أن تُقرأ بعين اللحظة وحدها، لأنها تُكتب بلغة الزمن الطويل.


