في مثل هذا اليوم يستعيد العراقيون واحدةً من أسمى صفحات تاريخهم المعاصر؛ يوم تجلّى فيه الصبرُ والإرادةُ والشجاعةُ في أبهى صورها، يوم انتصرت فيه روحُ الوطن على الظلام، وغلبَ فيه الحقُّ وحشيةَ داعش التي أرادت أن تُطفئ نور العراق فلم تستطع.
لقد تحقق نصرُنا بعزيمة الشجعان الذين حملوا أرواحهم على الأكُف دفاعاً عن الأرض والشعب؛ مقاومتُنا الأبيّة، ومقاتلو القوات المسلحة والحشد الشعبيّ والشرطة الإتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب، وكلُّ صنوف قواتنا البطلة رسموا بدمائهم خارطةَ العراق الجديدة؛ عراقاً
لا ينكسرُ أمام التحديات
ولا يُساوم على كرامته.
التلاحمُ الوطنيُّ ركيزةُ النصر
وتحققَ النصرُ بغيرة أبناء العراق؛ تلك الغيرة التي
لا تُشترى ولا تُورَث، انما تنبعُ من جذورٍ ضاربةٍ في عمقِ التاريخ، حيث يقفُ الرجالُ عند لحظة النداء ليسألوا أنفسهم: إن لم نحْمِ وطننا… فمن يفعل؟
كما كان للنصرِ وجهٌ آخر أكثر قدسية؛ دماءُ الشهداء التي أزهرت على تراب الوطن، وصبرُ الأمهات اللواتي قدّمن فلذات الأكباد بثبات يشبه ثبات الجبال.
ولولا صمودُ جرحانا الذين عادوا إلى ساحات القتال رغم الألم، لما اكتملت حكايةُ النصر.
التحولاتُ الأمنيةُ بعدَ التحرير
ولم يكن الانتصار عسكرياً فحسب؛ فقد تجسدت فيه صلابةُ أهل الوسط، وبطولاتُ أبناء الجنوب الذين حملوا عبءَ المواجهة وكتبوا بدمائهم الطريقَ إلى الحرية.
لقد أثبت العراقيون في تلك اللحظة التاريخية أن قوة الدول لا تُقاس بحجم ترسانتها، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى قدرة سياسية واجتماعية خلاقة. كما أظهر النصر أن المجتمع العراقي قادر على إنتاج منظومة صمود تتجاوز الانقسامات حين يكون التهديد وجودياً.
وقد شكّل هذا التحوّل قاعدة لإعادة بناء الشرعية الوطنية على أسس المشاركة لا الإقصاء. وبذلك أصبح يوم النصر محطة لإعادة تعريف الدولة العراقية ضمن سياق توازنات إقليمية معقدة. كما دفع هذا الانتصار النخبة السياسية إلى مراجعة بنى الحكم التقليدية وتقويم مسار المؤسسات بما ينسجم مع متطلبات الأمن المستدام. وأتاح للعراق فرصة إعادة صياغة دوره الإقليمي عبر تعزيز أدوات القوة الناعمة وربطها بمصالح اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد. وباتت ذكرى النصر إطاراً مفاهيمياً يعيد توجيه النقاش الوطني نحو أولويات الدولة الحديثة بدل الاستنزاف في صراعات الهويات الضيقة.
إنَّ يوم النصر على داعش هو ذكرى تُعيد للعراقِ روحهُ المُشرقة، وعهدٌ يتجدّد بأن تبقى البلادُ حرّةً مَنيعة، وأن تظلّ عيونُ الرجال ساهرةً كي لا تمتدّ يدٌ تعبثُ بأمنهِ واستقراره.
وهكذا…
سيظلّ هذا اليوم شاهداً على أنّ العراقِ مهما اشتدت عليه العواصف يمتلك من الإرادة ما يكفي ليقفَ من جديد، وأنّ أبناءه قادرون على حمايةِ أرضِهم وصناعة مستقبلهم مهما غَلت التضحيات.


