1.تمهيد
(أطروحة الحكومة العراقية التاسعة في تشخيص إشكالية الانتقال الاقتصادي)
للانتقال إلى تحليل المطارحات الفكرية التي جاءت بها توجيهات السيد رئيس الوزراء في (16-5-2026)، والتي انصبت على إعادة تعريف اقتصاد السوق، ينبغي اعتماد تحليل بنيوي لازدواج الاقتصاد في العراق، استناداً إلى البديهيات المتأصلة في كينونة الاقتصاد العراقي، وعلى النحو الآتي:
في هذا السياق، اكتسب التوجيه الصادر في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 16-5-2026 أهمية تحليلية خاصة، إذ قدّم السيد رئيس الوزراء توصيفاً مكثفاً للحظة الاقتصاد العراقي قائلاً:
“لدينا اقتصادان، اقتصاد قديم يرفض أن يموت، واقتصاد حديث يرفض أن يولد، وما أمامنا إلا التخلص من الاقتصاد القديم والبدء باقتصاد السوق”.
وفي ضوء ذلك نُنوّه بما يأتي:
أ- تُعد التحولات الاقتصادية في الدول الريعية تحولات بنيوية تمس طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع، ولا يمكن اختزالها في سياسات مالية أو إصلاحات قطاعية.
ب- لا يُفهم النص الفكري الحكومي في الإصلاح والتغيير الاقتصادي بوصفه خطاباً سياسياً فحسب، بل باعتباره تكثيفاً مفاهيمياً لحالة “ازدواج اقتصادي بنيوي”، تتعايش فيه منظومتان متناقضتان: منظومة ريعية مهيمنة تستمد استمرارها من شبكات توزيع الدولة للثروة النفطية، ومنظومة سوق ناشئة لم تكتمل شروطها المؤسسية والاجتماعية بعد.
ج- لذا تتناول هذه الورقة كينونة التوجيه الصادر في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 16-5-2026 بوصفه تعبيراً عن أزمة تحوّل بنيوي في اقتصاد ريعي، وليس مجرد توصيف ظرفي. وتعتمد الورقة على أطر نظرية لدى كبار الفلاسفة والمنظرين مثل غرامشي، آدم سميث، كينز، وشومبيتر، لتفسير طبيعة الازدواج الاقتصادي وحدود الانتقال نحو اقتصاد السوق في السياق العراقي. كما تحاول البرهنة على أن الاقتصاد العراقي يمثل بنية هجينة تتسم بانسداد تاريخي بين نموذج ريعي مهيمن واقتصاد سوق ناشئ غير مكتمل، وأن التحول يتطلب إعادة تعريف دور الدولة وبناء مؤسسات سوق قادرة على إدارة الانتقال.
وبهذا تهدف الورقة في الوقت نفسه إلى تفكيك هذا التوصيف عبر أبرز مقاربات الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والمعاصر، وإعادة بناء فهم أكثر تركيباً لطبيعة التحول الاقتصادي في العراق.
2- الإطار النظري والأكاديمي في الاقتصاد السياسي.
2.1 غرامشي: الأزمة العضوية وبنية الهيمنة
يقدم المفكر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي في كتابه دفاتر السجن (Prison Notebooks) مفهوم “الأزمة العضوية” لتفسير الحالات التي تفقد فيها البنى السائدة قدرتها على إنتاج الشرعية والاستقرار، دون أن يمتلك البديل قدرة مكتملة على التبلور.
في هذا الإطار، يمكن فهم “الاقتصاد القديم” بوصفه امتداداً (لهيمنة ريعية ) تعتمد على الدولة كموزّع مركزي للثروة النفطية.
وتكمن قوة هذا النموذج في أنه لا يستند إلى الكفاءة الإنتاجية، بل إلى شبكة مصالح مؤسسية واجتماعية تجعل من استمراره خياراً وظيفياً للاستقرار السياسي، رغم محدوديته التنموية.
2.2 آدم سميث: شروط تعطل السوق
يرى آدم سميث في كتابه ثروة الأمم (The Wealth of Nations) أن اقتصاد السوق يقوم على تقسيم العمل والمنافسة وحرية التبادل ضمن إطار مؤسسي يحمي العدالة الاقتصادية.
غير أن الاقتصاد الريعي يعيد تشكيل وظيفة الدولة من منظم للسوق إلى موزّع مباشر للدخل.
ومن ثم فإن “الاقتصاد الحديث” المشار إليه في التوجيه الحكومي يمثل محاولة لإعادة بناء شروط السوق، وليس مجرد توسع في النشاط الخاص، في ظل غياب بنية مؤسسية مكتملة تسمح بعمل آليات السوق بكفاءة.
2.3 كينز: الطلب الفعّال واختلال البنية الإنتاجية
وفقاً لجون ماينارد كينز في كتابه النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود (The General Theory of Employment, Interest and Money)، فإن الاستقرار الاقتصادي يعتمد على توازن الطلب الكلي والاستثمار.
في الاقتصادات الريعية، تتحول الدولة إلى المصدر الأساسي للطلب عبر الإنفاق العام، ما يؤدي إلى نمط اقتصادي استهلاكي منخفض الإنتاجية.
وفي الحالة العراقية، يخلق ذلك اختلالاً بنيوياً يتمثل في هيمنة الدولة على الطلب مقابل ضعف قدرة القطاع الخاص على توليد الاستثمار والإنتاج، وهو ما يعيق تشكّل اقتصاد سوق مستدام.
2.4 شومبيتر: التدمير الخلّاق وإشكالية الانتقال
يطرح جوزيف شومبيتر في كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية (Capitalism, Socialism and Democracy) مفهوم “التدمير الخلّاق”، الذي يرى أن الرأسمالية تتطور عبر عملية مستمرة من الابتكار تؤدي إلى زوال صناعات قديمة وظهور أخرى أكثر كفاءة.
غير أن تطبيق هذا المفهوم في سياق ريعي يواجه تعقيداً، لأن الاقتصاد القديم ليس بنية إنتاجية فقط، بل منظومة اجتماعية–سياسية لتوزيع الدخل والاستقرار.
ومن ثم فإن التحول يصبح عملية عالية الكلفة تتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين التفكيك والبناء.
2.5 Acemoglu وRobinson: (المؤسسات الاستخراجية)
يقدّم دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما لماذا تفشل الأمم (Why Nations Fail) تفسيراً يعتمد على دور المؤسسات في إنتاج التنمية أو الفشل.
وبحسب أطروحتهما، فإن الحالة العراقية تُفسَّر بوجود مؤسسات سياسية واقتصادية استخراجية تعتمد على الريع النفطي بدل الإنتاج الحقيقي.
وقد جعل النفط الدولة أقل اعتماداً على المواطنين وأكثر اعتماداً على توزيع الوظائف والموارد لكسب الولاءات، مما أدى إلى:
-ضعف المحاسبة.
-انتشار الفساد .والمحاصصة.
-تراجع القطاع الخاص.
-بقاء السلطة والثروة بيد نخب سياسية.
وبذلك فإن المشكلة ليست نقص الموارد، بل طبيعة إدارة السلطة والثروة عبر مؤسسات تعيد إنتاج الفشل.
ومع ذلك، لا يرى الكاتبان أن الدول محكومة بالفشل، بل يؤكدان أن التحول ممكن عند توفر:
-مؤسسات شاملة.
-توازنات تمنع احتكار السلطة.
-مجتمع قادر على المحاسبة
-اقتصاد أقل اعتماداً على الريع.
3- تحليل الحالة: الاقتصاد العراقي كنموذج هجين
أ- منهجية الدراسة
تعتمد الورقة على منهج التحليل النظري–التفسيري، باستخدام التوجيه الحكومي كمدخل مفاهيمي لتحليل البنية الاقتصادية، مع اعتماد المقارنة النظرية بين الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والمعاصر.
ب- توصيف الاقتصاد العراقي
يمكن توصيف الاقتصاد العراقي بأنه اقتصاد هجين يتسم بالآتي:
- هيمنة نموذج ريعي يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة
- ضعف القطاع الخاص الإنتاجي واعتماده الجزئي على الإنفاق الحكومي
- توسع الاقتصاد غير الرسمي كآلية تكيف اجتماعي
- محدودية البنية المؤسسية الداعمة لاقتصاد السوق التنافسي
وفي هذا السياق، يعكس التوجيه الحكومي في 16-5-2026 إدراكاً رسمياً لوجود ازدواج اقتصادي بين نموذج ريعي مهيمن ونموذج سوق ناشئ غير مكتمل، ما يضع الاقتصاد في حالة “تعليق تاريخي” بين نظامين إنتاجيين.
ج- دلالة التوجيه الحكومي: إعادة تعريف دور الدولة
لا يقتصر التوجيه على التشخيص، بل يحمل دلالة لإعادة تعريف وظيفة الدولة الاقتصادية، بحيث تنتقل من:
دولة موزعة للريع إلى دولة منظمة ومحفزة لإنتاج القيمة
ويعني ذلك إعادة تموضع الدولة ضمن ثلاث وظائف أساسية:
اولا : تنظيم الأسواق ومنع الاحتكار.
ثانيا : تحفيز الاستثمار والإنتاج.
ثالثا: إدارة التحول الاجتماعي المصاحب لإعادة الهيكلة الاقتصادية.
وبهذا المعنى، فإن اقتصاد السوق لا يعني انسحاب الدولة، بل إعادة تشكيل دورها ضمن إطار إنتاجي.
-
الاستنتاجات
يمكن الاستنتاج أن التوجيه الحكومي الصادر في 16-5-2026 في ضوء كلمة السيد رئيس الوزراء وعبارته الشهيرة
((لدينا اقتصادان ،اقتصاد قديم يرفض أن يموت، واقتصاد حديث يرفض أن يولد، وما أمامنا إلا التخلص من الاقتصاد القديم والبدء باقتصاد السوق))
يعكس إدراكاً لمأزق “أزمة التحول البنيوي” في الاقتصاد العراقي، حيث يتعايش اقتصاد ريعي مهيمن مع اقتصاد سوق ناشئ غير مكتمل.
كما أن التحدي الأساسي لا يكمن في إعلان الانتقال نحو اقتصاد السوق، بل في إدارة هذا التحول ضمن بيئة مؤسسية واجتماعية معقدة، بما يضمن تفكيك البنية الريعية تدريجياً دون صدمات اجتماعية حادة، مع تهيئة شروط ولادة اقتصاد إنتاجي مستدام.
وبذلك فإن جوهر الإشكال لا يتمثل في اختيار نموذج اقتصادي بديل، بل في هندسة مسار انتقالي من منطق الريع إلى منطق الإنتاج.
فالنتيجة الأساسية:
إن الانتقال إلى اقتصاد السوق لا يعني تقليص دور الدولة، بل إعادة تعريفه من دولة توزع الريع إلى دولة تنظّم الإنتاج وتبني مؤسسات اقتصادية شاملة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
بل في إدارة هذا التحول ضمن بيئة مؤسسية واجتماعية معقدة، بما يضمن تفكيك البنية الريعية تدريجياً دون صدمات اجتماعية حادة، مع تهيئة شروط ولادة اقتصاد إنتاجي مستدام.
وبذلك فإن جوهر الإشكال لا يتمثل في اختيار نموذج اقتصادي بديل، بل في هندسة مسار انتقالي من منطق الريع إلى منطق الإنتاج.
فالنتيجة الأساسية:
إن الانتقال إلى اقتصاد السوق لا يعني تقليص دور الدولة، بل إعادة تعريفه من دولة توزع الريع إلى دولة تنظّم الإنتاج وتبني مؤسسات اقتصادية شاملة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
انتهى
بعض المصادر والمراجع
1- Gramsci, A. Prison Notebooks-1939
2- Smith, A. The Wealth of Nations1776
3- Keynes, J. M. The General Theory of Employment, Interest and Money-1936
4- Schumpeter, J. A. Capitalism, Socialism and Democracy-1942
5- Acemoglu, D. & Robinson, J. Why Nations Fail-2012
مظهر محمد صالح/ الاقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق: رؤية في المشهد الاقتصادي العراقي الراهن-منشورات بيت الحكمة 2013ئبغداد في 17-5-2016


