“إذا كان الغراب دليل قوم سيهديهم إلى دار الخراب”
من يظن أن مستقبل العراق مرهون بتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة، فهو غافل عن حقيقة تاريخية ثابتة. فقد لعبت أمريكا دور “الشرطي” في العراق سنوات طويلة، لكنها لم تخدمه يومًا، بل كانت سببًا في تدمير بناه التحتية وقتل مئات الآلاف من أبنائه. السماح لها بمزيد من التدخل لا يعني سوى فتح أبواب لمخاطر جديدة ونتائج كارثية.
التجربة شاهدة على ذلك: كلما زاد التدخل الأمريكي، عادت الطائفية والاقتتال الداخلي. وعند اشتداد الأزمة، يظهر “المعلم الكبير” ـ أمريكا ـ متخفيًا، ليقدّم نفسه كمنقذ مقابل المال والتنازلات، وقد يكون الثمن تقسيم البلد إلى أجزاء وتركه فريسة لنهب الثروات.
وقد لخّصت المرجعية الدينية هذه الحقيقة بقولها:
“أي طرف خارجي، بأي اتجاه، يحوِّل البلد إلى ساحة صراع وتصفية حسابات بين قوى دولية وإقليمية، سيكون الخاسر الأكبر فيها هو الشعب.”
يا إخوتي، أمريكا لا تريد للعراق إلا أن يكون محطة خانعة لمصالحها. وهي لا تعرف حدودًا في الاستحواذ، فقد أثبتت السنوات الماضية أنها شرّ مطلق لا يُرجى منه خير. لذلك يجب أن ندرك أن الطريق معها دموي وشائك، لا يقود إلا للخراب.
أما الحل الواقعي فليس في الخارج بل في الداخل. المرجعية الرشيدة وضّحت ذلك بقولها:
“إن معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب العراقي الكريم إنما هي معركة وطنية تخصه وحده، والعراقيون هم من يتحملون أعباءها الثقيلة، ولا يجوز السماح بأن يتدخل فيها أحد، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئيه أصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه.”
هذا القول يرسم خارطة طريق واضحة: يبدأ الإصلاح من الفرد بإصلاح نفسه والتأثير في محيطه. ثم بالعمل وفق الأسس الأخلاقية في كل مهنة. بعد ذلك يأتي دور المؤسسات الحكومية في أداء واجبها الحقيقي، ولاسيما المؤسسات التعليمية. كما أن المؤسسات الدينية والثقافية مطالبة بتعزيز وعي الشباب وتنمية قدراتهم، إضافة إلى دور الآباء في متابعة الأبناء وإرشادهم نحو الصلاح.
أما القيادة، فلا يجوز أن تكون مجهولة أو مفروضة من الخارج. القيادة الحقيقية يجب أن تنبثق من إرادة الشعب واختياره الحر. العراقيون هم من يخططون لمستقبلهم، ويحددون النهج الذي يسيرون فيه.
أن مستقبل العراق لن يُرسم بيد قوة عظمى، ولا بإرادة خارجية، بل بوعي شعبه وإصراره على الإصلاح الداخلي. التاريخ علّمنا أن الاستقواء بالخارج لا يجلب إلا الخراب، بينما الاعتماد على الذات يفتح أبواب النهضة الحقيقية. فلنكن نحن من يرسم الطريق، لا أن ننتظر غرابًا عطشانًا يقودنا إلى دار الخراب.


