صور من التسامح والتعايش السلمي في بعضٍ من رسائل الإمام علي (ع) إلى عمالِهِ

منذ بزوغ فجر الخليقة والبشرية تَئِّنُ من سياط الظلم والجور، وتتطلع إلى عالم لا يسوده التمييز والتجاوز والاعتداء، وفي تراثنا كثير من هذا الظلم والتجاوز ولكن.....

المقدمة :

ربما لا توجد مجتمعات مسكونة بهاجس التراث كالمجتمعات الإسلامية، فهي تعيش حنيناً إلى الماضي لا حدود له، إذ أمسى ذلك التراث قيداً يُكَبّل حاضرها ويلغي مستقبلها، وأمضى هذا الحنين والتمجيد للتراث مصدراً لطائفة من الالتباسات والخلط في الرؤية بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين بوصفه تسامحاً للروح وتجسيداً للقيم النبيلة، والتراث بوصفه نتاجاً بشرياً يرتبط عضوياً بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، إذ أنّنا مازلنا نعيش تحت وطأة التراث ولا نستطيع الإفلات منه ما لم ندرك أنّ التراث يتمثل في مجموعة معانٍ، وأنّ هناك شروطاً مهمة لإنتاج كل معنى، ومن الضروري تحليل تلك الشروط ورصد صيرورتها التأريخية والأنساق التي تحركت فيها، ومن أجل الوقوف على الصفحات المشرقة من تراثنا وتاريخنا لتؤهلنا إلى أن نعيد النظر في أنفسنا من جديد، وفي رسائل الإمام علي (ع) إلى عمالِهِ كثير من هذا التاريخ المشرق، فدرست بعض هذه الرسائل مستخرجاً منها صور التسامح والتعايش السلمي ومقاومة الظالم ونصرة المظلوم ومعنى الإنسانية والعدالة الاجتماعية التي نادى بها الإمام علي (ع). 

التمهيد :

جذور التسامح والتعايش السلمي في التراث العربي الإسلامي

لم يرد ذكر التسامح لفظاً في القرآن الكريم، لكن الشريعة الإسلامية ذهبت إلى ما يفيد معناه، وقد جاء ما يقاربه أو يدل على معناه حين تمت الدعوة إلى التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف، وكلها من صفات (التسامح والتعايش السلمي) مؤكدة حق الإختلاف بين البشر (والإختلاف آيات بيّنات) وإنْ كان لا يلغي الإئتلاف [1].

إنَّ كتب اللغة ومعاجمها التي استعان بها كثير من مفسري القرآن تضع لفظ (التساهل) مرادفاً للفظ (التسامح) ويشير إبنْ منظور في لسان العرب إلى التسامح والتساهل باعتبارهما مترادفين، ويعّرف الحنيفية السمحة بـ (ليس فيها ضيق أو شدة)[2]، ويقول الفيروز آبادي في القاموس المحيط: المساهلة كالمسامحة، وتسامحوا: تساهلوا ، وتساهل: تسامح، وساهله: ياسره[3].

ولهذا فإنّ الأصل في الإسلام هو التسامح، وقد كان رسالة عالمية منفتحة، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/107 ، مما يدل على السلم والمسالمة والصلح والرحمة.

وبالعودة إلى القرآن الكريم الذي يؤلف المرجعية الأساسية للشريعة الإسلامية، إضافة إلى السنة النبوية، فانّ متابعة بعض آيات القرآن تعطينا صورة مشرقة ومتقدمة لجهة التسامح الذي اعتمد عليه الإسلام من خلال وثيقته الأولى، فقد جاء في الآية الكريمة : (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) الروم/22، وأكد القرآن الكريم في آيات كثيرة إختلاف الشعوب والقبائل و (الذكر والأنثى) كما جاء في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/13 وكذلك (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس/99 ، وفي قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة/256 ، وقوله تعالى: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ¤ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) الغاشية/21-22، وفي الآية (41) من سورة الزمر (إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)، وقوله تعالى: ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) النور/54 ، إنَ هذه المنطلقات الفكرية التي وردت في القرآن الكريم أعطت زاداً فكرياً ونظرياً لممارسات إسلامية متقدمة، خصوصاً في عهد الرسول والخلفاء الراشدين من بعد لدرجة كبيرة، بشأن اعتماد التسامح خصوصاً وقد وردت تطبيقاته في العديد من الوثائق النظرية والإتفاقات والمواثيق السياسية [4]. ومن جذور التسامح والتعايش السلمي في التراث العربي الإسلامي وكذلك تحديد الحقوق هي :

  1. حلف الفضول : الذي أُبرمَ في أواخر القرن الميلادي السادس ومن المرجح بين (590 و 595) حين اجتمع فضلاء مكة في دار عبد الله بن جدعان، وتعاهدوا (على أن لا يَدَعوا ببطن مظلوماً من أهلها أو مَن دخلها من غيرها من سائر الناس إلّا وكانوا معه على ظالمه حتى ترد مظلمته)[5].

فقد اتخذ الإسلام موقفاً ايجابياً من حلف الفضول (الجاهلي) وقد ألغى النبي محمد (ص) جميع أحلاف الجاهلية، باستثناء حلف الفضول، ويوم سئل عنه أجاب (شهدت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو أنني دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت)[6] ، ويمكن اعتبار حلف الفضول أول رابطة لحقوق الإنسان وهو نوع من التعاهد على :

  • رفض الظلم والعمل على إلغائه .
  • المساواة بين أهل مكة ومَن دخلها من سائر الناس، أي احترام الآخر بغض النظر عن انتمائِهِ .
  • إحقاق الحق ونصرة المظلوم ورد حقوقه إليه .
  • المحافظة على حياة الناس وكرامتهم .
  • اللجوء إلى هيأة (فضلاء) لرد الظلم . [7]

وفي ذلك مقاربة من رافد ثقافي قبل الإسلام وبعده، تعزز بقيم الشريعة السمحاء من مبادئ (التسامح) الذي لا يجد غضاضة، رغم الخصوصيات في اعتماد المعايير الإنسانية المشتركة من خلال التفاعل [8] .

وبخصوص حلف الفضول قال إبن الأثير :(ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى هذا الحلف، فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنّه وكانوا بني هاشم وبني المطّلب وبني أسد بن عبد العزّى، وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاهدوا ألّا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلّا قاموا معه كانوا على ظالمه، حتى ترد مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف، حلف الفضول[9].

إن جوهر فكرة الحلف يقوم على رفض الظلم والتمييز مهما كان نوعه، سياسياً أو مدنياً أو إقتصادياً أو إجتماعياً أو ثقافياً، وقد اغتذت وتعمقت فكرة الحلف بالقيم والمبادئ التي تستند إلى التسامح التي جاء بها القرآن الكريم، وفي ذلك مقاربة العرب والمسلمين لفكرة التسامح منذ ما يزيد على 1400 سنة إذ كان لهم رافدهم الثقافي للحضارة الإنسانية إسوة ببقية الأمم والشعوب التي تبحث عن تاريخها وتراثها عما يدعم الفكرة المعاصرة الخاصة بالتسامح بدلاً من التنكر لها أو تجاهلها أو الصد عنها [10] .

  1. دستور المدينة : وهو أول دستور مكتوب في العالم يتناول الحقوق والواجبات، أو شرعة المدينة التي كتبها الرسول محمد (ص) عندما جاء إلى المدينة مهاجراً، وضمنها حقوق الطوائف والتكوينات التي تعيش فيها وبخاصة أصحاب الديانة اليهودية، يقول صلاح الدين الجورشي، إنّ وثيقة المدينة هي: (أول محاولة قانونية دستورية لتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد، الذي كاد الرسول أن يضحي بحياته من أجلِهِ)[11].

وتؤكد الصحيفة أنّ المجتمع الإسلامي الذي خاطبه الرسول كان تعددياً، لقد صدرت الصحيفة في العام الأول للهجرة، وقبل معركة بدر الكبرى، وهي تنتمي تشريعياً إلى المرحلة المكية رغم وقوعها في المدينة، وقد كانت السنوات الأولى لهجرة الرسول تنتمي إلى مرحلة الخطاب المكي الذي يتسم بالتسامح، وهو مبدأ أساس في الإسلام كالحرية وهي هاجس فطري لبني البشر الذين يولدون وهم مجبولون على الحرية [12] ، ويؤكد ذلك ما قاله الإمام علي (ع) مخاطباً عامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي :(لا تكونن عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فانهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، والذي لقي صداه في الإعلان العالمي بعد 14 قرناً اذ جاء في المادة الأولى :(يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعالج بعضهم بعضاً بروح الإخاء)[13].

والحرية هي خيار إنساني، فالإنسان حر فمن شاء تعني : من اختار، والاختيار هنا لا بد أن يكون من دون إكراه أو إجبار، بل هو اختيار واع، والمقصود بالمساواة عدم التمييز بين البشر بغض النظر عن الإنتماء أو الدين أو الجنس أو العرق أو اللغة، والأساس في المساواة هو الكرامة الإنسانية للمسلم وغير المسلم والعمل الصالح هو الأساس ، كما قُصد من تأكيد المساواة إحترام الأديان والقوميات والتكوينات المختلفة وهو ما استندت إليه الصحيفة أو دستور المدينة [14] .

يقول الدكتور عبد الحسين شعبان :(إنَّ دستور المدينة أو الصحيفة كانت معالجة إنسانية متطورة، كتبت بلغة قانونية أقرب إلى بعض المبادئ الدستورية الحديثة، لعلاقة التكوينات السياسية والإجتماعية والدينية في المجتمع بمبادئ التسامح والتعايش والحق بالاختلاف والتعددية بين المسلمين والنصارى واليهود والقبائل العربية الوثنية)[15] .

ويضيف الدكتور شعبان :(إنّ دستور المدينة (الصحيفة) يُعَدُّ أول عهد مدني في التاريخ الإسلامي، فهي ليست من القرآن أو الحديث، وانما هي عهد بين سكان مدينة لتنظيم شؤون الحياة فيها أقره النبي مع غير المسلمين من سكانها)[16] .

  1. صلح الحديبية : أو عهد النبي لنصارى نجران، وقد تم التوقيع عليه في العام السادس للهجرة، وقد كان هذا الصلح استراتيجياً وتكتيكياً خطوة متميزة تؤكد اعتماد الرسول(ص) والإسلام على الصلح والسلم والتسامح، واستخدام الوسائل المشروعة كافة لاستبعاد الحرب، وهو تأكيد على الغاية الشريفة والنزيهة التي اعتمدها الرسول، إذ اضطرت قريش وتحت تأثير قيم التسامح التي حاول النبي محمد (ص) أن يفرضها وفي إطار الهجوم السلمي للإسلام اضطرت أن ترضخ لشروط الصلح وفي ذلك تجلَّت إحدى أهم النتائج الإيجابية لصلح الحديبية، وهكذا أصبح من حق المسلمين الدخول إلى مكة وأداء فريضة الحج والعُمرة فيما بعد، ولم تعد سيادة قريش مطلقة على مكة أو الكعبة، وذلك في إطار صراع فكري أساسه حق التعبير وحرية الإعتقاد[17].

والتسامح كفكرة تعني القدرة على تحمل الرأي الآخر، والصبر على أشياء لا يحبها الإنسان ولا يرغب فيها، بل يعدها أحياناً مناقضة لمنظومته الفكرية والأخلاقية ذلك أن قبول مبدأ التسامح وفكرة التعايش يعني تجاوز سبل الإنقسام الذي يقوم على أساس الدم أو القومية أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها من الناحيتين النظرية والأخلاقية .

ويؤكد الباحثون أنّ مبدأ التسامح يعني التعايش على نحو مختلف، سواء بممارسة حق التعبير عن الرأي أو حق الإعتقاد أو حق التنظيم أو الحق في المشاركة السياسية، وهي الحقوق والحريات الأساسية بعد حق الحياة وحق العيش بسلام، وهي المحور في فكرة حقوق الإنسان التي تطورت منذ الثورة الفرنسية عام 1789م وقبلها الدستور الأمريكي عام 1776م وذلك بتأكيد حق كل فرد بأن لا يكون هناك قيد على حريته إذا احترم حريات الآخرين وحقوقهم ولم يعتدِ عليها [18].

إنّ قبول التعايش والتسامح يعني الموافقة على ما هو مشترك حتى لو كان في نظر الآخر غير أخلاقي أو ربما أقرب إلى فكرة الشر إنْ لم يكن شراً بالفعل، وبهذا المعنى فإن مبدأ التسامح هو فكرة أخلاقية ذات بعد سياسي وفكري في إزاء المعتقدات والأفعال والممارسات، ونقيض فكرة التسامح هو اللاتسامح، أي التعصب والعنف ومحاولة فرض الرأي ولو بالقوة [19].

تطور مفهوم التسامح من الفرد إلى المجتمع إلى الدولة، ثم إلى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم إصطلاحياً أو لغوياً يرتبط بالتكرم والسخاء والجود والعفو والتساهل وغيرها، بل وصل إلى الاعتراف بالحق واحترامه وحتى إلى العمران والتنمية [20].

إن نشر مبادئ التسامح وسيادة روح الحق في الإختلاف يتطلبان إعادة التفكير في الموروث الثقافي وأخذ التراث في سياقه التاريخي وإعادة بناء العلاقة بين الثقافة والدولة، وبين المجتمع والسلطة وبين الحكومة والمعارضة، وذلك كله مسؤولية جماعية وفردية في آن واحد، فليس هناك مجتمع بمعزل عن إغراء الإقصاء أو اللاتسامح إلّا اذا أثبت هذا المجتمع قوة وعزيمة ويقظة دائمة [21].

ليس مبدأ التسامح لصيقاً بتراث أو مجتمع، إنَّه يمتد عبر العصور فلا هو غربي ولا هو شرقي ورغم أنَّ الأديان جميعها تعلن تمسكها بالتسامح فإنّ الحروب والإبادات استمرت عبر التاريخ باسم الدين أحياناً [22].

لقد تحدث القرآن عن حرية التدين في نحو (100) آية وهو ما يؤكد أنّ التسامح ألَّفَ الأساس في الإسلام من خلال :

  • حرية العقيدة لغير المسلمين .
  • حرية التعبد .
  • عدم الإكراه أو الإجبار .
  • التزام احترام الآخر .

وبهذا المعنى يؤلف التسامح فضيلة قيمية وأخلاقية، ولعل جميع المطالب الكبرى التي تتولى الصدارة تتأسس على قاعدة (الحق في الإختلاف) وهذا الحق يتطلب قدراً من التعددية والتعايش وبالتالي فهو يحتاج إلى التسامح وحق الإختلاف هو الشرط المهم للتعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتسليم بحق الإختلاف ينطلق من قبول أو إعتماد الحوار، وهذا يفرض التكافؤ لكي يكون فاعلاً، والحوار يفترض النقد، وربما النقد المزدوج على طريقة (جون لوك) و(ديفيد هيوم) أي نقد العقل لتحريره من الميراث التقليدي (أي نقد الآلية العقلية المنتجة والمكررة لهذا الميراث)، ونقد النظام الإستبدادي انطلاقاً من مفهوم (السيادة) و (الشريعة) و (مصدر السلطة) و (القانون) [23].

إتسمت دعوة التغيير عند الرسول محمد (ص) بالتسامح، فقد تعامل النبي مع المسلمين بعد الهزيمة في معركة أحد بالمودة والرحمة، انطلاقاً من مبادئ التسامح، كما تعامل النبي مع المشركين بعد فتح مكة بالرفق والعفو، وكان التسامح الذي مارسه النبي محمد (ص) إحدى وسائل ازدهار الحضارة العربية الإسلامية فقد خلق الله الناس مختلفين من حيث العقل والإدارة، وكان سلوك النبي (ص) مع قريش وأهل مكة بعد فتحها يؤكد أنّ القاعدة في الإسلام هي التسامح، ولقد شق صوت النبي محمد (ص) فضاء الجاهلية بالدعوة إلى الحرية وإحقاق الحق، وبسط العدل ونشر المساواة بين البشر، وتحرير الإنسان من الجهل والعبودية والظلم [24].

بحث الأول :

الإمام علي (ع) والعدالة

الإمام علي (ع) فذ من أفذاذ العقل، وقطب الإسلام، وموسوعة المعارف العربية فليس من علم عربي إلّا وقد وضع أصله أو أسهم في وضعِهِ، إما بلاغته فالحديث عنها كثير والدليل كتابه العظيم (نهج البلاغة) المتضمن خطبه وحكمه ومواعظه ورسائله وهو باكورة المؤلفات وأولى المصنفات الإسلامية التي عالجت مشكلة الفقر والتخلف، وقد رسم فيه الإمام علي (ع) لولاته المناهج الواضحة والشروط المحددة لتستقيم أمور الرعية وتتحقق عوامل التنمية وإقامة العدل فيهم.

والعدالة من المبادئ الإنسانية العريقة التي يمتد وجودها إلى قِدَم عمر البشرية، فمنذ الفجر الأول للتاريخ وبداية الخلقة عرفتها البشرية كحاجة متأصلة في أعماق الوجود الإنساني، فقبلتها وأذعنت لها وجعلتها اللبنة الأساسية لقوانينها وقضائها وليس هناك من شيء أشد وقعاً على الفطرة البشرية وإثارة لنفرتها وكراهيتها كهضم الحقوق التي يعاني منها الضعفاء والمظلومون، وليس هناك ما يخّلف العداوة والبغضاء في القلوب أشد من الظلم ومناوءة العدل، وقد تطلعت البشرية على مدى التاريخ بأفرادها وطبقاتها ومجتمعاتها كافة، صغيرها وكبيرها، مؤمنها وفاسقها، رجالها ونساؤها حتى ظالمها ومظلومها، عالمها وجاهلها لإقامة العدالة وتطبيقها بين الناس فهي صفة إنسانية قد استبطنتها فطرة الإنسان التي تأبى رفضها والتمرد عليها.

يرى الإمام علي (ع) أنَّ إقامة العدل وتحقيق المساواة يؤديان إلى التماسك الإجتماعي بين المواطنين وإلى رضا الرعية وتعاونها فيما بينها وبين راعيها.

وقد سُئلَ الإمام علي (ع) : أيهما أفضل العدل أم الجور ؟

فقال (ع) :(العدل يضع الأمور مواضعها، والجور يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام، والجور عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما)[25]، وقال (ع) أيضاً: (إنّما تنظيم شؤون الرعية وتصلح أحوالها بالعدل)[26].

ولم يكتفِ الإمام علي (ع) بدعوة ولاته إلى توفير العدل لتحقيق التماسك الإجتماعي وحصول مشاركة أفراد الأمة، بل أمرهم بتوضيح الحكم وتفسيرها وشرح بعض التصرفات حتى لا يترك مجال للشك وإثارة الريب والشبهات فتكون القناعة في الطاعة والولاء عند الرعية وتقوى العزيمة والإرادة على محاسبة النفس عند الحكام .

يقول الإمام علي (ع) :(وإنْ ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر[27] لهم بعذرك، واعدل عند ظنونهم بإصحارك، فانّ ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق)[28] ، بمثل هذه السياسة : صراحة الحاكم ورعاية المحكوم، وطاعة المحكوم وولائه للحاكم، تتحقق الأخوة، ويقوى الترابط الإجتماعي، ويقوى التسامح والتعايش السلمي بينهم، وتقوم دعائم التنمية والتقدم والإزدهار.

إن نهج الإمام علي (ع) إبّان خلافته، هو الآخر انطوى على الإصرار والتأكيد على ضرورة إصلاح مفاسد المجتمع واسترداد الأموال التي أُخذت ظلماً وعدواناً من بيت المال، إذ يعد الإمام علي (ع) العدالة مدعاة للتنمية وإصلاح جميع شؤون الأمة سيما ضعفائها وهذا ما أكد عليه في عهده الذي عهد به لمالك الأشتر حين ولاه مصر قائلاً :(لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي)، ويرى الإمام علي (ع) في أن بسط العدل هو الذي يجعل الأمة تحب ولاتها إذ يؤلف إحدى الوظائف المهمة التي يجب أن تنهض بها الحكومة، فيقول (ع) : (وإنّ عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وأنه لا تظهر مودتهم إلّا بسلامة صدورهم)[29].

أما المفكرون والحكماء والفلاسفة فلهم تعاريف مختلفة للعدالة، وهذا ناشئ من اختلاف الظروف التي كانت تسود المجتمعات والتي تحكم ذهنيات الأفراد، فقد كان للفلاسفة والحكماء إبّان القرون الوسطى – مثلاً – عناية وأهمية فائقة بالطبيعة وتأثيرها على الأفراد و الحكومات، الأمر الذي جعلهم يذهبون إلى أنّ العدالة تمثل السلوك الذي ينسجم والطبيعة ورعاية الحقوق الطبيعية، هؤلاء الفلاسفة يرون أنّ العدالة عبارة عن مبدأ مثالي أو طبيعي أو توافقي يتكفل بتعيين الحق، ويوجب الإقرار به ورعايته عمليّاً[30]، وقد أضيف لمعنى العدالة في عصر النهضة (ضمان مصالح الآخرين، وقيل : بأن العدالة الإجتماعية تعني احترام  حقوق الآخرين وإعطاء كل ذي حق حقه)[31]. وقد وردت مثل هذه التعاريف في كلمات العلماء والمفكرين الإسلاميين أيضاً، فقد عرفها الطبرسي بأنّها تعني مماثلة الشيء لنفسه، أي المساواة فقال :(هو (العدل) مثل الشيء من جنسه)[32]، وصرّح الشيخ الأنصاري بأنّ العدالة تعني الثبات والاستقامة [33]. وذكرها العلامة الطباطبائي قائلاً :(العدالة هي المساواة والموازنة بين الأمور بحيث يحصل كل على استحقاقه)[34]، أما الشهيد المطهري فعرفها قائلاً :(العدالة تعني إعطاء حق كل ذي حق وعدم الاعتداء على حقه)[35].

إنّ الامتحان الذي خاضه الإمام علي (ع) ليس امتحاناً في تطبيق حكم الله في الأحوال العادية، بل في الأحوال الاستثنائية، لقد كانت خلافته حالة طوارئ مستمرة، فلم يفرض فيها قانون طوارئ، بل عامل الناس كأنهم يعيشون في دعة واستقرار، وهذا ما يدل على عمق إيمانه بحقوق الإنسان وحرياته ومبدأ التسامح والتعايش السلمي الذي عمل بهما

المبحث الثاني :

صور من التسامح والتعايش السلمي في بعضٍ من رسائل الإمام علي

(عليه السلام)

التسامح هو أحد سبل تعزيز العلاقات الإجتماعية بين الأفراد، ويعني عفو الإنسان وحلمه عمن يؤذيه ويسيء معاملته أو يختلف معه في الرأي والعقيدة والذي قد يكون هو المنطلق في الإساءة والأذى من باب رفض الآخر المخالف، من هنا يكون التسامح جامعاً مع العفو والحلم إلى صفتين أخريين هما التحمل والمعاناة، ولا يعني التسامح الرضا بالأخطاء والظلم والحيف من الآخر أبداً، فالتسامح ليس عملية تأييد أو موالاة لأن منهج عدم الرضا بالانحراف واضح وصريح، وقد يفعل التسامح مبدأ الإنسحاب من المواجهة الفورية الحادة وهذا الانسحاب يكون عاملاً مساعداً في هدوء الطرف الآخر وتجديد التفكير في الأمر الواقع، كما يؤدي شيوع ثقافة التسامح إلى شيوع الأمن في المجتمع لأنه يسهم في تقليل العنف أو عدم اللجوء إلى العنف كحل للمشكلة وكمخرج مؤقت للموقف، إنّ التسامح لا يجيده إلّا الطيبون .. يقول مارك توين: (التسامح هو العطر الذي تطرحه زهرة البنفسج على القدم التي حطمتها).

أما التعايش فهو مصطلح من مصطلحات المعجم السياسي يراد به التأقلم الإجتماعي بين مختلف الأجناس والأنواع والتفاعل الإيجابي بين الأقوام المتباينة في أصواتها وامتداداتها، والتعايش على أنواع، وأهم تلك الأنواع التعايش السلمي ويعني كبح النعرات الطائفية وكبت النزاعات المذهبية ليتحقق السلام وتتوقف من ثم عجلة الحروب وكوارثها، وليس إلى ذلك سبيل إلّا بالتفاهم الإيجابي والحوار الصريح والتعاون المشترك الذي به ترتقي الشعوب في مدارج الحضارة وتصل إلى مستوىً عالٍ من التفوق المجتمعي والنضج الحياتي، وما كان للأمم والشعوب التي تلونت أطياف أبنائها وتنوعت مشاربهم أن يتحقق فيها الوئام والسلام إلّا بالتعايش السلمي.

أرسل الإمام علي (ع) رسائل عدة إلى عمالِهِ في الأمصار يذكرهم فيها ويحظهم على العدل والإنصاف ونصرة المظلوم والتسامح والتعايش فيما بينهم كأخوة يحب أحدهم الآخر، فمن رسالة له إلى أمرائه في الثغور يقول فيها :(أمّا بعد، فإنَّ حقّاً على الوالي ألّا يُغَيِّرَهُ على رعيتِهِ فَضلٌ نالَهُ ولا طَوْلٌ خُصَّ به، وأن يزيده ما قَسَمَ الله له من نِعَمِهِ دُنُوّاً من عبادِهِ، وعطفاً على إخوانِهِ، ألا وإنَّ لكم عندي أنْ لا أؤَخرَ لكم حقّاً عن محلِّهِ، وأن تكونوا عندي في الحقِّ سواء، فإذا فَعَلْتُ ذلك وَجَبَتْ لله عليكم النعمةُ ولي عليكم الطاعةُ، وألّا تَنكُصُوا عن دعوةٍ ولا تُفَرِّطوا في صلاحٍ، وأنْ تخوضوا الغَمَراتِ إلى الحقِّ …)[36] ورسالة الإمام علي (ع) واضحة هنا وهو يوصي ولاته إذا جاءكم الفضل فمن الواجب عليكم أن يزيدكم قرباً من الناس وليس من حقكم التغيير عليهم بسبب هذا الفضل الذي أنتم عليه، وكذلك لا تتأخروا إذا دعوتكم إلى صلاح أمرٍ حتى في الشدائد، وهذا إعلانٌ لولاته بأن يكونوا قريبين من الناس يقضون حوائجهم ويلبّون طلباتهم.

وأرسل الإمام علي (ع) رسالة إلى عمّالِهِ على الخَراج قال فيها :(أنصِفُوا الناسَ من أنفُسِكُمْ، وَاصْبِروُا لِحَوائِجِهِم، فإنَّكم خُزّانُ الرعيّة، ووكلاء الأمة، ولا تبيعُنَّ للنّاسِ في الخَراجِ كِسوةَ شتاءٍ ولا صيفٍ ولا دابَّةً يعتَمِلون عَلَيْها، ولا تَضْرُبَنَّ أحَداً سَوطاً لمكانِ دِرْهَم، ولا تَمَسُنَّ مالَ أحدٍ من النّاسِ، مُصَلٍّ ولا مُعَاهَدٍ …)[37] والذي يقصده الإمام (ع) هو أنّ الولاة يجب أنْ يخزنوا أموال الرعية في بيت المال لتنفق في مصالح الرعية وحاجاتها، ويقول (ع) أيضاً لا تضطروا الناس لأن يبيعوا لأجل الخَراج شيئاً من كسوتهم، ولا من الدواب اللازمة لأعمالهم في الزرع والحمل، ولا تلجأوا إلى السوط في تحصيل المال، ولا تمسّوا مال أحد من المسلمين أو أهل الكتاب بالمصادرة، ألَم تكن هذه الرسالة رسالة عدالة وإنصاف للناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، تسامحوا معهم ولا تضربوهم بالسوط من أجل بقائكم في الولاية.

وكتب الإمام علي (ع) رسالة للأشتر النخعي سميت فيما بعد بالعهد لمّا ولاه مصر وأعمالها في عهد خلافته وكان عهداً لدستور كامل يعيش فيه الناس برفاء وسعادة يقول فيه : (… وأشْعِرْ قلبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعيّة، والمحبّةَ لهم، واللّطفَ بهم، ولا تّكوُنَنَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تَغْتَنِمُ أكْلَهُمْ، فإنّهم صِنْفانِ : إمّا أخٌ لك في الدِّين، وإمّا نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزَّللُ، وتَعْرِضُ لهُمُ العِلَلُ، ويؤتى على أيديهمْ في العَمْدِ والخَطأ، فَأَعْطِهِمْ من عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلَ الذي تُحِبُّ أنْ يُعْطِيكَ الله مِنْ عَفوِهِ وصَفحِهِ، فإنّكَ فوقَهُمْ وَوالي الأمرِ عليك فوقَكَ، والله فَوقَ من ولّاك …)[38] يوضح الإمام (ع) في رسالته(عهده) هذا شيئاً هامّاً وهو يجب أن يحمل الحاكم الرحمة في قلبه وكذلك المحبة كي يلطف برعيته، ويوصيه (ع) أيضاً بأن يبتعد عن الجور والظلم وان لا يكون الحاكم مفترساً كي يحصل على غنيمة من رعيته، لأنهم يقسمون على صنفين : أحدهما أخوك في الدين والثاني أخوك في الإنسانية وقد يسبق منهم الخطأ فأعطهم من العفو الذي تحمله واصفح عنهم مسترشداً بعفو الإله وصفحه، لأنك عليهم ولا تنسى بأن الذي ولّاك عليك والله تعالى فوق من ولّاك، عهد الإمام (ع) هذا كله ينم عن تسامح وتعايش سلمي يريده للناس من خلال ما يوصيه لولاته في الأمصار، ويستمر الإمام (ع) في عهده للنخعي قائلاً: ( وَلْيَكُنْ أحبَّ الأمورِ إليكَ أَوْسَطُها في الحقِّ، وأَعَمُّها في العدلِ، وأجْمَعُها لرضا الرعيّة فإنَّ سُخْطَ العامّة يُجْحِفُ برضا الخاصة، وإنّ سُخْطَ الخاصة يُغتَفَرُ مع رضا العامّة…)[39] وهنا يوضح الإمام علي (ع) مخاطباً النخعي، إذا رضي عليك الخاصة وسَخَط عليك العامة، فلا ينفعك رضا أولئك مع سَخَط هؤلاء، أما إذا رضي عليك العامة وهؤلاء لا يرضيهم إلّا العدل، فسخْط الخاصة مغتفر، إنها معادلة عادلة كلها إنصاف وحق للرعية، ويضيف الإمام (ع) مخاطباً الأشتر قائلاً :(أطلِقْ عن النّاسِ عُقْدَةَ كلِّ حِقدٍ، واقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كلِّ وِتْرٍ، ولا تَعْجَلَّنَ إلى تصديقِ ساعٍ، فإنّ الساعِيِ غاشٌ، وإن تشبه بالنّاصِحيِنَ …)[40] وهنا يقول الإمام (ع) لمالك : عليك بحل عقدة الأحقاد في قلوب الناس بالعدل فيهم وحسن السيرة معهم، وأقطع السبب في عداء الناس لك بالإحسان إليهم قولاً وعملاً .

ثم يتحدث الإمام (ع) في رسالته هذه إلى مالك الأشتر فيقول :(ولا تَدْفَعَنَّ صُلحاً دعاك إليه عَدُوُّكَ لله فيه رضىً، فإنَّ في الصُّلْحِ دَعَةً لجُنُودِكَ، وراحةً من هُمُومِكَ، وأمْناً لِبلادِكَ، وإنْ عَقَدْتَ بينك وبين عدوّ لك عُقدةً، أو ألْبَسْتَهُ منكَ ذِمَّةً، فحُطْ عهدَكَ بالوفاءِ وارعَ ذِمَّتَكَ بالأمانة، واجعل نفْسَكَ جُنَّةً دُونَ ما أعطَيْتَ، ولا تَغدِرَنَّ بذمَّتِكَ، ولا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ، ولا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ، ولا تَعْقِدْ عقداً تجوزُ فيه العِلَل)[41] يوصي الإمام علي (ع) الأشتر برعاية حق ذوي الحقوق ويدفعه لأداء ما يجب عليه منها، والمحافظة على ما أعطيت من العهد، ولا تخن وتنقض بعهدك ولا تخدع المقابل بهذا العهد، وكن صريحاً واضحاً معهم، هكذا يوصي الإمام عليه (ع) عمّالَهُ بالالتزام والوفاء بالوعد، ولأذكر هنا ما فعله الإمام علي (ع) مع الخوارج إذ كان سلوكه مجموعة من الدروس البليغة الخالدة، عَبّرت عن احترام القانون الإسلامي لحقوق الإنسان حتى في أشد حالات الطوارئ ضيقاً، فقد كفَّر الخوارج عليّاً واشترطوا، للعودة إليه أن يتوبَ وسبب تكفيرهم هو موافقته على التحكيم الذي وضع حدّاً لحرب صفين، ولذلك فقد امتنعوا عن الصلاة خلفه، وجادلهم الإمام (ع) في موقفهم هذا بما لا يزيد عليه، ولكنهم في غالبيتهم العظمى أصرّوا وأبوا، فلم يضغط عليهم ولم يعاقبهم ولم يتخذ تدابير تقييدية ضدَّهم من أي نوع كان، بل تركهم وبقي يجري عليهم عطاءهم موضحاً لهم موقفه هذا بقوله:(لكم عندنا ثلاث خصال : لا نمنعكم مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بحرب حتى تبدأونا)[42]، كل ذلك فعله الإمام (ع) ولكن الخوارج خطوا الخطوة الحاسمة، فارتكبوا ما سوّغ القتال بشكل مبدئي، فقد قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل، عند ذلك طلب الإمام علي (ع) منهم أن يسلموه القاتل ليقتص منه، فرفضوا وأعلنوا: (كلنا قتله) فأفهمهم الإمام (ع) أن هذا الموقف المناصر للقاتل يعني اعتبارهم مجرمين مثله ويجب الإقتصاص منهم، ولكنهم أصّروا، عند ذلك قرّر قتالهم، وعلى عادته تركهم يبدأون بالقتال .

وذكر محمد أبو زهرة : إن الإمام علي (ع) لم يكتفِ بالعدل مع الخوارج ومنحهم حقوقهم كاملة إبان المعرضة، بل أوصى بهم خيراً بعد وفاته، بأن لا تقاقتلوا الخوارج بعدي، فانه من طلب الحق فأخطأه، ليس كمن طلب الباطل فناله، فالإمام علي (ع) يعد الخوارج طالبين للحق لكن جانبوا طريقه[43]، ووصل حد استعمال مصاديق العدل مع الخوارج ومعارضيه، أنَّ قضاته استشاروه وهم من أهل البصرة في القضاء بشهادة الخوارج أو عدم قبولها، فأمرهم (ع) بقبول شهادتهم[44]، ولم يخرج (ع) أحداً ممن كان يخالفه في الرأي أو الفكر أو الموقف من دائرة الإسلام، بل كان يتعامل مع معارضيه على أنهم مسلمون[45]، ويقول عبد الله يوسف : إن الإمام علي (ع) كان ينصح مخالفيه ومعارضيه، ولم يستخدم القوة إلا ضد من استخدمها أولاً، أما من كان له رأي مخالف أو موقف مغاير، فلم يستخدم (ع) ضد هؤلاء أي إجراء عقابي، بل كان يصر على ضمان حقوق معارضيه وينهى أصحابه عن سب مخالفيه كما كانوا يسبوه[46].

ومن رسالة إلى محمد بن أبي بكر حين قلّده مصر يقول الإمام (ع) :

( واخْفِضْ للرعيّةِ جَناحَكَ وابْسُطْ لَهُم وَجْهَكَ وَأَلِنْ لهم جانِبَكَ، وآسِ بينهم في اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ والإشارَةِ والتَّحيَّةِ، حتى لا يطمع العظماء في حَيْفِكَ، ولا يَيْأَس الضُّعَفاءُ من عَدْلِكَ)[47] . وهنا

يوصي الإمام(ع) بأن يكون الوالي مع الرعية دائماً يشاركهم جميعاً ويكون معهم منصفاً للمظلوم والضعيف، ليكن التسامح والتعايش شعاران مهمان عند أي والٍ يولّى على الأمصار.

خاتمة البحث :

منذ بزوغ فجر الخليقة والبشرية تَئِّنُ من سياط الظلم والجور، وتتطلع إلى عالم لا يسوده التمييز والتجاوز والاعتداء، وفي تراثنا كثير من هذا الظلم والتجاوز ولكن صوراً مشرقة تفرض نفسها كمحطات للعدالة والسلام والتسامح والتعايش بين الأفراد، ومن هذه المحطات ما جاء من رسائل للإمام علي (ع) إلى عمالِهِ في الأمصار، فكانت خير منهج وطريق لهم للسير عليها وما فيها من توجيهات، وبعد اطلاعنا على هذه الرسائل المهمة حاولنا دراسة صور التسامح والتعايش السلمي الذي كان ينادي بهما الإمام علي(ع) في معظم رسائله، وقد رجعنا إلى بعض المصادر والمراجع من أجل أن يكون هذا البحث .

مصادر البحث و مراجعه :

  • القرآن الكريم
  1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :

إصدار الأمم المتحدة ، في 10/12/1948 .

  1. الأنصاري ، الشيخ مرتضى :

المكاسب (رسالة العدالة) .

  1. البكوش ، ناجي وآخرون :

دراسات في التسامح ، المعهد العربي لحقوق الإنسان ، المجمع التونسي (بيت الحكمة)، تونس 1995 .

  1. جبور ، جورج (الدكتور) :

حلف الفضول ، إصدار الجمعية العراقية لحقوق الإنسان ، فرع سوريا ، دمشق ، 1998.

  1. جرداق ، جورج (الدكتور) :

الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية ، العتبة العلوية المقدسة ، ط 1 ، 2012 .

  1. جواد ، غانم وآخرون :

الحق القديم ، التوثيق في مجال حقوق الإنسان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة ، 2000 .

  1. السيد جاسم ، عزيز :

محمد الحقيقة العظمى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1987 .

  1. شعبان ، عبد الحسين (الدكتور) :
  • الإسلام وحقوق الإنسان ، مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني ، ط1، بيروت ، 2001 .
  • فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي (الثقافة والدولة) دار آراس، أربيل، العراق ، 2011 .
  1. الصالح ، صبحي (الدكتور) :

نهج البلاغة (تحقيق) ، دار الكتب العلمية ، ط1، بيروت ، 1967 .

  1. صليبيا ، جميل (الدكتور) :

الثقافة الفلسفية ، بيروت، لبنان ، ط2، 2002 .

  1. الطباطبائي ، السيد محمد حسين :

الميزان في تفسير القرآن ، طبع ونشر دار الكتب الإسلامية ، طهران ، 1386هـ .

  1. الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن (ت1154ه) :

مجمع البيان في تفسير القرآن ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1974 .

  1. الفيروز آبادي ، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817 هـ) :

القاموس المحيط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1987 .

  1. مجموعة مؤلفين :

التسامح والنخب العربية ، إصدار مركز عمّان لدراسة حقوق الإنسان ، عمّان، 2002 .

  1. المحمودي ، محمد باقر :

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت ، لبنان ؟؟؟

  1. المطهري (الشهيد) :

دراسة في مباني الاقتصاد الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط3 ، 2004 .

  1. ابن منظور ، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم المصري (ت 711 هـ) :

لسان العرب ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، 2001 .

  1. الناشي ، رفعت اسوادي عبد :

التربية والتعليم في خطاب الإمام علي (ع) – دراسة تطبيقية في ضوء النقد الثقافي الجملة الثقافية مثالاً – ط1 ، بيروت ، دار المحجة البيضاء ، 2016.

  1. ابن هشام ، أبو محمد عبد الملك بن هشام الجميري (ت 218 هـ) :

السيرة النبوية ، حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها : مصطفى السقا ، إبراهيم الأبياري ، عبد الحفيظ شلبي ، مطبعة البابي الحلبي ، 1936م ، القاهرة ، مصر .

 

 

[1] شعبان ، عبد الحسين : فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي ، ص 95 .

[2] ابن منظور : لسان العرب ، ج6 ، ص354 .

[3] الفيروز آبادي : القاموس المحيط ، ج1 ، ص46 .

[4] شعبان ، عبد الحسين : المرجع السابق ، ص 96-97 .

[5] جبور ، جورج وآخرون : حلف الفضول ، دمشق ، 1998 ، ص 18 .

[6] نفسُهُ : ص 19 .

[7] شعبان ، عبد الحسين : الإسلام وحقوق الإنسان ، ص 42 .

[8] نفسُهُ ، ص 43 .

[9] ورد ذلك في سيرة ابن هشام ، كما رواه ابن إسحاق : 1/92 .

[10] شعبان ، عبد الحسين : فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي ، ص 99 .

[11] جواد ، غانم وآخرون : الحق القديم ، مداخلة الجورشي ، القاهرة ، 2000 ، ص 65 .

[12] شعبان ، عبد الحسين : فقه التسامح ، ص 100 .

[13] الإعلان العالمي لحقوق الانسان ، 10/12/1948 ، المادة الأولى .

[14] شعبان ، عبد الحسين : فقه التسامح ، ص 102 .

[15] نفسُهُ : ص 105 .

[16] نفسُهُ : ص 105 .

[17] نفسُهُ : ص 115 .

[18] التسامح والنخب العربية وحقوق الإنسان (كتاب مشترك) ، القاهرة ، 2001 ، ص 36 .

[19] نفسُهُ : ص 37 .

[20] البكوش . ناجي وآخرون : دراسات في التسامح ، تونس ، 1995 ، ص 76 .

[21] شعبان ، عبد الحسين : فقه التسامح ، ص 94 .

[22] نفسُهُ : ص 95 .

[23] السيد جاسم ، عزيز : محمد الحقيقة العظمى ، ص 127 .

[24] نفسُهُ : ص 128 .

[25] الصالح ، صبحي : نهج البلاغة ، ص 437 .

[26] نفسُهُ : ص 438 .

[27] اصحر : اظهر ، الاصحار : الإظهار .

[28] الصالح ، صبحي : المرجع السابق ، ص 441 .

[29] نهج البلاغة : صبحي الصالح ، الرسالة 53 ، ص 433 .

[30] صليبيا ، جميل : الثقافة الفلسفية ، ص 433 .

[31] نفسُهُ  : ص 461 .

[32] الطبرسي : مجمع البيان ، 1 / 103 .

[33] الأنصاري : المكاسب ، رسالة العدالة ، ص 326 .

[34] الطباطبائي : تفسير الميزان ، 12 / 253 .

[35] الشهيد المطهري : دراسة مباني الاقتصاد الإسلامي  ، ص 16 .

[36] جرداق ، جورج : الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية ، ص 115 .

[37] نفسُهً : ص 116 .

[38] جرداق ، جورج : الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية ، ص 161 – 162 .

[39] نفسُهُ : ص 162 .

[40] نفسُهُ : ص 163 .

[41] نفسُهُ : ص 171 – 172 .

[42] المحمودي ، محمد باقر : نهج السعادة ، طبع طهران ، 2/342 .

[43] انظر : التربية والتعليم في خطاب الإمام علي (ع) : رفعت اسوادي الناشي ، ص 76 .

[44] نفسُهُ : ص 76 .

[45] الناشي ، رفعة اسوادي : المرجع السابق ، ص 77 .

[46] نفسُهُ : ص 77 .

[47] جرداق : جورج : المرجع السابق ، ص 181 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *