حين يتحدث بعض قادة الإسلام السياسي اليوم عن الديمقراطية، فإن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف فهمهم لها، بل في التناقض التاريخي العميق بين خطابهم الحالي ومسيرتهم الفكرية والسياسية الطويلة. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، ولا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل هي منظومة فكرية وأخلاقية ومؤسساتية تقوم على الحرية الفردية، وحق الاختلاف، وتداول السلطة، والمواطنة المتساوية، وفصل السلطات، وشرعية المعارضة، واحترام القانون فوق الجميع.
وحزب الدعوة الإسلامية، مثل كثير من حركات الإسلام السياسي التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية، أمضى عقوداً طويلة وهو ينظر إلى الديمقراطية بوصفها فكرة “غربية” أو “منافِية للإسلام”، وكان يعتبر السيادة للحاكمية الدينية أو العقائدية لا للإرادة الشعبية الحرة. ثم بعد 2003 دخل العملية السياسية تحت ضغط الواقع الدولي والإقليمي، لا نتيجة مراجعة فلسفية عميقة لمفهوم الدولة الحديثة أو الديمقراطية الحديثة.
والمشكلة الأكبر أن كثيراً من هؤلاء ما زالوا يتحدثون عن الديمقراطية بعقلية ما قبل الديمقراطية؛ أي بعقلية الجماعة المغلقة، والطائفة السياسية، والمحاصصة التوافقية، وتقاسم الغنائم، لا بعقلية الدولة الحديثة. ولذلك تحولت “الديمقراطية” في العراق إلى واجهة انتخابية لنظام توافقي مغلق يمنع قيام معارضة حقيقية ويمنع تداول السلطة الحقيقي ويمنع نشوء دولة مؤسسات مستقلة.
إن من لا يؤمن بحرية الفرد، وحرية الفكر، وحق المعارضة، وحياد الدولة تجاه المواطنين، لا يستطيع أن يفهم الديمقراطية فهماً حقيقياً مهما أكثر من ترديد الكلمة. ومن كان يعتبر الديمقراطية كفراً أو بدعة لعشرات السنين، ثم صار فجأة منظّراً لها من دون مراجعة فكرية شجاعة ونقد ذاتي واضح، فإنه يكشف ارتباكاً فكرياً أكثر مما يكشف وعياً ديمقراطياً.
لقد أضرت أحزاب الإسلام السياسي، ومنها حزب الدعوة، بفكرة الديمقراطية في العراق أكثر مما خدمتها، لأنها اختزلتها في الانتخابات والمحاصصة، بينما الديمقراطية الحقيقية تعني قبل كل شيء بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، ضمن قاعدة واضحة وبسيطة: من يفوز يحكم، ومن يخسر يعارض، لا أن تتحول الدولة إلى شركة مساهمة بين الأحزاب والطوائف.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس غياب الكلام عن الديمقراطية، بل كثرة الكلام السطحي عنها من قبل قوى لم تتحرر بعد من بنيتها الأيديولوجية المغلقة ومن ثقافة الاستحواذ والمحاصصة والتقديس الحزبي.
و حين يتحدث بعض قادة حزب الدعوة اليوم عن الديمقراطية بوصفهم منظّرين لها، فإن الذاكرة السياسية والفكرية لا يمكن أن تُمحى بهذه السهولة. فالحزب طوال تاريخه لم يربِّ أعضاءه على الثقافة الديمقراطية، ولم يجعل الديمقراطية جزءاً من أدبياته الفكرية والتنظيمية، ولم يتبنَّها في نشراته الداخلية، ولم يُنتج منذ تأسيسه إلى اليوم تنظيراً فكرياً حقيقياً حول الدولة الديمقراطية الحديثة أو فلسفة الحرية السياسية أو تداول السلطة أو حقوق الفرد والمواطنة.
بل إن الديمقراطية كانت تُنظر داخل أوساط الحزب، مثل كثير من حركات الإسلام السياسي، بوصفها مفهوماً غربياً مشبوهاً أو مناقضاً لفكرة “الحاكمية الإسلامية”، وكان الوعي الحزبي قائماً على الطاعة التنظيمية والعقائدية أكثر من قيامه على العقل النقدي والثقافة الديمقراطية الحديثة.
وحين بدأتُ الحديث عن الديمقراطية منذ أوائل التسعينيات، وتحديداً منذ شباط 1990، لم يكن الرد داخل الحزب نقاشاً فكرياً هادئاً، بل اتهامات جاهزة بالعمالة والانحراف عن الإسلام. وهذا وحده يكشف أن الديمقراطية لم تكن جزءاً من البنية الفكرية للحزب، وإنما دخلت لاحقاً كضرورة سياسية فرضها الواقع الجديد بعد 2003.
ولهذا يبدو المشهد اليوم مثيراً للسخرية حين يتحول بعض الذين كانوا يهاجمون الديمقراطية أو يجهلونها أو يعتبرونها انحرافاً فكرياً إلى منظّرين لها بسطحية شديدة، من دون مراجعة فكرية عميقة أو نقد ذاتي صريح لتاريخ طويل من رفض الدولة الديمقراطية الحديثة.
إن الديمقراطية ليست كلمة تُقال في البرامج التلفزيونية، بل ثقافة عميقة تبدأ من الإيمان بحرية الإنسان وحقه في الاختلاف، وحق الشعب في محاسبة الحاكم وتغييره، وحق المعارضة في الوجود، وحياد الدولة تجاه المواطنين، واحترام القانون فوق الجميع. وهذه القيم لم تنتجها بنية الإسلام السياسي التقليدي، بل ظلت غريبة عنها لعقود طويلة.
ولهذا فإن أزمة العراق ليست فقط في غياب الديمقراطية الحقيقية، بل أيضاً في أن كثيراً ممن يتحدثون عنها اليوم لم يؤمنوا بها يوماً، ولم يفهموها حتى الآن إلا بوصفها وسيلة للوصول إلى السلطة أو تقام ضمن نظام المحاصصة التوافقية.


