إسلام آباد عاصمة التفاوض وبوابة التوازنات

إسلام آباد عاصمة التفاوض وبوابة التوازنات
تحولت إسلام آباد إلى مركز توازنات إقليمية ودولية بفضل موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع الخليج وإيران وأمريكا والصين، ما جعلها وسيطاً مقبولاً في أزمات الطاقة والملف النووي الإيراني والتحولات الجيوسياسية المقبلة...

لم تعد اسلام اباد مجرد عاصمة هادئة لباكستان بل تحولت خلال السنوات الاخيرة الى غرفة توازنات سياسية وامنية تتقاطع فيها مصالح الخليج وايران والولايات المتحدة والصين معا فكلما اقتربت المنطقة من حافة الانفجار ارتفع اسم اسلام اباد بوصفها مساحة قادرة على جمع الخصوم دون ان تتحول الى طرف مباشر في الصراع.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال جولات الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران حيث تحدثت تقارير سياسية واعلامية عن دور باكستاني في تخفيف التوترات المتعلقة بمضيق هرمز والملف النووي الايراني خصوصا مع تصاعد المخاوف العالمية من تعطل امدادات النفط والطاقة في الخليج.

تدرك واشنطن جيدا ان باكستان ليست دولة هامشية في المعادلة الدولية فهي قوة نووية وتمتلك موقعا جغرافيا بالغ الحساسية يربط الخليج باسيا الوسطى والصين والمحيط الهندي فضلا عن حدودها الطويلة مع ايران ولهذا اصبحت اسلام اباد قادرة على اداء دور الممر السياسي بين القوى المتصارعة خصوصا مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز والملف النووي الايراني.

وتشير شواهد عديدة الى هذه الاهمية فالصين استثمرت عشرات المليارات في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يمتد نحو ميناء جوادر المطل على بحر العرب فيما تتابع الولايات المتحدة هذا المشروع بوصفه جزءا من النفوذ الصيني المتصاعد في اسيا والشرق الاوسط.

اما دول الخليج فتنظر الى باكستان بوصفها شريكا امنيا قديما وليس مجرد حليف سياسي عابر فمنذ عقود شاركت الكوادر العسكرية الباكستانية في تدريب جيوش خليجية عدة فيما اعتمد الاقتصاد الباكستاني على العمالة والتحويلات المالية القادمة من الخليج وخاصة من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وهذه العلاقة صنعت نوعا من الاعتماد المتبادل الذي يجعل اي توتر اقليمي ينعكس مباشرة على اسلام اباد.

وتظهر الارقام حجم هذا الترابط اذ يعيش في الامارات وحدها اكثر من مليون ونصف المليون باكستاني يعملون في قطاعات البناء والخدمات والنقل والتجارة ما يجعل اي اضطراب في الخليج قضية تمس الاقتصاد الباكستاني بصورة مباشرة.

لكن المثير في السياسة الباكستانية انها تحاول دائما الوقوف على حافة التوازن فهي لا تريد خسارة الخليج لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع الذهاب الى مواجهة مفتوحة مع ايران لان اي اضطراب على الحدود الايرانية الباكستانية قد يفجر ازمات امنية داخل اقليم بلوشستان ويهدد خطوط التجارة والطاقة.

ومن هنا برزت اسلام اباد كخيار مقبول نسبيا في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران فالايرانيون لا يرون فيها خصما معاديا ،والامريكيون ما زالوا يحتفظون بعلاقات امنية وعسكرية معها بينما ترى الصين ان استقرار باكستان جزء من امن مشروع الحزام والطريق الذي يمر عبر ميناء جوادر نحو بحر العرب.

في العمق لم تعد القضية مجرد مفاوضات نووية او هدنة مؤقتة في الخليج بل اعادة رسم لشكل النظام الاقليمي المقبل فالصين تتقدم اقتصاديا وامريكا تحاول حماية نفوذها التقليدي والخليج يخشى انفجارا قد يهدد الطاقة العالمية فيما تسعى ايران الى تثبيت حضورها الاقليمي دون الانزلاق الى حرب شاملة.

وسط هذا المشهد تبدو اسلام اباد وكأنها العاصمة التي تستمع للجميع فهي ليست الاقوى عسكريا ولا الاغنى اقتصاديا لكنها تمتلك ما هو اخطر في زمن الازمات القدرة على التواصل مع جميع الخصوم دون ان تغلق ابوابها امام احد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *