ليست كل المعارك تُفهم في لحظة وقوعها، ولا تُقاس بنتائجها المباشرة فقط. بعض المواجهات تكشف معناها الحقيقي عندما تتكرر الفكرة ذاتها في سياقات مختلفة، بأدوات متغيرة، لكن بالخطأ الاستراتيجي نفسه: الافتراض أن الجغرافيا الحساسة يمكن إخضاعها بسرعة عبر التفوق العسكري وحده. بين غاليبولي عام 1915 ومضيق هرمز اليوم، لا يتكرر الحدث، بل يتكرر نمط التفكير حين يقترب من “مضيق” بوصفه نقطة عبور، لا بوصفه عقدة مقاومة.
في غاليبولي، دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب العالمية الأولى عبر تصور يبدو منضبطاً على الورق: فتح مضيق الدردنيل للوصول إلى روسيا، إخراج الدولة العثمانية من المعادلة، وإعادة توزيع ميزان الحرب في أوروبا. كانت الفرضية الأساسية تقوم على معادلة بسيطة: قوة بحرية كافية + قصف مركز = فتح سريع للممر.
لكن هذه المعادلة اصطدمت سريعاً بما لم يُحسب بدقة: أن المضيق ليس قناة مائية محايدة، بل منظومة دفاع متكاملة. الألغام البحرية لم تكن تفصيلاً تقنياً، والمدفعية الساحلية لم تكن قابلة للإسكات السريع، والتضاريس البرية لم تكن امتداداً جغرافياً عادياً. ومع فشل الاختراق البحري، انتقلت العملية إلى الإنزال البري، لتنكشف طبقة أخرى من التعقيد: جغرافيا لا تُخضعها كثافة النار، بل تُعيد تشكيلها لصالح من يدافع عنها. ومع الوقت، تحولت العملية من خطة حسم إلى استنزاف طويل انتهى بانسحاب منظم، لكنه حمل في جوهره اعترافاً بأن “فتح المضيق” لا يُدار بمنطق التفوق التقني وحده.
ربما لهذا السبب بالذات ما زالت غاليبولي تُدرَّس حتى اليوم، ليس فقط كمعركة فاشلة، بل كنموذج كلاسيكي لسوء تقدير العلاقة بين القوة والجغرافيا. وفي تقديري، هذه النقطة تحديداً هي ما يجعل المقارنة مع هرمز مغرية إلى هذا الحد، لأن ادارة ترامب وقعت مجدداً في الفكرة نفسها: الاعتقاد أن السيطرة على المضيق تبدأ من البحر فقط، بينما الحقيقة أنها تبدأ من فهم البيئة التي تحيط به.
عند النظر إلى مضيق هرمز اليوم، لا يمكن اختزاله في صورة موازية، لكنه يتحرك داخل منطق مشابه من حيث البنية الاستراتيجية. فهو ليس ممراً مائياً فحسب، بل نقطة اختناق في شريان الاقتصاد و الطاقة العالمي، حيث تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد الدولي، وتتشابك حسابات الردع مع أمن الأسواق وسلاسل الإمداد.
وجه التشابه الأول يظهر في ما يمكن تسميته بـ”إغراء الحسم السريع”. في غاليبولي، كان الاعتقاد أن القوة البحرية كافية لفتح المضيق خلال فترة قصيرة. وفي المقاربات الحديثة لأمن هرمز، يتكرر منطق مشابه بشكل مختلف: إمكانية فرض واقع أمني جديد عبر انتشار بحري وجوي كثيف، يضبط حركة الملاحة ويقلص هامش التهديد. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن المضائق لا تُدار بمنطق السيطرة السريعة، بل بمنطق توازن الكلفة، حيث كل خطوة ترفع احتمالية ردود غير خطية.
وهنا تحديداً تكمن حساسية هرمز. فالمشكلة ليست في إمكانية فتح الممر أو حمايته عسكرياً لساعات أو أيام، بل في القدرة على ضمان استقرار طويل داخل مساحة مشبعة بالتوتر، وقابلة للاشتعال من أكثر من اتجاه. هذه النقطة غالباً ما يتم التقليل من أهميتها في الخطاب السياسي، لأن لغة الحسم السريع تبدو دائماً أكثر جاذبية من لغة الاستنزاف البطيء.
وجه التشابه الثاني يتعلق ببنية التحالفات أثناء التنفيذ. في غاليبولي، لم يكن الخلل في القوة العسكرية وحدها، بل في تباين التقديرات بين القوى المشاركة، ما انعكس على وحدة القرار وتماسك التنفيذ. وفي محيط هرمز، تتداخل مستويات متعددة من الفاعلين الإقليميين والدوليين، ما يجعل أي إدارة عسكرية للمشهد محكومة بتباينات في الرؤية حول حدود التصعيد، وأدوات التدخل، ومستوى المخاطرة المقبول. هذا التعدد لا يلغي الفعل، لكنه يعيد تشكيل إيقاعه ويزيد حساسيته لأي خلل في التنسيق.
أما الوجه الثالث، والأكثر عمقاً، فيتعلق بطبيعة “الرد داخل بيئة المضيق”. في غاليبولي، كان العامل الحاسم أن الدفاع لم يكن تقنياً فقط، بل مرتبطاً بدافع وجودي رفع كلفة التقدم بشكل غير متوقع. وفي هرمز، أي تصعيد محتمل لا يمكن فصله عن منطق الردع المتبادل، حيث لا تبقى الضربة ضمن مسار أحادي، بل تتحول إلى سلسلة تفاعلات متقاطعة تعيد توزيع المخاطر في كل مرحلة. في مثل هذه البيئات، لا تُقاس القوة بالقدرة على الضرب فقط، بل بالقدرة على امتصاص الارتداد.
لكن الفارق الجوهري بين الحالتين لا يقل أهمية عن التشابه. غاليبولي وقعت ضمن نظام حرب تقليدي محدود في الأدوات والنطاق. أما هرمز اليوم، فيقع داخل نظام عالمي مترابط، حيث تتحول أي اضطرابات أمنية إلى موجات فورية في أسواق الطاقة، وأسعار الشحن، والتأمين البحري، وحتى استقرار الاقتصاد العالمي. أي خطأ في التقدير لا يبقى محلياً، بل ينتقل فوراً إلى مستويات متعددة من النظام الدولي.
هذا التحول يغيّر طبيعة القرار نفسه. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإمكانية السيطرة أو التأمين، بل بكلفة أي محاولة لإعادة تعريف قواعد المضيق. وكلما ازداد ارتباط الجغرافيا بالبنية الاقتصادية العالمية، أصبحت “المسافة بين القرار ونتيجته” أقصر، لكن “كلفة النتيجة” أعلى بكثير.
بكلام أكثر مباشرة: غاليبولي كشفت أن التفوق العسكري لا يكفي حين تتحول الجغرافيا إلى طرف فاعل. أما هرمز، فيعيد صياغة السؤال داخل نطاق أوسع وأكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تصبح الجغرافيا جزءاً من بنية الاقتصاد العالمي لا مجرد مسرح عمليات عسكرية؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج التاريخ، بل بإدراك أن بعض الأنماط الاستراتيجية تعيد تشكيل نفسها كلما اقتربت القوى من المضائق. فهذه النقاط ليست ممرات عبور، بل مناطق اختبار للحدود الفعلية للقوة. وربما هذا ما يجعل أخطر الأخطاء الاستراتيجية ليس الدخول إلى المضيق… بل الاعتقاد أن الخروج منه سيكون سهلاً.


