بعد كلام السفير الامريكي عندما قال “الذي أخطأ بحق البطريرك عليه أن يغادر لبنان”.سالني كثيرين لماذا لم تدافع عن نفسك كشيعي.
يا اهلي هذه العقول عندما تتحدث، فهي تعرف انه ربما يرد احد مثلنا لذلك يستبقون الرد بكلام محكم، فهو قال من اساء الى البطريرك، وبحال رددت سيقال يعني انك اسات الى غبطة البطريرك او ان هذا الحديث ليس موجه اليك، او لماذا تدفع ثمن اخطا الاخرين، او لماذا تدافع عن فئة هم اصلا يهمشوك ويهشموك اعلاميا وسياسيا.
لكن هذا الموقف يستدعي منا وقفة صريحة للفهم بعمق لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
لنفترض جدلاً أنه تم ترحيل شيعة جبيل وكسروان، فما الذي سيتغير فعلياً؟ وكيف سيؤثر ذلك على أهالي المنطقة؟ هل ستتوقف المطاعم والفنادق والمقاهي السياحية في جبيل عن العمل بسبب غياب روادها؟ الواقع يقول إن 95 بالمئة من شيعة المنطقة لا يرتادون هذه الأماكن، ولا يشربون حتى “نرجيلة” من محالها.
وهل ستتعطل المطابع أو تتوقف الأنشطة الثقافية والفنية؟ الحقيقة المرة هي أن وجود ثلاثين ألف شيعي في المنطقة لا يكاد يُلمس أثره الثقافي أو الاجتماعي طوال العام، لولا إحياء مراسم عاشوراء التي تذكّر بوجودهم.
إن جُل اهتمام هؤلاء ينصب على العمل على مدار الساعة لجمع المال، لأنهم اعتقدوا -أو فَهِموا خطأً- أن قيمة الإنسان تُختصر في بناء بيت “ملبّس بالحجر” واقتناء سيارة من طراز حديث.
وحتى عندما يقيم أحدهم “عزيمة” أو مأدبة، فإنه لا يفعل ذلك ليمثل طائفته أو يعزز حضورها، بل ليميز نفسه عن بقية أبناء جلدته، ظناً منه أن الآخرين من المكونات الشريكة في الوطن لا يدركون حقيقة هذا السلوك النابع من عقد نقص خلّفها الحرمان المزمن.
إن هذا الانغلاق المادي والاجتماعي هو “عزلة” يؤدي إلى التلاشي إذا لم يتم الخروج منه.
أما المراهنة على فكرة “القوة الشيعية” في المستقبل، فهي رهان خاسر. فالعوائق الجغرافية والسياسية تجعلها مستحيلة؛ فالإسرائيلي الذي هجر ودمر قرى الجنوب، قادر على فعل الشيء نفسه في أي بقعة أخرى يلجأ إليها الشيعة، بل سيكون الأمر أسهل عليه في المناطق البعيدة عن الحدود التي لا تشكل تهديداً مباشراً له كما يفعله الجنوب اليوم. فماذا سيفعل أهالي الضاحية مثلاً لو قرر الاحتلال استهدافهم وتهجيرهم؟
وارجوا ان لا افهم خطأ وانا لا ادافع عن حزب الله بل اوصف الازمة الشيعة لانها أزمة وجودية ومعرفية عميقة؛ الشيعة يعانون من تقدير حقيقة التحولات من حولهم ومرض “الانا”.
لذلك المسألة لا تتعلق بـ “حزب الله” كحزب، فالحزب قدّم لمجتمعه كل الإمكانيات المادية، ونقل الكثيرين من واقع معيشي مرير كان فيه الإنسان يتقاسم غرفته مع مواشيه، إلى واقع ميسور تتوفر فيه حتى مياه الشرب التي يدفع الحزب ثمنها.
لو كان هناك وعي حقيقي، لعزل المجتمع الشيعي -أقله- هؤلاء الذين يطلقون النار في الهواء. ولو كان الشيعي يريد التطور فعلاً، لما اضطر السيد نصر الله لمناشدتهم عشرات المرات لوقف إطلاق النار في المناسبات، ومع ذلك يستمرون في “القواص” في الأفراح والأحزان.
شرح لهم السيد عشرات المرات “يا جماعة اي شخص ومهما ارتفع شانه وقدسيته عندما يتحدث في السياسة يحق للاخرين انتقاده في السياسة، “يعني ما تدخلوا اتركوا السياسة يرد عليها في السياسة”
لقد كان الشهيد السيد نصر الله “رضوان الله عليه” يدرك تماماً طريقة تفكير هذا المجتمع، ويعلم أن الإساءة التي تأتي من “ابن الطائفة” الذي يحاول الدفاع عنه بأسلوب أرعن، هي أسوأ بكثير من أي إساءة تأتي من خارج الطائفة؛ لذلك كان يخاطبهم برجاء: “إذا سمحتم، إذا بتعملوا معروف، إذا بتحبوا الله وآل بيته، لو سبوني الناس لا تدافعوا عني”.
قدم الحزب التعليم والطبابة، ودعم تخريج الآلاف من الطلبة الذين تصدروا لوائح النجاح، بينما كان الاقطاع الشيعي سابقا يقول “لهم عم نعلمكلم فلان”.
الأزمة لا تكمن في الحزب -رغم المحاولة- لم يستطع الارتقاء بالوعي الاجتماعي والسياسي للجمهور.
صدقوني، لا علاقة للحزب بأزمة الشيعة الحالية، بل هي أزمة بنيوية في تفكيرهم وأسلوبهم.
الإمام موسى الصدر هو الشخصية الشيعية الوحيدة التي لا نزال نعيش على “أنفاسها” في التعايش الإسلامي المسيحي رغم غيابه الطويل وربما رحيله، ولكن أخبروني: من هو الرجل الشيعي الآخر الذي استطاع إكمال هذا المشوار؟ أو هل سعى الشيعة أصلاً لإيجاد شخص يكمل هذا النهج من أجل مصلحتهم جميعاً؟
الشيعي اليوم يعتقد واهماً أن التماشي مع متطلبات الآخرين هو “إهانة”، فيصرخ في وجهك “هيهات منا الذلة”، يا أخي الأمر لا يتطلب كل هذا الشحن؛ فإذا دعوت ضيفاً إلى العشاء، فأنت تحضر له ما يحب هو، لا ما تفرضه أنت عليه بذوقك الخاص.
مطلوب اليوم وجود عقلاء في “الوسط” يتقنون فن التعامل والبروتوكول. بالأمس شاهدنا جميعاً كيف أن الرئيس ترامب لم يستطع تجاوز الملك تشارلز بخطوة واحدة، أو يخطئ بحركة أو كلمة، وعندما.


