يجب أن تقرأوا هذا النص، وإلا فلن يبقى لبنان، ولا شيعة، ولا مسيحيون، ولا أحد

يجب أن تقرأوا هذا النص، وإلا فلن يبقى لبنان، ولا شيعة، ولا مسيحيون، ولا أحد
يناقش النص تعقيدات الواقع اللبناني، معتبراً أن القوة الحقيقية تنبع من شبكات نفوذ عالمية خفية، لا من العدد أو السلاح، وينتقد الروايات التقليدية للاستقلال، مشيراً إلى أن غياب بعض القوى عن هذا النظام يفسر تهميشها...

يعيش لبنان اليوم في دوامة من فوضى التوصيفات وصراعات الأحقية، حيث يتمسك كل فريق برواية يراها “الحقيقة المطلقة”، ضائعاً بين منطق “من أُعطي له المجد” ومن “انتُزع منه”، وفي حسابات الأعداد والموازين الديموغرافية التي لم تفلح إلا في تحويل البلاد من “سويسرا الشرق” إلى مجاهل التراجع. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العالم، ولبنان في قلبه، لا يُدار بالصورة السطحية التي نراها على الشاشات؛ فمن يقرأ ما كُشف من وثائق وأسرار تاريخية يدرك أن موازين القوة الحقيقية تكمن في كواليس لم تكن يوماً متاحة للعامة.

لم يكن الرئيس كميل شمعون مجرد أسطورة سياسية بارعة الجمال والسطوة، ولم يكن الرئيس سامي الصلح مجرد “رجل ظل” قوي في تاريخ المشرق العربي بمحض الصدفة، بل إن قوتهما ونفوذهما الذي طال كبار قادة المنطقة كان مستمداً من موقعهما في الهرمية العالمية، حيث حملا الدرجة “33” في الماسونية، بل كان الصلح أكثر تعمقاً في طقوسها. وهذا الأمر ينسحب على الغالبية العظمى من الشخصيات التي حكمت لبنان منذ مطلع القرن العشرين وحتى ثمانينياته، وهي حقائق موثقة بالصور والتواريخ في الأرشيفات التي سُمح بنشرها.

حتى تلك الجملة الشهيرة، “مجد لبنان أُعطي له”، التي يتغنى بها اللبنانيون كشعار سياسي أو كنسي، هي في جوهرها نص ديني مستل من العهد القديم (سفر أشعيا)، يصف بهاءً إلهياً لا علاقة له بصراعات الاستقلال الحديثة. وحين نبحث في قصة الاستقلال نفسه، نجد أن الكنيسة، ورغم كونها اللبنة الأولى لفكرة الكيان، لم تكن هي من صنع الاستقلال عملياً، بل كان الثمرة نتيجة ضغط مباشر من شخصين هما كميل شمعون وسامي الصلح (وحتماً غيرهما ممن ساروا في نفس الاتجاه)، مستفيدين من صراع النفوذ بين القوى العظمى. والا لولا الاحداث العالمية لكانت امنا الحنون فرنسا تضحك علينا “بطبخة بحص” لن تنضج.

فبينما كان الموارنة يحلمون بالاستقلال منذ سقوط السلطنة العثمانية، كان الفرنسيون يراوغون بوعودهم متمسكين بفكرة “الولايات السورية” أو الفيدراليات. ولم يتحقق الاستقلال إلا حين دخلت بريطانيا على الخط، حيث اشترطت لندن على الجنرال الفرنسي جورج كاترو إعلان استقلال لبنان وسوريا لضمان كسب العرب.

وحين حاول ديغول التهرب من هذا الاستحقاق، جرى اجتماع حاسم برئاسة كميل شمعون ورياض الصلح وآخرين، وبحضور الجنرال إدوارد سبيرز، ممثل وينستون تشرشل؛ ويُقال إن هذا اللقاء تم في “نادي الشرق” الذي كان المحرك الأساسي لتقويض النفوذ الفرنسي.

وعندما علم ديغول بهذا الاجتماع، وبحضور سبيرز (الصديق المقرب لتشرشل الذي كان بدوره ماسونياً من الدرجة الثالثة)، استشاط غضباً وأمر باعتقال بشارة الخوري وكميل شمعون ورياض الصلح وكل من حضر اللقاء.

حينها هدد تشرشل وبضغط من ” سبيرز” بالتدخل العسكري المباشر وفرض الأحكام العرفية البريطانية في لبنان إذا لم يُفرج عنهم.

لقد عبر ديغول في مذكراته “الأمل” و”الحرب” عن مرارته تجاه تلك الحقبة، واصفاً سبيرز والماسونيين في لبنان بأنهم الجبهة التي انتزعت من فرنسا “جوهرة تاجها” في الشرق.

لذا، فإن غالبية ما يُنشر اليوم عن بشارة الخوري وعلاقاته بفرنسيا هي مجرد أقاويل نسجها محللون جدد يدورون في الفلك الشيعي ولا يدركون من الحقيقة شيئاً.

حتى التاريخ الذي يسوق له بعض الشيعة اليوم ما هو إلا نسج من الخيال، وهروب من واقع الحرمان الفظيع الذي عاشوه لأكثر من 700 عام؛ لكنه القانون النفسي الذي يدفع كل أمة للسعي نحو تجميل ماضيها الأليم بادعاءات الأمجاد الغابرة.

هذا الفهم يقودنا إلى واقع الشيعة اليوم، الذين يخطئون خطأً قاتلاً حين يظنون أن القوة تُقاس بالعدد أو بالسلاح وحده. فالتاريخ القريب يشهد أن بعض رؤساء البرلمان السابقين وصلوا إلى سدة المسؤولية عبر “المحافل” التي منحتهم الامتيازات والنفوذ، لا بقوة الطائفة.

إن صناعة التأثير لا تمر عبر الحروب؛ فالعالم محكوم بنظام دولي منذ قرون، يملك القدرة على جعل أي قوة خارجة عن إطاره تعيش الكفاف والتهميش مهما بلغ عددها، تماماً كما هو حال الهند بمليارها ونصف المليار وبسلاحها النووي، لكن دون دور قيادي عالمي فاعل. إن السلطة الحقيقية لا تُبنى بالوهم أو بـ “فقاقيع” التواصل الاجتماعي، بل بالمكانة في السلم العالمي الخفي.

لقد كان في لبنان شخص من آل “قطيني” يعيش زهداً مشهوراً، لكن ملوكاً ورؤساء، كالملك طلال والملك حسين وحتى الرئيس الأمريكي نيكسون، سعوا لنيل شرعيتهم أو درجاتهم الرفيعة منه شخصياً.

إن الذين يحكمون العالم لا يهمهم إيمانك، ولا عدد صلواتك، ولا إن كنت راهباً في محبس؛ هؤلاء هم حراس الحكم الذين يديرون السياسة والأموال، يراقبون الحسابات والأنفاس، فمن كان ضمن دائرتهم فُتحت له الأبواب، ومن كان خارجها استكثروا عليه حتى أبسط حقوقه.

هؤلاء لا يهتمون بظالم أو مظلوم، بل ينصرون “أخاهم” فيالمبدأ والمنظمة إن كان ظالماً أو مظلوماً.

واليوم، حين تصر إسرائيل على الوصول إلى “قبر حيرام” في لبنان لأسباب طقسية، فهي تفعل ذلك لإثبات أن لبنان لا يستحق إرثه التاريخي، تماماً كما أن السلطة لا تُمنح لمن يملك الصراخ، بل لمن يملك “الدرجة” والموقع في هذا النظام العالمي المعقد. وللأسف، فقد لبنان عبر هذه السنين العجاف أعظم قوة كان يمتلكها وتفرض وجوده على العالم.

لذلك لا الحروب الاقليمية ولا المناكفات الداخلية ولا حتى المناصب هي التي تمنح الاخرين حقوقا او تعطيهم دورا، القصة كلها في اللوح المكتوب، ابحث عن اسمك فيه او اسم طائفتك او جماعتك فان كان موجودا ستبقى وتحكم وتجد الدنيا امامك وان كنت خارجه تاكد ان سيتسابقون على اسقاطك ويحولون حياتك الى معيشة ضنكا.

انه النظام السيستم، الذي يرسم خرائط النفوذ، ومشكلة الشيعة انهم خارج هذا النظام، وربما بتصادم معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *