يجب تلبية دعوة الشيخ علي الخطيب

يجب تلبية دعوة الشيخ علي الخطيب
تؤکد المقالة على وحدة المجتمع، الصبر السياسي، دور المجتمع المدني الفاعل، أهمية التخطيط العقلاني، وتحاشي النزاعات الداخلية، لتحقيق حماية جماعية، تعزيز القوة الداخلية، ومواجهة التهديدات الوطنية والإقليمية بمشاركة جميع النخب والأفراد....

البداية يجب أن تكون هنا:

أن نتوقّف نهائيًا عن الصراعات الجانبية مع أي مكوّن لبناني، حتى مع أولئك الذين يهاجمون الطائفة الشيعية ورموزها علنًا لا تلميحًا. ففي لحظات الخطر الوجودي، لا يُقاس الوعي بعلوّ الصوت، بل بقدرة صاحبه على ضبطه.

الصمت في مثل هذه الظروف لا يُعدّ ضعفًا، بل هو ذروة القوة والمعرفة معًا. الصمت المدروس رسالة، يفهمها من يجلس في أروقة القرار، وتقرأها النخب قبل العوام: أن الشيعة أقوياء، واثقون، يمارسون فنّ الصبر لا عجزه، ويتقنون الانتظار حين يكون الانتظار فعلًا سياسيًا لا هروبًا.

في الحياة، لكل داء دواء، إلا قلّة الصبر؛ فهي وحدها بلا علاج.

ومن لا يعرف متى يصمت، لن يعرف يومًا متى يتكلم، ولا كيف يُسمع.

لسنا بحاجة إلى معارك إضافية، ولا إلى إثباتات مجانية. الضجيج لا يحمي طائفة، والانفعال لا يصنع حقًا، والشتائم المتبادلة لا تغيّر موازين القوى. ما يحمي الجماعات هو الحكمة حين تستعر الغرائز، والعقل حين يختلّ الميزان.

فلنخرج من مساحات الصخب العقيم، إلى رحاب المعرفة.

من ردّات الفعل إلى عمق الفكرة

من السجال اليومي إلى النقاش الهادئ، حيث تُصاغ القرارات، وتُبنى المسارات، ويُحفظ الوجود.

بالأمس، قال الرئيس نبيه بري كلمة تختصر الازمة اللبنانية كلّها:

«لم يعد يُجدي لبنان واللبنانيين بيانات الشجب والإدانة. ما ينقذ لبنان ويحرّر أرضه ويحصّنه في مواجهة العدوانية الإسرائيلية هو الوحدة الوطنية».

وقبل هذا الكلام، كان الشهيد السيد حسن نصرالله قد شكر جميع اللبنانيين، من دون استثناء، على هذه اللحمة الوطنية، متمنيًا ألّا تُخرب عبر الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي.

بعد ساعات قليلة من تصريح الرئيس بري بسبب العدوانية الاسرائيلية، وجّه العلامة الشيخ علي الخطيب نداءً واضحًا إلى الشيعة، دعا فيه «المكوّنات الشيعية إلى لقاءات تناقش الواقع وتتخذ القرارات المناسبة».

وهي دعوة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل تستحق أن تُلبّى وأن يُبنى عليها.

وكان قد سبقهم امين عام حزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، “الذي اعلنها صراحة ان مهمة الدولة هي الدفاع عن سيادتها وابنائها، والمقاومة خلفها بكل ما تطلبه”.

لقد كنتُ من أوائل من طالبوا بهذا المسار، منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، ودعوتُ إلى ما يشبه «الرابطة المارونية» في التجربة المسيحية، لا تقليدًا بل استلهامًا: إطارٌ مدنيّ، منظم، فاعل، يعمل خارج الاحزاب، ويخاطب الداخل والخارج بلغة تقاطع المصالح اقله لحماية الوطن ونسيجه.

نحن اليوم بحاجة إلى التحرك كمجتمع مدني.

كل فرد منا، إن كان يعرف بضعة أشخاص فاعلين في الداخل أو الخارج، مدعوّ إلى استثمار هذه العلاقات. لا لإنقاذ الشيعة من حرب فقط، بل ربما من أخطار أكبر: الإبادة الصامتة، أو التهجير القسري، أو العزل السياسي الطويل.

ولا يجوز، بل من الظلم، أن نطلب كل شيء من الاحزاب الشيعية. هذه أحزاب وقوى سياسية، مهما كبرت وتعاظمت، تبقى قدراتها محدودة قياسًا بقوة مجتمع مدني او اقتصادي حيّ وفاعل.

تجربة الدول الكبرى واضحة: قوة الولايات المتحدة ليست في جيشها فقط، بل في مجتمعها المدني، في مراكز أبحاثها، في نخبها الفكرية والإعلامية. صانع القرار هناك لا يقرأ فقط تقارير الوزراء وأعضاء الكونغرس، بل يتأثر بما يُكتب ويُناقش خارج النظام الرسمي، في فضاء النخب والمؤسسات المستقلة.

حتى اللوبيات اليهودية التي تُمسك بمفاصل القرار العالمي، ليست قوتها في الكيان الإسرائيلي بحد ذاته، بل في شبكاتها المدنية والفكرية والاعلامية والاقتصادية العابرة للدول. الكيان نتيجة قوة اللوبي اليهودي، لا العكس.

أما صراعات الدول الكبرى، فهي لا ترحم أحدًا.

التفاصيل الصغيرة فيها قد تقرر مصير الرؤساء والأنظمة. مادورو أُخذ من غرفة نومه، صدام حسين اعتُقل في حفرة تحت الأرض، ومعمر القذافي قُتل في مجاري الصرف الصحي.

في هذا النوع من الصراعات، لا الجغرافيا تحمي، ولا المال، ولا السلطة. تختفي الجبال، وتضيق البلدان، ويصبح الاختباء ضربًا من الوهم.

من هنا، لا بد من الذهاب إلى المجتمع المدني، والعمل الجدي لإنقاذ الطائفة.

فلنحاول، على الأقل. ففي داخلنا قوة، لو أُحسن استثمارها، لغيّرت الكثير.

لنلبِّ دعوة العلامة الشيخ علي الخطيب، ولنطالبه بأن تتحول المناشدة إلى طلب رسمي، يُوجَّه إلى كل من يجب أن يكون حاضرًا: نخب، خبراء، أصحاب رأي وتأثير.

نحتاج إلى عصف ذهني، إلى ابتكار حلول، إلى وضع آليات وأفكار خارج الصندوق.

في لحظات الخطر الوجودي، لا يكفي أن نصرخ ونضج.

يجب أن نفكّر نتحرك ونعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *