الداخل الاسرائيلي
1.بينت: إعادة ترتيب “الوسط” أم تفريغ المعارضة؟
أن يصرح بينت بأن التحالف مع لبيد لا يتضمن التناوب، وأنه يفتح الباب لآيزنكوت، فهذا يعني شيئاً واحداً: محاولة لبناء كتلة “أمنية-علمانية” موحدة ضد نتنياهو، لكن بشرط أن يظل بينت هو “الرأس” لا “الشريك المتساوي”. لكن السؤال الاستراتيجي ليس “هل ينجح بينت؟” بل: لماذا الآن؟
الجواب يكمن في الخبر الثاني: هجومه على سموتريش بملف “التهرب من الجيش”. بينت يستهدف هنا الشرعية الاجتماعية للحكومة لا مجردها السياسية. ففي النظام الإسرائيلي، “الجيش” هو الميثاق الجمعي الأخير. عندما يُتهم سموتريش ممثل التيار الديني المتطرف بأنه “مهندس التهرب”، فإن بينت لا يتحدث إلى الناخبين فحسب، بل إلى النخبة العسكرية-الأمنية التي تكره رؤية الدولة تُديرها قيادات لم تخدم في الجيش.
وفتح الباب لآيزنكوت هنا ليس مجرد انتخابي، بل رسالة إلى الجيش: “أنا الخيار الأمني الحقيقي، بينما نتنياهو يُدير الدولة بمن يتهرّبون من حمايتها”
السؤال التالي
لكن هل هذا يُقلق نتنياهو حقاً؟
قراءة نتنياهو عكسية لانه يرى في ذلك تغذية عكسية لصالحه مع معادلة الاصطفاف يمين أو وسط علماني.
قد يرى نتنياهو يهذه المعارضة. فائدة فبينت ولبيد وآيزنكوت إن اجتمعوا، سيُشكلون “وسطاً” يُبقي نتنياهو البديل الوحيد لليمين المتطرف، لكن في ذلك مغامرة غير محسوبة لانه قد تسبب في انشقاقات داخل حزب الليكود، لكن نتنياهو يرى أن المعركة الحقيقية ليست بين “يمين ووسط”، بل بين “يمين متطرف ويمين حاكم”. بينت يُقدّم خدمة غير مقصودة: يُبقي نتنياهو في مركز اللعبة باعتباره “الأقل تطرفاً” من سموتريش وبن غفي، قد يكون هذا حساب وقراءة غير دقيقة لواقع اسرائيل بعد العمليات الجراحية التي يجريها نتنياهو على النظام السياسي معادلة الانقلاب على النظام والتغيير الجذري في فصل السلطات المسؤوليات ونطاق الاستقلال والفصل بين السلطات والصلاحيات الواسعة للقضاء والرقابة على السلطة التنفيذية.
2.الكابينت المصغر: “الربط الاستراتيجي” يتقدم،
أن يجتمع الكابينت لساعات طويلة لبحث لبنان وإيران معاً، فهذا تأكيد على ما كتبته سابقا : نتنياهو ينفذ استراتيجية ربط الملفات بشكل منهجي. لم يعد هناك “جبهة شمالية” و”جبهة إيرانية” منفصلتين، بل هما وجهان لعملة واحدة.
لانه يراهن على الفشل ما يتيح له إبقاء النار مشتعلة لمصلحته الداخلية. والأهم: المحادثة بين نتنياهو وترامب خلال الجلسة لا قبلها. هذا يعني أن نتنياهو يُدير الكابينت كـ “غرفة عمليات” لا كمجلس وزاري، وأن ترامب ليس “حليفاً خارجياً” بل عنصر في صناعة القرار الإسرائيلي في اللحظة الحاسمة.
المشهد الاقليمي
3.ترامب و”استسلام إيراني”: عودة لوهم “فائض القوة المعطل”
هنا يتجلى البارادوكس الذي طورناه معاً: “فائض القوة المعطل”
ترامب يمتلك أقوى آلة عسكرية في التاريخ، ويُطبق حصاراً بحرياً شاملا، ويستطيع ضرب إيران عسكرياً. لكنه يُريد “استسلاماً” لا “حرباً”. يريد أن تستسلم إيران للشروط الأمريكية دون أن يُطلق رصاصة واحدة، لأنه يخشى التكلفة السياسية للحرب.
وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الكبير: ترامب يعتقد أن “الحصار البحري” أداة ضغط اقتصادي بحت. لكن في “العقيدة التكتيكية” الإيرانية الجديدة الحصار الشامل ليس “ضغطاً” بل “إعلان حرب”. وإيران لا تتعامل معه بمنطق “الصبر الاستراتيجي” القديم، بل بمنطق الرد الفوري المتعدد الجبهات.
إذاً، ترامب يُطبق منطق القوة الاقتصادية على دولة تتبنى منطق الحرب اللامتناظرة المتقدمة. وهذا يُنتج “فجوة في الفهم” قد تكون أخطر من الفجوة العسكرية نفسها.
4.”الاستعداد لاستئناف الهجمات”: تهديد أم “استنزاف آلي”؟
قول المسؤول الإسرائيلي إن الجيش الأمريكي والإسرائيلي “يستعدان” لاستئناف الهجمات إذا لم تستسلم إيران، يحمل دلالتين:
الأولى: هذا ليس تهديداً فارغاً. فـ “الاستعداد” يعني أن هناك خططاً جاهزة، وأن القرار ليس “هل نضرب؟” بل “متى نضرب؟”. وهذا يُقربنا من سيناريو الحرب غير المقصودة الذي توقعناه: ليس أن يقرر أحد الحرب، بل أن ينزلق الجميع إليها لأن “الاستعداد” يُصبح “ضرورة” بمجرد أن يفشل الحصار.
الثانية: إيران تقرأ هذا التهديد بلغة مختلفة. بالنسبة لها، “استئناف الهجمات” هو ليس “عقاباً” بل “فرصة” لتفعيل “الاستنزاف الآلي.فالضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية، مهما كانت دقيقة، ستُنتج:
– استنزافاً للصواريخ الدفاعية باتريوت، ثاد، القبة الحديدية.
– استنزافاً سياسياً داخليا احتجاجات، انهيار جبهة داخلية.
– استنزافاً دولياً صور القتلى المدنيين، ارتفاع النفط.
وبالتالي، ترامب يعتقد أنه يُهدد بالقوة، بينما إيران تنتظر أن يُهدد بالاستنزاف.
5.لبنان في المعادلة: “التجميد” أم “الاشتعال”؟
أن يُبحث الملف اللبناني إلى جانب الإيراني في الكابينت، فهذا يعني أن نتنياهو يُريد ربط التهدئة في لبنان بالضغط على إيران. منطقه: “إذا ضغطنا على إيران بالحصار والضربات، فإن حزب الله سيتراجع في لبنان”.
لكن هذا المنطق معكوس. فحزب الله، في “العقيدة التكتيكية” الجديدة، لن يكون “الورقة التي تلعبها إيران” بل “الجبهة التي تُشتت بها إيران الضغط” أي أن الضغط على إيران لن يُضعف حزب الله، بل قد يُجبره على فتح جبهة الشمال بشكل أوسع لإعادة توزيع الضغط العسكري.
الخلاصة الاستراتيجية: نحو “نقطة اللاعودة”
ما نراه في هذه الأنباء هو تراكم “المنطق الحربي” على حساب “منطق الدبلوماسية”:
الطرف | المنطق الذي يتبعه | النتيجة
ترامب “القوة تُنتج الاستسلام” يُصعّد دون أن يدرك أنه يُعلن حرباً نتنياهو “ربط الملفات = ضغط متعدد” يُضيّق خياراته حتى يصبح الحرب “ضرورة”
إيران “الرد الفوري المتعدد الجبهات” لن تنتظر حتى تنهار، بل ستضرب أولا.
والنتيجة: المشهد يتجه نحو “حرب غير مقصودة” ليست بسبب “قرار”، بل بسبب “تراكم الاستعدادات”. فعندما يكون الجيشان الأمريكي والإسرائيلي في حالة “استعداد قصوى”، وإيران في حالة “عقيدة تكتيكية”.


