ترميم الروح في حضرة الماء

ترميم الروح في حضرة الماء
يروي النص تجربة اغتراب من العراق إلى أمستردام، حيث يتحول الألم إلى فرصة لإعادة بناء الذات، ويبرز صراع الماضي مع الحاضر، مؤكداً دور الكتابة والوعي في ترميم الروح وتحويل الاغتراب إلى قوة إبداعية...

انطلقت رحلتنا من العراق، لا كفرارٍ من جغرافيا، بل كهروبٍ من فوهة بركان حطم أحلامنا؛ حيث استحال الوطن تحت وطأة الطغيان إلى زنزانة كبرى تضيق بأنفاسنا. كانت الرحلة ارتماءً في أحضان المجهول، فراراً من يقين الموت إلى احتمالات الحياة، في مسار طويل من الوجع الصرف مشيناه على أقدامنا نقتفي أثر نجاة وهمية. وفي لحظة لا تُنسى من صقيع الحدود، تجمد جسد ابني الذي لم يكمل عامه الأول حتى كاد الموت يختطفه من بين يديّ؛ لم يكن ذلك البرد مجرد طقس، بل كان ذروة “التشيؤ” الإنساني أمام جبروت الخرائط وقسوة الطبيعة.

حين استقرت بنا الرحال في أمستردام، المدينة التي اخترتها لتستوعب قلقي العاصف وتنوعي الثقافي، صدمتني التفاصيل الهادئة التي لم تكن في حسابات ذاكرتي المشبعة بالحروب. أدهشتني الورود التي تتنفس في كل زاوية، والخضرة التي تعانق الماء في ثنائية أبدية، بل وحتى سكون الأمكنة ولطف العابرين ومبادرتهم بإلقاء التحية بابتسامة دافئة. في هذا المكان المسالم، يظهر الجمال المخفي للأشياء، ويتحول الجلوس في مقهى إلى طقس احتفالي، والمشي في شارع نظيف إلى فعل حرية. شعرت حينها أنني قادم من عالم قاسٍ إلى حياة تحتفي بالتفاصيل، وكأنني أعيش تجربة “الاغتراب” التي وصفها إدوارد سعيد بأنها “الصدع الذي لا يبرأ بين الكائن البشري ومكانه الأصلي”.

لكن هذا السكون كان مستفزاً لـ “غريزة الناجي” الكامنة في داخلي. ذلك الكائن المتأهب الذي زرعته فيّ غبار الحروب والهروب المستمر والتربص والخوف، وجد نفسه في عالم لا ينتمي إليه. كنت أشعر أن هذا الهدوء هو “فخ” أو مصيدة، فالهجرة والانتقال من حدود لأخرى علمتني أن اليقظة هي الضمان الوحيد للنجاة، بينما هولندا كانت تدعوني للاسترخاء. هنا نكتشف أن الوطن غير العادل هو المنفى الحقيقي، وأن المسافة تسقط الفضائل الوهمية لنرى الخراب الذي خلفناه وراءنا بوضوح جارح.

المؤلم في هذه الرحلة كان رؤية رفاق الدرب وهم ينقلون حطامهم الداخلي إلى أرصفة الغربة. بدلاً من محاولة فهم المكان الجديد، استعادوا صراعاتهم القديمة وتعاملوا مع بعضهم كأشباح لنسخ متآكلة. لقد حملوا جروحهم وتلبّسوا بها، وكأنهم يخشون أن يبرأوا من ماضيهم. هذا الصنف من البشر لا يغير الأمكنة ليتجدد، بل لكي يجعل المكان الجديد يشبه عالمه القديم، فيعيش تائهاً في فراغ بين وطن صار بعيداً واغتراب لا يعرف كيف يسكنه. وهم بذلك يؤكدون أننا لا نزال غارقين في الماضي وأكاذيبه المقدسة؛ بلا تصفية ولا قراءة جديدة ولا مصالحات، ولذلك ستبقى مدننا تشبهنا في خرابها. وهذا ما يذكرنا بطروحات تزفيتان تودوروف حول “الإنسان المغترب” الذي يفقد القدرة على قراءة الرموز الجديدة لأنه مكبل بظلاله القديمة.

أدركتُ أن النجاة الحقيقية تكمن في ترويض ذلك “الكائن المذعور” الكامن في الأعماق. وبالنسبة لي، لم تكن هناك وسيلة غير الكتابة. لقد تحولت الكتابة من فعل تعبيري إلى “مبضع” استأصلتُ به أشواك الطريق وجروح الماضي. حولتُ القلق والانتظار وحروب الرأس العاصفة إلى جمل أدبية وسياسية جديدة، وأعدتُ بناء ذاتي من هذا الفراغ الذي لا يجب أن يُملأ بالضجيج، بل بالوعي الإبداعي وكثرة القراءة. فكما يرى جوزيف كونراد، الاغتراب يمكن أن يكون قوة دافعة للإبداع إذا استطاع الإنسان أن يحول ألمه إلى لغة وبناء جديد.

ومع الوقت، تعلمت أن أمستردام ليست مجرد مدينة تسكنها، بل هي كيان يغمرك بتفاصيله حتى يسكنك. هنا يتلاشى الفارق بين لمعان القنوات المائية ونبض قلبك؛ هي مدينة شاعرة بامتياز، تكتب قصائدها بانعكاس المطر فوق أحجار “الرامبرانت بلين”، وفي تلك الطمأنينة الغافية فوق الجسور الخشبية القديمة. حين تمشي في أزقتها التي تفيض بسحر يتجاوز جمال لندن وباريس مجتمعتين، تشعر كأنك سقطت في حلم يقظة يحررك من إرث المذبحة؛ لا شعارات صاخبة، بل “ديمقراطية الدراجات” وزهور التوليب التي تتنفس بحرية في كل شرفة. هناك، حيث يمتزج التاريخ بالماء بعفوية أخاذة، تدرك أن المكان الملآن هو المكان “المفاجأة” الذي يفتح نوافذ الأمل.

في هذه المدينة التي تحرسها القنوات منذ قرون، لا يحتاج الناس لاستحضار الماضي قسراً، فهو يعيش معهم بوضوح في طراز المنازل الضيقة والمتاحف التي تشرع أبوابها للحياة، تراه بالعين ولا تنفصل عنه. هنا، الشارع نفسه شاعر، وتسأل نفسك بذهول: ما الحاجة لكتابة الشعر وكل شيء منثور على الطريق؟ من الأناقة الدافئة للعابرين إلى فنجان القهوة المضمون في مقاهي “الأردان”. في هذا العالم، “الوضوح هو مرادف الشرف”؛ لا خلفيات مناورة، لأن المجتمع أنجز قطيعة فكرية مع الماضي بفضل المبدعين والمهندسين والمثقفين، الذين جعلوا من المدينة لوحة من التسامح والوضوح.

لقد رحلتُ نحو عزلتي الإبداعية في قلب هذه المدينة، بعيداً عن دوائر الأمس، محاولاً التمسك بـ “دهشتي الأولى” التي لا تزال تنبض كلما رأيتُ شمعة في نافذة جارتي أو قارباً ينساب بصمت في القناة. هذه الدهشة هي برهاني الوحيد على أنني لم أتحطم تماماً رغم وعورة الدرب. الاغتراب في أمستردام هو عبور لنهر يكشف قوة الجسد ومناعة الروح، وأنا اخترت أن أعبره بلا عكازات الجماعة، محولاً ذاكرتي من مخزن للألم إلى هوية جديدة تطهر الجروح ولا تمحوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *