بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)
بقلوبٍ ملؤها الإيمان بقضاء الله وقدره، ونفوسٍ يعتصرها الألم، ويخيّم عليها الحزن، لفقد علم من أعلام الإسلام ومدرسة أهل البيت (ع)، ننعى سماحة العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين محمد هادي الصدر (رحمه الله) الذي وافته المنية فجر يوم الثلاثاء الموافق الثالث من ذي القعدة 1447هـ / الواحد والعشرين نيسان 2026م. بعد مرض عضال في إحدى مستشفيات بغداد.
لقد انطفأ قنديلٌ من قناديل الفكر والعلم والأدب المستنير، التي كانت تضيء دروب الحوار والوسطية والتعقّل في زمن يضج بالتطرف وعدم الاعتدال.
لقد وُلِدَ السيد الفقيد في مدينة الكاظمية يوم السبت 11 ربيع الأول عام 1364هـ الموافق للرابع والعشرين من شهر اشباط 1945م، وقد أرّخ والده (تغمده الله برحمته) ولادته قائلاً:
يا قمراً شعَّ سنا نورِهِ
في الأرضِ حتّى طبّق الخافقين
أمنيتي أنتَ وهل مثلُها
أمنيةٌ في الكونِ للوالدين
أرّخ: (إذا لاح بسيمائه
حسينُ مني وأنا من حسين)
وإنّ السيد حسين الصدر من أسرة علمية عريقة، عرفت برجالات العلم والأدب والسياسة، ورعاية شؤون الأمة في مختلف مراحل التأريخ. حتى نقل عن الإمام الشهيد محمد باقر الصدر قوله حول هذه الأسرة الكريمة: (إنّه لم يكن بيني وبين الإمام موسى بن جعفر إلا مجتهدٌ عادل، أو عالمٌ فاضل).
وقد ترعرع السيد الفقيد في مدينة الكاظمية الجميلة، وكربلاء المقدسة، والحلة الفيحاء، مع أسرته التي كانت تتنقل في هذه المدن بحكم عمل والده في محاكم القضاء في العراق، فاكتسب من هذا التنقل والترحال خبرة اجتماعية وأدبية متنوعة أضافت إلى شخصيته ومواهبه الذاتية روحاً جديدة من المعارف والظرف وخبرة في الأعراف الاجتماعية، حتى أصبح يتمتع بجرأة اجتماعية وأدبية نادرة نابعة من شعوره بالتكامل النفسي الداخلي.
أكمل السيد الفقيد دراسته الإبتدائية والثانوية، وكلية الحقوق في بغداد بدرجة جيد جداً عام 1967م، وفي نفس العام يمَّم وجه نحو جامعة النجف الأشرف العريقة ذات الألف عام، فدرس عند كبار العلماء في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، منهم: السيد عبد المجيد الحكيم، والسيد محمد حسين الحكيم، والسيد كاظم الحائري، والشيخ محمد تقي الإيرواني، كما حضر دروس البحث الخارج للإمام السيد أبو القاسم الخوئي والإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
وبعد هجرة العلامة السيد الشهيد مهدي الحكيم من العراق عام 1969م، الذي كان إمام مسجد وحسينية الحاج عباس التميمي في الكرادة، أصبحت الحاجة ماسة إلى عالم يحلّ محلّه لسد الفراغ الديني والاجتماعي في المسجد. فتم اختيار السيد حسين الصدر عالماً في هذا المسجد من قبل مرجعية السيد محسن الحكيم، واهتمام السيد الشهيد محمد باقر الصدر فكان يتصدى لإقامة الصلاة، وإلقاء الأحاديث الدينية والمحاضرات الثقافية على رواد المسجد وأبناء المنطقة. وبعد رحيل الإمام السيد الحكيم عام 1970م، أصبح وكيلاً للإمام السيد الخوئي، ومعتمداً لدى الشهيد الصدر في بغداد.
وفي غضون الهجمة الشرسة الواسعة التي شنها النظام البعثي المقبور على علماء العراق، وشباب الدعوة الإسلامية في عام 1979م، فقد طال الاعتقال السيد حسين الصدر، حيث تعرض لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وبعد فصولٍ من التعذيب والمعاناة أطلق سراحه، ومنع ممارسة مهامه الدينية، فلم يعد العراق يتسع لوجوده فقرر الهجرة والسفر خارج العراق، فكانت محطته الأولى في سوريا، حيث أسس مؤسسة أهل البيت (ع) في حي السيدة زينب في دمشق وقام بتجميع المهاجرين العراقيين والعناية بهم.
وكان يسكن في منزل الإمام المغيب السيد موسى الصدر في منطقة الروضة في دمشق، وأذكر أنني كنتُ ألتقيه في هذا المنزل في مطلع عام 1980م، كما أذكر أنّ أول خبر وصلنا عن شهادة الإمام السيد محمد باقر الصدر كان في هذا المنزل، وكنا نتداول هذا الخبر المفزع مع السيد حسين الصدر في دمشق، ولعل أوّل بيانٍ نعيٍّ صدر عن الإمام الشهيد محمد باقر الصدر كان من هذا المنزل.
ثم وصل السيد الفقيد إلى إيران وشارك بتأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982 م، ثم انتقل إلى العمل السياسي والتبليغي في بريطانيا واستقر في لندن عام 1985م وعمل هناك معارضاً نشطاً لنظام صدام المقبور، فكان يقوم بمهمات وخدمات للجالية العراقية من خلال إلقاء المحاضرات والأحاديث الثقافية في التجمعات والمؤتمرات الاجتماعية والسياسية.
وأذكر أننا كنا نعمل بالتعاون والتنسيق معه ومع العلماء المقيمين في لندن مثل العلامة السيد مهدي الحكيم، والعلامة الدكتور السيد محمد بحر العلوم، وغيرهم من العلماء العاملين في ساحة بريطانيا.
وفي هذه الفترة أسس السيد الفقيد المعهد الإسلامي للخطابة والتبليغ، وأصدر منه صحيفة المنبر الأسبوعية عام1995 م، وكنت أدرّس في هذا المعهد مادتي العقائد والتأريخالإسلامي.
وأذكر بمناسبة حفل افتتاح مؤسسة (دار الإسلام الخيرية في لندن) وهي مؤسسة تقام فيها صلاة الجمعة، وتقدّم خدمات ثقافية واجتماعية متنوعة للجالية الإسلامية في لندن، كانت للسيد الفقيد مساهمة في هذا الاحتفال حيث ألقى كلمة وقصيدة.
كما أذكر إضافة إلى عملنا الديني والثقافي المشترك في لندن كانت لنا مجالس أدبية خاصة ومراسلات شعرية طيبة تخفف عنّا هموم الغربة وآلام الهجرة، وكان للشاعر الراحل الصديق المبدع الدكتور جودت القزويني دورٌ في هذه المجالس والمراسلات بما يمتلكه من روحٍ أدبية، وموهبة شعرية رائعة.
وبعد سقوط الصنم في بغداد عام 2003م، عاد السيد الفقيد إلى العراق مشاركاً في الشأن السياسي، فقد كان عضواً في الجمعية الوطنية، وبعدها عضواً في مجلس النواب، وكانت له مساهمات ومبادرات في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وله علاقات طيبة مع مختلف أطراف العملية السياسية.
وفي السنوات الأخيرة من عمره تفرّغ بشكل كامل لجمع تراثه الفكري والأدبي، وتأليف مقالات وخواطر أدبية كثيرة نشرت في بعض الصحف العراقية، فصدرت له عدّة كتب وموسوعات أدبية لا يستغني عنها المثقف والباحث في الشأن الإسلامي والأدبي، كما صدرت له عدّة دواوين شعرية حول العراق وشهدائه وبالخصوص حول الإمام الشهيد الصدر.
وإنّ آخر ما صدر عنه كتاب بعنوان (ذكرياتي مع الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر) وهو حوار أجرته معه (مؤسسة دار الإسلام) ضمن سلسة كتب ذكرياتي وهي حوارات مع تلامذة الشهيد الصدر والمقربين له.
لقد غادرنا السيد حسين الصدر (رحمه الله)، تاركاً خلفه لوعة في القلب، وإرثاً لا يمحوه الغياب، وذكراً عطراً في مجالس العلم والأدب. لقد كان رجل الكلمة الطيبة الجامعة، والقلب الذي اتَّسع للجميع، يحمل هموم وطنه في قلبه، ويدعو بلسانه وفكره إلى ما فيه خير البلاد والعباد.
إنَّ فقدان شخصيةٍ بمثل قامة الصدر الراحل ليس خسارة لعائلته ومحبيه فحسب، بل هو فقدان لركنٍ من أركان الفكر الوسطي الذي يحتاجه وطننا اليوم.
نعم ستفتقده المحافل التي طالما زانها بحضوره، وستفتقده الأوراق التي طالما خطّ فيها أدبه وشعره بقلمه، وسيذكره التاريخ في سجل الخالدين الذين وهبوا حياتهم للكلمة الصادقة والعمل الصالح.
أما أنا فلا يسعني إلا أن أودعه بقولي:
وكيف أقول وداعاً وعيناك بيتي
وكيف أقول وداعاً ويوم رحيلك موتي
سأبقى أصلي مع الفجر شوقاً
لعلك في الحلم تأتي
وفي الختام نعزي أهله وذويه، وأسرة آل الصدر الكريمة، والحوزة العلمية، والشعب العراقي بكل طبقاته وشرائحه.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، ويعرف بينه وبين العلماء والشهداء من أصحابه، وأن يلهمنا جميعاً الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل.
إنا لله وإنا إليه راجعون
