يذكر الجاحظ بغداد على لسان الجند: إنها الدنيا كلها معلقة بها وصائرة إلى معناها وجميع الدنيا تبع لها وكذلك أهلها لأهلها وفتاكها لفتاكها.
ويقول عنها المقدسي: إنها وسط الدنيا وسرة الأرض والمدينة العظمى.
هي أم المدنية في عمارة مساجدها وحماماتها المطلية بالقار وبجسورها ومعاهدها.
لم تتعرض مدينة لتكرار التخريب مثلها فقد مر بها كل الغزاة لكنهم مضوا وبقيت هي.
ويذكر المؤرخون في تأسيسها أخبار كثيرة تصل حد الأسطورة، فقد جال المنصور في نواح عديدة من العراق ليقف عند موقع بغداد، يذكر له أن الكتب تقول إن رجلا يدعى المقلاص هو الذي يعمر هذا المكان ويدوم ملكه في أبنائه، فيقول المنصور إنه هو المقلاص فقد كان لقبه وهو حدث. فيذكر الطبري هذه الرواية( أفسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا والطريق يومئذ على المدائن، فخرجنا على ساباط، فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه، فأقام يعالج عينيه، فسأله الطبيب: أين يريد أمير المؤمنين؟ قال يرتاد منزلا؛ قال: فإنا نجد في كتاب عندنا، أن رجلا يدعى مقلاصا، يبني مدينة بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، …. قال سليمان: فإن أمير المؤمنين لبأطراف الجبال في ارتياد منزل، إذ قدم علي صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين، فدعا الرجل فحدثه الحديث، فكر راجعا عوده على بدئه، وقال: أنا والله ذاك؛ لقد سميت مقلاصا وأنا صبي، ثم انقطعت عني).
ويخط البناؤون المدينة بالرماد فيأمر أن ترش حدود الرماد بحبات القطن ثم يأمر أن يصب عليه النفط ويحرق، فبانت صورة المدينة بألسنة النار والدخان، فدخلها مشبعا بصورتها ليأمر ببدء البناء.لقد شيدت هذه المدينة على شكل حصن كبير يتألف بحسب المعماريين من ثلاثة عناصر معمارية هي: التحصينات، الأسوار الخارجية، المنطقة السكنية.
وصف الأسوار
تعود أسوار بغداد إلى أول تأسيسها وتخطيطها في 141ه فكانت جزءا من خريطة اعمارها، وهما- أول الأمر- سوران يحيطان المدينة المدورة، وبنيت مدورة كما يعللون لئلا يكون الملك إذا نزل وسطها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع، وعمل لها سورين، السور الداخل أطول من السور الخارج.
وقيل أن المنصور أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء واحكام الاساس، وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله 50 ذراعا وقدر أعلاه 20 ذراعا كما يذكر الطبري، في حين يذكر اليعقوبي أن عرض السور70 ذراعا، في حين يذكر المعلم نابليون الماريني في كتابه( تنزه العباد في مدينة بغداد) من مصادره أرقاما أخرى، فيقول إن السور ابتناه المنصور وقاية للمدينة، وكان يبلغ 8 أذرع عرضا و30 ذراعا ارتفاعه.
وفي كتابه ( بغداد بين القديم والحديث) يذكر الأعظمي أن ارتفاع السور 35 ذراعا وعرضه 50 ذراعا ثم يكون في الأعلى 20 ذراعا.
وحول السور 163 برجا وحوله خندق عميق.
والسور الخارجي ارتفاعه 30 ذراعا وعرضه كعرض الأول وليس عليه أبراج وبينه وبين الأول 60 ذراعا.
أبواب السور
وجعل للمدينة أربعة أبواب هي: باب خراسان، وباب الكوفة، وباب الشام، وباب البصرة. والأبواب متوازية شرقي وغربي وشمالي وجنوبي، وجعل على كل باب قبة ارتفاعها 50 ذراعا، وهي مذهبة يصعد إليها على الخيل، وعلى كل باب قائد وألف من الجند.
وهذه الأبواب من الحديد. يذكر الطبري قصة طريفة عن أصل الأبواب التي جلبها المنصور فهي لمدينة قرب واسط بناها سليمان بن داود يقال لها (الزندورد) اتخذها له الشياطين للمدينة خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس عمل مثلها، كما جلب بابا آخر من الشام يقال عمل الفراعنة.
مادة بناء السور والمدينة
كانت المشاورة أن يكون الآجر من الطاق ثم تم العزوف عنه لارتفاع كلفة الهدم وجهد النقل.
وقد عمل البناء من اللبن، اللبنة منها ذراع في ذراع، وجعل في البناء جوائز القصب( النفاش) مكان الخشب. وذكر بعضهم أنه هدم من السور الذي يلي باب المحوّل قطعة فوجد فيها لبنة مكتوبا عليها وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، قال فوزناها فوجدناها على ما كان مكتوبا عليها من الوزن.
أجور وأعداد البنائين
الاستاذ: يعمل يومه بقيراط فضة.
الروزكاري( أي العامل اليومي): يعمل بحبتين إلى ثلاث حبات.
عمل في البناء أكثر 100 ألف من الفعلة أو العمال، وكانت تكاليف البناء 18 ألف ألف دينار أي 18 مليون دينار.
الأسواق من داخل السور إلى خارجه
كانت أسواق المدينة في طاقات المدنية الأربع في كل واحد منها سوق، فلم تزل على ذلك حتى قدم عليه بطريق من بطارقة الروم وافدا، فلما انصرف سأله المنصور: كيف رأيت مدينتي؟ قال رأيت بناء حسنا؛ إلا أني قد رأيت أعداءك معك في مدينتك، قال: ومن هم؟ قال: السوقة. فلما انصرف البطريق أمر باخراج السوق من المدينة.
وانتشرت المباني حول السورين. وأنشئت لاحقا أسوار أخر فأسوار بغداد لم تكن سورا واحدا، فعدا السورين الذين اقامهما المنصور بنى ابنه المهدي سورا سنة 160ه وفي الجانب الشرقي وضع المستظهر سورا سرّع ببنائه في 448ه ولم يتمه، وتم في عهد المسترشد سنة 517ه.
حالة السور في العصر الحديث
يوصّف الكرملي السور فيقول سقط منه جانب كبير سنة 1831م، وهدم بأمر مدحت باشا سنة 1870م ما كان منه في الجهة الغربية لتوسيع المدينة ولتحسين هوائها، وهدم باب الطلسم عن آخره ليلة 11 آذار 1917م، وكان قد جعله الاتراك مخزنا للبارود فجروه حين خروجهم حينما ولي الاتراك من الانكليز الذين احتلوا المدينة، واليوم لا يعرف له أثر البتة والحسن، كما يقول الكرملي، أن الافرنج اخذوا برسمه بالشمس( صورة بالتصوير الشمسي).لقد كانت حيطة العثمانيين العسكرية، كما يقول مكية، شؤما على هذا الأثر الإسلامي الرائع، فهو صورة لما وصلت إليه عمارة الأسوار الإسلامية آنذاك.


