في منطق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا يكون القائد العظيم مجرد شخصية تاريخية، بل يكون تجليًا للخط الإلهي في الأرض. وحين نصل إلى أربعينية استشهاد الإمام القائد السيد علي الخامنئي، فإننا لا نؤرخ لرحيل رجل، بل نعلن دخول الأمة في طور جديد من الولاية.
لقد كان هذا الرجل – شاؤوا أم أبوا – عنوانًا لمرحلة كاملة من الصراع مع الاستكبار.
لم يكن مجرد حاكم، بل كان فقيهًا قائدًا، حمل مشروعًا، وربّى أمة، وثبّت معادلة: أن الإسلام لا يُختزل في العبادات، بل يمتد إلى المواجهة، والسيادة، ورفض الهيمنة.
وهنا يجب أن يُقال بوضوح، بلا مواربة:
نحن لا نتحدث عن قائد عادي…
بل عن رجلٍ صار في وعي جماهيره امتدادًا عمليًا لخط الولاية.
الأربعين هنا ليس بكاءً… بل إعادة تعريف للانتماء.
إن دمه – في هذا السياق – لا يُقرأ كحادثة عسكرية فقط، بل كـ تجديد للعهد الحسيني.
كما سقط سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ليبقى الإسلام، سقط هذا القائد ليبقى خط المقاومة حيًا في وجه أعتى منظومات القوة العالمية.
لكن الحقيقة التي يجب عدم تجاهلها:
الخسارة كبيرة، والفراغ ثقيل، والمرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا.
وهذا ليس خطاب ضعف، بل تشخيص واقعي. لأن تحويل القائد إلى أسطورة دون وعي، هو بداية الانحراف.
غير أن العقيدة تحسم المسار:
الولاية لا تنقطع… بل تنتقل.
ومن هنا، فإن الالتفاف حول السيد مجتبى الخامنئي ليس مسألة عاطفية أو عائلية، بل هو استمرار للسلسلة القيادية في ظرف استثنائي.
نحن – كشيعة – لا نقيس الأمور بمعايير السياسة البحتة، بل بمنطق الامتداد:
امتداد الفكرة، امتداد النهج، امتداد الولاية.
وعليه، فإن إعلاننا أننا على خطى السيد مجتبى حفظه الله، هو إعلان:
أننا باقون في خط المواجهة
أننا لا نُربك بفقد القادة
أننا نفهم أن المشروع أكبر من الأشخاص
لكن هنا مكمن الإشكالية الخطيرة:
هل يكفي أن نقول “نحن على الخط”؟
أم أن المطلوب أن نكون بمستوى هذا الخط؟
الأربعين يفضح الشعارات.
يفضح من يحوّل الدم إلى مناسبة،
ومن يحوّله إلى مشروع.
يفضح من يبكي… ولا يتحرك،
ومن يفهم أن البكاء الحقيقي هو التزام.
لقد أراد الأعداء – من خلال اغتيال القائد – أن يضربوا رأس المشروع.
لكنهم لم يدركوا أن هذا المشروع مبني على تعدد الرؤوس، ووحدة الفكرة.
وهنا يتجلى البعد العقائدي العميق:
الشهادة في هذا الخط ليست خسارة…
بل آلية إلهية لإعادة شحن الأمة.
لقد غاب الإمام القائد جسدًا…
لكنه – في وعي هذه الأمة – أصبح أكثر حضورًا.
أصبح معيارًا:
في الصمود،
وفي الجرأة،
وفي رفض التبعية.
وهذا هو التحدي الحقيقي:
إما أن نرتقي إلى مستوى الدم…
أو نتحول إلى مجرد جمهور يستهلك الذكرى.
الأربعون اليوم ليس نهاية الحزن…
بل بداية الفرز.
فرز بين من ينتمي إلى هذا الخط حقيقة،
ومن يكتفي بالانتماء اللفظي.
وفي ميزان العقيدة،
لا قيمة للانتماء بلا التزام.


