واجب نصرة المؤمنين في زمن الفتن: قراءة أخلاقية في ضوء الروايات وأثرها على موقف المؤمن المعاصر

واجب نصرة المؤمنين في زمن الفتن قراءة أخلاقية في ضوء الروايات وأثرها على موقف المؤمن المعاصر
نصرة المؤمنين واجب شرعي لا خيار أخلاقياً. الخذلان مع القدرة يوجب خذلان الله. الحياد السلبي يعزز الظلم. النصرة تكون بالمال والموقف والإعلام والوعي. تركها يؤدي لتفكك المجتمع وفقدان الأمن الأخروي...

المقدمة

تشهد الساحة الدولية في الزمن الراهن تصاعداً حاداً في الصراعات، ومن أبرزها التوتر العسكري والسياسي بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى. هذا الواقع يفرض على المؤمن تساؤلاً جوهرياً: ما هي وظيفته الأخلاقية والشرعية تجاه إخوانه المؤمنين في مثل هذه الظروف؟ وهل يقتصر دوره على التعاطف الوجداني، أم يتعداه إلى نصرة عملية بمستويات متعددة؟

تكمن أهمية هذا البحث في كونه يعالج التوتر بين الموقف الأخلاقي الفردي والواجب الجماعي في سياق سياسي معقد، ويعيد قراءة النصوص الروائية ضمن تطبيقها المعاصر. أطروحة هذا البحث تقوم على أن نصرة المؤمنين ليست خياراً أخلاقياً مستحباً فحسب، بل هي واجب شرعي له أبعاد عقدية واجتماعية، وأن التقصير فيها يؤدي إلى آثار سلبية خطيرة على الفرد والمجتمع، كما تؤكد الروايات الشريفة.

العرض التحليلي

ينطلق التصور الإسلامي للعلاقة بين المؤمنين من قاعدة أخوية راسخة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ سورة الحجرات: 10. هذه الأخوة ليست مجرد رابطة عاطفية، بل هي منظومة التزامات متبادلة، تتجلى في النصرة والمواساة والدفاع.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلاّ خذله الله في الدنيا والآخرة» (1). هذا النص يضع معياراً حاسماً: القدرة مع ترك النصرة تُعد خذلاناً، والخذلان موجب لعقوبة إلهية مزدوجة دنيوية وأخروية. إن هذا المفهوم يكتسب خطورة خاصة في زمن الصراعات، حيث تتوفر لدى كثير من المؤمنين وسائل متعددة للدعم، ولو على مستوى الكلمة أو الموقف.

وفي رواية أخرى عن الإمام الكاظم عليه السلام: «إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة» (2). هنا يتضح أن السعي في حاجات المؤمنين ليس عملاً اجتماعياً عادياً، بل هو سبب للأمن الأخروي. وإذا أسقطنا هذا المفهوم على الواقع المعاصر، فإن دعم الشعوب المؤمنة التي تتعرض لضغوط أو تهديدات يدخل في هذا الإطار، سواء كان الدعم إعلامياً أو اقتصادياً أو معنوياً.

من جهة أخرى، يحذر أهل البيت عليهم السلام من التقصير في هذا الواجب. فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «من بخل بمعونة أخيه المسلم والقيام له في حاجته، ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر» (3). هذه الرواية تكشف بعداً نفسياً واجتماعياً دقيقاً؛ إذ إن الامتناع عن نصرة المؤمنين لا يؤدي إلى الحياد، بل يوقع الإنسان في مسارات منحرفة قد يخدم فيها أعداء الحق دون أن يشعر.

هذا التحليل يتقاطع مع ما يقرره علم الاجتماع الحديث حول “الحياد السلبي”، حيث يبيّن أن الامتناع عن اتخاذ موقف في الصراعات الأخلاقية يؤدي عملياً إلى تعزيز الطرف الأقوى. ويذكر بعض الباحثين في علم الاجتماع أن “اللامبالاة الاجتماعية تسهم في ترسيخ الظلم البنيوي” (6). وهذا ينسجم مع مضمون الروايات التي ترفض الحياد في مواضع الحق والباطل.

أما من الناحية النفسية، فإن دعم الجماعة المؤمنة يعزز ما يسمى في علم النفس بـ”الهوية الجمعية”، وهي التي تمنح الفرد شعوراً بالانتماء والمعنى، وتقلل من القلق والاغتراب (5). وهذا يفسر لماذا ركزت الروايات على التكافل، إذ قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مواساة الأخ في الله تزيد في الرزق» (4). فالزيادة هنا لا تقتصر على الرزق المادي، بل تشمل الاستقرار النفسي والاجتماعي.

وفي مقابل ذلك، فإن التقصير في النصرة يولد آثاراً سلبية خطيرة، منها تفكك البنية الاجتماعية وضعف الروابط الإيمانية. وقد عبّرت الروايات عن ذلك بلغة شديدة، كما في قول الإمام الصادق عليه السلام: «أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً» (1). هذا التعيير يعكس بعداً أخلاقياً عميقاً، حيث يتحول التقصير إلى فضيحة أخروية.

عند إسقاط هذه المفاهيم على الواقع الحالي، يظهر أن دعم المؤمنين في إيران – بوصفهم جزءاً من الأمة المؤمنة – لا ينحصر في الدعم العسكري أو السياسي، بل يشمل مستويات متعددة:

أولاً: الدعم المعنوي والإعلامي، من خلال الدفاع عن الحق وفضح الظلم. وهذا يدخل في باب “نصرة المظلوم“، وهو من أوضح مصاديق الواجب الأخلاقي.

ثانياً: الدعم الاقتصادي، ولو بقدر يسير، لأن الروايات لم تشترط الغنى، بل جعلت أصل المواساة مبدأً عاماً.

ثالثاً: تثبيت الوعي، وعدم الانجرار خلف الدعاية المعادية، وهو من أهم التحديات في عصر الإعلام.

مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى إشكالية مهمة: وهي أن بعض المؤمنين يخلط بين النصرة الشرعية والانخراط غير الواعي في الصراعات السياسية، مما قد يؤدي إلى مواقف غير منضبطة. هنا تظهر الحاجة إلى ميزان دقيق يستند إلى توجيهات أهل البيت عليهم السلام، بعيداً عن العواطف المجردة أو التحليلات السطحية.

كما أن هناك سلبية أخرى تتمثل في الاكتفاء بالشعارات دون فعل حقيقي، وهو ما يمكن تسميته بـ”التدين الشكلي”. هذا النمط لا يحقق مقاصد الشريعة، بل قد يساهم في تخدير الضمير الجماعي، وهو ما تحذر منه الروايات ضمناً حين تربط الإيمان بالفعل.

الخاتمة

يتبين من خلال هذا البحث أن نصرة المؤمنين ليست مسألة ثانوية، بل هي ركن أساسي في البناء الأخلاقي والاجتماعي للإيمان. الروايات الشريفة تؤكد بوضوح أن التقصير في هذا الواجب يؤدي إلى آثار سلبية خطيرة، تصل إلى حد الخذلان الإلهي.

كما أن التحليل العلمي الحديث يدعم هذه الرؤية، حيث يثبت أن التضامن الاجتماعي يعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي، بينما يؤدي التفكك إلى نتائج عكسية. وفي ظل الواقع الراهن، يصبح من الضروري إعادة تفعيل هذا المبدأ بصورة واعية ومتزنة، بعيداً عن الإفراط والتفريط.

إن المؤمن اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون جزءاً من منظومة النصرة، أو يقع – بقصد أو بغير قصد – في دائرة الخذلان. والفرق بينهما لا يتحدد بالشعارات، بل بالمواقف العملية التي تنسجم مع تعاليم القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام.

المصادر والمراجع

  1. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص193، 197، 366.
  2. الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، ص99.
  3. الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال، ص249.
  4. الطبرسي، الحسن بن الفضل، مشكاة الأنوار، ص230.
  5. علم النفس الاجتماعي: دراسات عربية وعالمية، محمود السيد أبو النيل، ص85.
  6. علم الاجتماع، أنتوني جيدنز، ص112.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *