الملخص
تُعدّ عقيدة الإمام المهدي عليه السلام وغيبته من أهم المسائل العقدية في الفكر الإمامي، وقد شكّلت محورًا واسعًا في مباحث الكلام والعقيدة والتفسير والحديث. يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية موثقة تستند إلى القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وروايات أهل البيت عليهم السلام، مع بيان فلسفة الغيبة، والرد على أبرز الإشكالات الفكرية المعاصرة.
المقدمة
إن الإيمان بوجود حجة لله في كل زمان أصلٌ راسخ في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويستند إلى نصوص قرآنية وحديثية متضافرة. وقد نصّت الروايات على أن الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي عليه السلام قد دخل في الغيبة الصغرى ثم الكبرى بأمرٍ إلهي، وأن غيبته ليست انقطاعًا عن وظيفة الإمامة، بل انتقالًا من الظهور العلني إلى الحضور الحُجّي واللطف الرباني.
وقد وردت نصوص متعددة في مصادر معتبرة تؤكد أصل الغيبة وفلسفتها، منها قول النبي صلى الله عليه وآله: “المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم”. (almaaref.org)
أولاً: الأساس القرآني لعقيدة الحجة والغيبة
-
عدم خلو الأرض من الحجة
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾سورة الرعد: 7 تُعد هذه الآية من أهم الآيات التي استدل بها علماء الإمامية على استمرار وجود الهادي الإلهي في كل عصر. ويُعضد هذا الأصل ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام:
لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها (almaaref.org) وهذا النص يؤسس لمبدأ عدم انقطاع الحجة حتى في زمن الغيبة.
- الوعد الإلهي بالاستخلاف
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾سورة النور: 55 وقد فسرت مدرسة أهل البيت هذا الوعد بتمام تحققه في دولة العدل المهدوية.
- إمكان طول العمر
قال تعالى في نوح عليه السلام: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾سورة العنكبوت: 14 وعليه، فإن الاعتراض على طول عمر الإمام يردّه النص القرآني من جهة الإمكان العقلي والوقوعي.
ثانياً: الأحاديث النبوية الشريفة
وردت أحاديث كثيرة متواترة في أصل المهدي عليه السلام. منها: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (almaaref.org.lb) ومنها: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلًا من ولدي (almaaref.org.lb) كما ورد النص الصريح في الغيبة: لا بد للغلام من غيبة (almaaref.org) وهذا يدل على أن أصل الغيبة له جذور نبوية سابقة على عصر الأئمة المتأخرين.
ثالثاً: روايات أهل البيت عليهم السلام
-
الانتفاع بالإمام في الغيبة
من أشهر الروايات: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب (almaaref.org) وهذا التشبيه يحمل دلالة عقدية عميقة؛ فعدم الرؤية لا يساوي عدم الأثر.
-
فلسفة الغيبة
ذكرت الروايات عدة حكم للغيبة، منها:
الخوف من القتل (almaaref.org)
امتحان الأمة (m-mahdi.net)
عدم اكتمال شروط الظهور (alseraj.net)
- وظيفة الأمة زمن الغيبة
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق (alseraj.net) وهذا يبين أن الانتظار في مدرسة أهل البيت هو مشروع أخلاقي وإصلاحي، لا سلبية فيه.
رابعاً: التحليل العقدي والفلسفي
إن الإشكال القائل: ما جدوى إمام لا يظهر؟ يقوم على حصر وظيفة الإمام في السلطة الظاهرة. غير أن مدرسة أهل البيت ترى أن للإمام وظائف متعددة: الحجة على الخلق، حفظ الدين، الامتداد المعنوي والروحي، الإعداد للظهور وعليه، فإن الغيبة ليست تعطيلًا للإمامة، بل تحول في نمط ممارسة الوظيفة الإلهية.
الخاتمة
يتبين من مجموع الأدلة القرآنية والحديثية والروائية أن عقيدة الغيبة ليست بناءً نظريًا مجردًا، بل أصل عقدي موثق في النصوص الإسلامية.
فالإمام المهدي عليه السلام غائب عن الظهور، حاضر بالحجة، قائم بوظيفته الإلهية ضمن الحكمة الربانية إلى أن يأذن الله بالظهور وإقامة دولة العدل.
المراجع المختارة
القرآن الكريم.
الغيبة، الشيخ النعماني.
الغيبة، الشيخ الطوسي.
بحار الأنوار، المجلسي، ج52–53.
مصادر الحديث المهدوي المعاصرة. (almaaref.org)


