إن المعادلة الإستراتيجية في المنطقة تتغير بوتيرة أسرع بكثير من السابق
من محاولة الإخضاع إلى التوازن القلق… وتسارع مخاض النظام الدولي الجديد
لم تعد الأحداث التي تشهدها منطقتنا مجرد تطورات عسكرية أو سياسية عابرة، بل أصبحت تعكس تحولاً حقيقياً في طبيعة الصراع وفي شكل التوازنات التي تحكم المنطقة والعالم.
فالتسارع الكبير في الوقائع يوحي بأننا نعيش مرحلة انتقالية قد تعيد رسم معادلات استمرت لعقود.
في الفترة الأخيرة بدا واضحاً أن هناك محاولة لفرض واقع جديد يقوم على إخضاع بعض القوى الإقليمية وإدخالها ضمن ترتيبات أمنية وسياسية ترسمها القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن ما جرى على الأرض لم يسر وفق هذه التوقعات بالكامل.
فبدلاً من أن تؤدي الضغوط والحرب المركبة إلى تقليص دور إيران، ساهمت هذه المواجهة في تعزيز فكرة التوازن، وفي تشجيع قوى مختلفة على البحث عن مساحات استقلال أوسع في القرار السياسي والأمني.
وهكذا بدأت تتشكل ملامح معسكر غير معلن يسعى إلى منع التفرد بالقرار وإلى فرض نوع من الردع المتبادل.
إن صمود إيران في مواجهة الحرب والضغوط لم يكن حدثاً عسكرياً فقط، بل كان له أثر نفسي وسياسي في المنطقة، حيث أعاد طرح سؤال القدرة على مقاومة الهيمنة، وأعطى مثالاً على أن الصراع لا يُحسم دائماً بالتفوق التقني أو الاقتصادي وحده.
كما أن التضحيات الكبيرة التي رافقت هذه المرحلة، إلى جانب إدارة الصراع بحذر لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ساهمت في تسريع التحول نحو معادلة أكثر تعقيداً وتوازناً.
وفي الوقت نفسه، يتقاطع هذا التحول الإقليمي مع تغيرات أوسع على مستوى العالم، حيث يبرز صعود قوى دولية جديدة، ويتزايد الحديث عن نهاية مرحلة القطب الواحد وبداية نظام متعدد الأقطاب.
وفي مثل هذا النظام تصبح المناطق الحساسة — ومنها الشرق الأوسط — ساحات رئيسية لاختبار موازين القوى الجديدة.
وسط هذه التطورات يقف العراق أمام تحدٍ مهم.
فهو يمتلك موقعاً جغرافياً وسياسياً يجعله متأثراً بما يجري حوله، لكنه يمتلك أيضاً فرصة لإعادة صياغة دوره بما ينسجم مع مصالحه الوطنية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يستمر العراق في الاعتماد على معادلات رسمت في ظروف سابقة، أم يسعى إلى بناء سياسة أكثر توازناً واستقلالية تستفيد من التحولات الدولية والإقليمية؟
إن التحرر من التبعية لا يعني القطيعة أو المغامرة، بل يعني امتلاك قرار وطني مرن قادر على تنويع العلاقات وبناء قوة داخلية تحمي الاستقرار.
وفي عالم يتغير بسرعة، قد تكون القدرة على التكيف الواعي هي العامل الحاسم في تحديد موقع الدول في المستقبل.
ما يحدث اليوم قد لا يحسم كل شيء، لكنه بالتأكيد يسرّع ولادة مرحلة جديدة.
مرحلة تتراجع فيها الهيمنة المطلقة، ويظهر بدلاً منها توازن قلق يحتاج إلى حكمة سياسية وصبر إستراتيجي حتى يتحول إلى استقرار حقيقي.



2 Responses
”مقال يلخص مخاض ولادة النظام العالمي الجديد من قلب منطقتنا. السيادة ليست شعاراً بل هي ‘قدرة على التكيف مع موازين القوى’ كما تفضلتم. صمود إيران غيّر قواعد اللعبة، وعلى العراق أن يلتقط الإشارة لبناء توازناته الخاصة بما يحفظ أمنه القومي واستقلال قراره. دام عطاؤكم الفكري أستاذ عباس النوري
احسنتي العلوية شذا الموسي
شكرا لمرورك الكريم
هذا الوعي والإدراك نحن بأمس الحاجة خصوصاً في عصر التزييف وتكاثر الفتن