تتسارع الإشارات القادمة من الإقليم لتشكّل لوحة معقدة من التهديدات المتبادلة والتحشيد العسكري والرسائل السياسية المتناقضة.
ما يبدو للوهلة الأولى كتصعيد منفصل في أكثر من ساحة يتكشف عند التدقيق كجزء من مشهد استراتيجي واحد يقترب تدريجياً من نقطة الانفجار دون أن يبلغها بعد.
وجود سفينة الإنزال الأمريكية بوكسر وعلى متنها آلاف من قوات المارينز ليس مجرد انتشار روتيني، بل رسالة مزدوجة:
الأولى ردعية موجهة إلى إيران .
والثانية طمأنة للحلفاء في الخليج بأن واشنطن لا تزال ممسكة بزمام المبادرة العسكرية ، غير أن هذا الوجود في بيئة مشبعة بالتوتر يحمل في طياته احتمال الانزلاق إلى اشتباك غير محسوب، خصوصاً في الممرات البحرية الحساسة كـمضيق هرمز.
في المقابل تحذيرات طهران للسكان في رأس الخيمة تمثل نقلة نوعية في لغة التهديد إذ تنتقل من الإطار العسكري إلى الضغط النفسي المباشر على العمق المدني لدول الخليج.
هذه الإشارات لا تعني بالضرورة نية فورية لضرب أهداف داخل الإمارات، لكنها تعكس استعداداً إيرانياً لتوسيع بنك الأهداف في حال تعرضها لهجوم مباشر وهو ما يرفع من مستوى المخاطر بشكل غير مسبوق.
أما التصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب بشأن “تسعير الحرب” — سواء بطلب تمويل لاستمرارها أو إيقافها — فتشير إلى منطق ابتزاز سياسي أكثر منه استراتيجية عسكرية متماسكة وهذا الطرح يكشف عن أزمة في تعريف الهدف الأمريكي من التصعيد فهل هو احتواء إيران، أم استنزاف حلفاء الخليج مالياً، أم إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي؟
تبدو مواقف بعض دول الخليج خصوصاً الإمارات والسعودية وكأنها تتحرك ضمن هامش ضيق بين القبول بالدور الأمريكي والخشية من تداعيات المواجهة المباشرة.
الإشارات إلى السماح باستخدام قواعد عسكرية أو التنسيق السياسي مع واشنطن لا تعني بالضرورة رغبة في الحرب، بقدر ما تعكس محاولة لتفادي الضغوط الأمريكية من جهة وردع إيران من جهة أخرى لكنها في الوقت ذاته تضع هذه الدول في دائرة الاستهداف المحتمل إذا ما اندلعت المواجهة.
العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد هو “تعدد الجبهات” ، فإعلان الحوثيين الجاهزية في البحر الأحمر يضيف بعداً استراتيجياً بالغ الخطورة إذ يمكن لأي تصعيد ضد إيران أن يُقابل بفتح جبهات موازية تستهدف الملاحة الدولية أو المصالح الأمريكية والخليجية في مناطق بعيدة نسبياً عن مركز الصراع وهذا النمط من “الحرب غير المتكافئة” يمنح إيران وحلفاءها قدرة على توزيع الضغط وإرباك الخصوم.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: الاحتكاك المحدود، حيث تقع اشتباكات بحرية أو ضربات موضعية دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، لأنه يحقق لجميع الأطراف “استعراض القوة” دون تحمل كلفة الانفجار الكبير.
السيناريو الثاني: التصعيد المتدرج متعدد الجبهات وفيه تتوسع الضربات لتشمل أهدافاً داخل الخليج مع تحرك الحوثيين في البحر الأحمر وربما استهداف قواعد أمريكية وهذا السيناريو يحمل مخاطر عالية لكنه يبقى مضبوط الإيقاع نسبياً.
أما السيناريو الثالث: الانفجار الشامل وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة حيث تتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تشمل ضربات جوية وصاروخية واسعة والاستمرار بإغلاق مضيق هرمز وربما اغلاق مضيق باب المندب ايضا وانخراط مباشر لقوى إقليمية ودولية.
أن المنطقة لا تقف على أعتاب حرب تقليدية بقدر ما تعيش حالة “ردع متوتر”، حيث يقترب الجميع من الخط الأحمر دون تجاوزه لغرض رسم خارطة النفوذ في المنطقة والذهاب الى نهاية معلومة .


