على وقع التصعيد الإعلامي الأميركي والإسرائيلي الذي يروّج لخيار الضربة الكبرى وصولاً إلى التلويح باستخدام السلاح النووي كورقة ضغط لدفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف، يبرز سؤال الرادع الذي تمتلكه إيران رغم إعلانها الدائم أن السلاح النووي محرم شرعاً وليس في عقيدتها. لكن مع تبدل المعادلات وقيادة جديدة ربما ترى في الردع غير التقليدي ضرورة حتمية في مواجهة عدو لا يعرف حدوداً في استخدام القوة ،تظهر معادلة مغايرة. فإيران اليوم وإن كانت تبتعد عن صناعة القنبلة النووية التقليدية ،تمتلك مخزوناً هائلاً من اليورانيوم المنضب والوقود النووي، إلى جانب ترسانة صواريخ باليستية أثبتت دقتها وهو ما يمنحها القدرة الفورية على تصنيع (القنبلة القذرة) وهي سلاح لا يتطلب تعقيدات التفجير النووي ،بل يعتمد على نشر المواد المشعة عبر صاروخ أو أي وسيلة أخرى. هذا الخيار الردعي وإن كان لا يحدث دماراً شاملاً، إلا أن تأثيره الاستراتيجي قد يكون أكثر إيلاماً لإسرائيل من أي صاروخ تقليدي، إذ يمكن للتلوث الإشعاعي أن يحول مساحات واسعة إلى مناطق غير قابلة للحياة، مسبباً تهجيراً جماعياً لمئات الآلاف وضارباً جوهر المشروع الصهيوني القائم على فكرة التجمع السكاني.
غير أن دول الخليج العربي لن تكون بمنأى عن هذه الكارثة إن هي اندلعت. فالجغرافيا الضيقة للمنطقة تعني أن أي استخدام للأسلحة النووية أو القنابل القذرة – سواء من قبل إيران رداً على ضربة أميركية-إسرائيلية أو من قبل أي طرف آخر – سيؤدي إلى تلوث إشعاعي يطال مياه الخليج ومحطات التحلية والمدن الكبرى لعقود بل لقرون قادمة. هنا تبرز النصيحة الحتمية لدول الخليج: الضغط الفوري والحاسم على الولايات المتحدة لثنيها عن المغامرة النووية لضرورة وجودية. فمن حق هذه الدول أن تطلب من حليفها الأميركي بكل حسم ألا يجعل أراضيها ساحة لتبعات حرب لا طائل منها وأن تدرك واشنطن أن أي تصعيد نووي في المنطقة سينهي الحياة في الخليج كما نعرفها، ويجبر سكانها على الهجرة القسرية إن لم يواجهوا الموت والدمار نتيجة التلوث الإشعاعي الناجم عن الفعل المضاد. إن الملاحة البحرية والاقتصادات الخليجية ومستقبل الأجيال كلها رهينة بقرار أميركي واحد واليوم قبل فوات الأوان، على دول الخليج أن تتحرك لوقف الانزلاق نحو الهاوية التي لا يغفر جحيمها الإشعاعي لأحد.


