الكتابة ..

شخصياً أتعبني هذا التمييزُ ، وأعترفُ أنني لا أستطيعُ أن أميزَ ما كتبَهُ أبو الفرج الاصفهاني عما كتبَهُ الجاحظ مثلاً ، وإن حصلَ أن عرفتُ أن هذا النصّ لهذا الكاتب فلأني قرأتُه مسبقاً وأبقيتهُ عالقاً في ذاكرتي ....

صعبٌ جداً أن يعمدَ المرءُ إلى تصنيفِ أساليبِ الكتابةِ أو تبويبها ، ووضعِ الكتّابِ في خاناتٍ ومجاميعَ ذاتِ سماتٍ متقاربةٍ في مقابلِ مجاميعَ أخرى يَسِمُها طابعٌ مختلفٌ .

ومناشئُ هذهِ الصعوبةِ كثيرةٌ ، أرى أنّ أهمَّها يتركزُ في أمرين :

الأمر الأول / هو إن لكلّ كاتبٍ أسلوبَهُ الخاصَّ الذي ينفردُ به عن أقرانهِ ، وإن انتمى إلى المدرسةِ الكتابيةِ ذاتِها ، تلك التي تجمعُهُ بصحبةٍ تشتركُ فيما بينَها جغرافياً ودراسياً ومعرفياً ونفسياً وسياسياً، بل قد يتّحدُ معهم في معالجةِ المواضيع عينِها .

وفوقَ هذا كلِّهِ قد يختلفُ الكاتبُ ـ وكثيراً ما يحصلُ هذا ـ مع أسلوبهِ هو وطريقتهِ هي ، فتراهُ في مقالٍ رجلاً بأسلوبٍ تعهدُهُ ، وفي كتابٍ آخرَ مختلفاً غريباً عنه ، وفي محاضرةٍ ثالثاً جديداً .

الأمرُ الاخر / هو اختلافُ طبيعةِ الموضوعاتِ التي يختصُّ بها كلُّ كاتبٍ، فمنها ما هو أدبيّ نقديّ ، ومنها ما هو لغويّ ، ومنها ما هو تأريخيّ ، ومنها ما هو دينيّ ، ومنها ما هو جامعٌ لكلِّ هذه المشارب .

فترى الكتَّابَ يتناوبونَ على طرقٍ وأساليبَ متنوعةٍ ، كلُّ فردٍ منهم يذهبُ المذهبَ الإنشائي الذي يناسبُهُ ويوفرُ له اليُسْرَ في إيصالِ معارفِه.

وقد يشذّ عن هؤلاءِ كتّابٌ لا يعنيهم كثيراً أن يبلغوا بما يكتبونَ إلى أفهام المتلقين أو كلِّ المتلقينَ، وهذا أيضاً مرتبطٌ بحساسيةِ الموضوع وخصوصيته ، وقد يكون موجوداً فعلاً وهم حرثوهُ بأدواتهمِ الخاصةِ، وقد يكون من نتاج الكاتبِ ، وأعني بنتاجِهِ أن يكونَ من عندياتِهِ الفكريةِ أو التخيلية.

إن الصعوبةَ في تبويبِ هذهِ الأنواعِ الكثيرةِ من الكتابةِ قد تُعزى إلى اعتقادِ القارئ في بداياتِ اطلاعِهِ على عالم الكتابةِ، فيظنُّ مثلاً أن طه حسين والعقاد والرافعي ومحمود محمد شاكر وأحمد أمين يتشابهون في ما يكتبون (ولا أعني طبعاً مواضيعَهم البحثية وإنما عنيتُ الأسلوب) ولا شكَّ قطعاً أن هناك رابطةً قويةً تربطُ كتاباتِ هؤلاءِ وتجمعُها وتنتظمُها في حقلٍ واحدٍ وفنٍّ كتابيٍّ لهُ ملامحُ عامةٌ متقاربة وهو حسبَ ظني الدرسُ اللغويّ الأدبي المصريّ الأزهري ـ وقد أقلعَ عن هذهِ الطرقِ في الكتابةِ الحُدَّثُ من المؤلفينَ فلا ترى لها أثراً في مؤلفاتِ نصر حامد أبو زيد ولا جابر عصفور ولا يوسف زيدان ولا في مؤلفات كثير من الكتاب المصريين ـ إلا أن الفردانيةَ في الأسلوبِ والإبداعَ الشخصيَّ سيتضحُ ـ ربما ـ للقارئ بعدَ أن يقطعَ شوطاً في قراءةِ الإشاراتِ اللغوية والتعابيرِ الخاصةِ والنفَسِ الفرديّ الذي يَمِيزُ فلاناً عن فلان .

شخصياً أتعبني هذا التمييزُ ، وأعترفُ أنني لا أستطيعُ أن أميزَ ما كتبَهُ أبو الفرج الاصفهاني عما كتبَهُ الجاحظ مثلاً ، وإن حصلَ أن عرفتُ أن هذا النصّ لهذا الكاتب فلأني قرأتُه مسبقاً وأبقيتهُ عالقاً في ذاكرتي .

ولا أنسى أنَّ كثيراً من أساتذتِنا وأصدقائِنا يكررونَ هذه العبارةَ دائماً : أسلوبُ الجاحظ مختلف ، أسلوب طه حسين مختلف .

والحقيقةُ أن اختلافَ الجاحظ عندي هو عمقُ إشاراتهِ الفكريةِ ، وهذا ما منحَهُ التباينَ عن غيرِه ، أما في مجالِ السردِ فهو كغيرهِ من كتابِ عصرهِ ومن لحقَهُ إبداعاً وبياناً وحسنَ عبارة .

وثمةَ شيءٌ آخرُ لمستُه عند الجاحظ وهو بالضبطِ ما أراهُ في كتابات الدكتور علي الوردي ، هو أنك مضطرٌّ أن تتبسمَ أو تضحك بصوت في كثير من فقراته الظريفة .

ومن الجهة تلكَ فإنّ ما يميزُ طه حسين مراوغتُهُ الرهيبةُ وملاحقةُ فكرتِهِ بالأدلةِ التي يُلبسها ثوباً منطقياً ، وقد تقتنعُ بما ينتهي إليه من أثباتِ فكرةٍ ما ، ثم تنسفُ بداخلِك كلَّ قناعتِك ، مُبقياً إعجابَكَ بمكرِ الكتابةِ وخبثِها في قلم هذا الساحر الأعمى، أعني لسانَهُ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *