تفتح الإشارات الأخيرة إلى “محادثات مثمرة” بين الولايات المتحدة وإيران نافذةً ضيقة على احتمال التهدئة بعد أسابيع من التصعيد، غير أن هذه النافذة لا تزال محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين، ليس فقط بسبب تعقيد الصراع، بل أيضاً بسبب الطبيعة المتقلبة للخطاب السياسي، كما يظهر في مواقف دونالد ترامب، التي تتأرجح بين التهديد بالتصعيد والحديث عن تقليص العمليات.
غير أن جوهر المسألة لا يكمن في التصريحات، بل في بنية الشروط التي تحكم إمكانية الوصول إلى تسوية، إذ إن السلام في هذا السياق لا يعتمد على الإرادة السياسية المعلنة فقط، بل على قدرة الأطراف على التوفيق بين منظومات متعارضة من المصالح والأهداف.
في الجانب الإيراني، يتمحور الشرط الأساسي حول الحفاظ على بقاء النظام وسيادته، ورفض أي صيغة تُفهم على أنها استسلام أو إعادة تشكيل داخلي تحت ضغط خارجي، كما تسعى طهران إلى الاحتفاظ بهامش من القدرة الاستراتيجية، سواء في المجال الصاروخي أو في حدود معينة من البرنامج النووي، بما يضمن لها موقعاً إقليمياً فاعلاً.
في المقابل، تنطلق الولايات المتحدة من هدف مزدوج يتمثل في منع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، وتقليص نفوذها الإقليمي الذي يُنظر إليه بوصفه تهديداً لمصالحها ولمصالح حلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل، التي ترى في أي تسوية لا تتضمن إضعافاً جوهرياً للقدرات الإيرانية خطراً استراتيجياً طويل الأمد.
وهنا تتشكل العقدة الأساسية: إيران تريد الاعتراف بها كقوة إقليمية مستقلة، بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى احتواء هذه القوة أو إعادة ضبطها ضمن حدود ضيقة، وهو تناقض لا يمكن حله بسهولة عبر تفاهمات تقنية، لأنه يمس جوهر التوازن الإقليمي.
مع ذلك، فإن تجارب سابقة، مثل الاتفاق النووي عام 2015، أظهرت أن التوصل إلى تسويات جزئية ممكن، تقوم على مبدأ “تجميد مقابل تخفيف”، أي الحد من بعض القدرات مقابل رفع تدريجي للعقوبات، دون حل كامل لجميع الملفات الخلافية. وهذا النموذج قد يعود بصيغة معدّلة إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات المتبادلة.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في صياغة الاتفاق، بل في استدامته، إذ إن غياب الثقة بين الطرفين، والتغيرات في الإدارات السياسية، يجعل أي اتفاق عرضة للانهيار، كما حدث سابقاً، وهو ما يدفع كل طرف إلى التشدد في مطالبه لضمان أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل التوقيع.
كما أن إدخال العامل الإسرائيلي يزيد من تعقيد المعادلة، إذ إن بنيامين نتنياهو يميل إلى مقاربة أمنية صارمة، تقوم على منع إيران من تطوير قدراتها بأي وسيلة، بما في ذلك العمل العسكري، وهو ما يحدّ من هامش المناورة أمام أي إدارة أمريكية تسعى إلى تسوية سياسية.
ومن زاوية الفلسفة الحضارية، يمكن القول إن فرص السلام ترتبط بمدى القدرة على الانتقال من منطق “كسر الإرادة” إلى منطق “إدارة التوازن”، فالحروب التي تُبنى على فرض الاستسلام الكامل نادراً ما تنتهي بتسويات مستقرة، بينما تكون فرص النجاح أعلى عندما يتم الاعتراف المتبادل بالحد الأدنى من مصالح الأطراف، حتى في ظل استمرار الخلاف.
وفي ضوء ذلك، تبدو آفاق السلام ممكنة ولكنها مشروطة، فهي تتطلب أولاً تثبيت وقف فعلي للتصعيد، وثانياً الانتقال إلى مفاوضات واقعية تتجنب الشعارات القصوى، وثالثاً توفير ضمانات دولية تمنع انهيار أي اتفاق مستقبلي.
غير أن المسار المقابل — أي استمرار التذبذب بين التصعيد والتهدئة دون حسم — قد يقود إلى حالة من “اللاحرب واللاسلم”، حيث تستمر الضربات المحدودة والتوترات الإقليمية دون الوصول إلى تسوية شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب إذا لم يحدث اختراق سياسي حقيقي.
إن السلام في هذه الحالة ليس قراراً يُعلن، بل عملية معقدة تُبنى تدريجياً، وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع، تضاءلت فرص الوصول إليه، وهو ما يجعل المعيار الحقيقي لأي حديث عن السلام ليس في الكلمات، بل في مدى قدرة الأطراف على إعادة تعريف أهدافها بما يسمح بالتلاقي لا بالتصادم.


